أما إن شارلي شابلن عبقري وفيلسوف فهذا ما لاشك فيه، وأما إن فلمه الجديد (العصر الحديث) عظيم فمسألة فيها نظر فنحن إذا نظرنا إليه على أنه عمل رجل عبقري لا تنطبق عليه القواعد المألوفة والمقاييس المعروفة وجدنا عملاً عظيما حقا يحس الإنسان أثناء عرضه بسرور ولذة، ويستمتع بأفكار شارلي وطريقته الفكهة في عرض هذه الأفكار، ولكننا إذا حاولنا تطبيق المقاييس الفنية الدقيقة نجده لا يسمو على غيره من الأفلام التي تعرض بين حين وآخر، بل ربما تنقصه بعض العوامل الفنية التي تتوفر في تلك الأفلام
والفكرة الرئيسية التي يقوم عليها الفلم جليلة، فهو ينقد العصر الحديث، ويسخر من سيطرة الآلات على الإنسان ويبين أنها لا تسعد الإنسانية، بل تستعبد البشرية؛ وقد أفلح شارلي في مزج الفلسفة بالقصة. ولكن الفلم طويل في غير حاجة إلى الطول، وإن الناقد ليحس أن هناك فصولاً Sequences جيء بها لتسد فراغ الوقت حتى لا ينتهي العرض في زمن قصير
بدأ شارلي فلمه بمنظر قطيع من الغنم يسير إلى الحقول، وأعقبه بمنظر العمال يتدافعون إلى المصنع، وكأنه يرمي بهذا إلى أن العمال قطيع من الغنم يقودهم الرأسماليون
ويظهر لنا شارلي تلك الشخصية الإنسانية، أو قل الرمزية التي تعيش بأسلوبها الخاص في مشيتها وملابسها وقبعتها وعصاها، هذه الأشياء التي أصبحت جزءاً متماً للشخصية - تعمل في مصنع كبير - تؤدي عملا، وكأنها جزء من تلك الآلة، يرهقها العمل المضني المتشابه الذي يبعث السأم، ويؤدي بها إلى نوع من الهستيريا. وترسل إلى مستشفى الأمراض العقلية حيث يعاودها الهدوء والسكنية. وعندما يسمح الطبيب لها بمغادرة المستشفى نراه ينصح بالابتعاد عن كل ما يثير الأعصاب؛
ولكن لا تكاد تتصل بالحياة حتى ترى تيارها الزاخر الصاخب، وحركات المرور، وكل ما هو وليد المدنية والعصر الآلي
ثم يصور شارلي بؤس العامل العاطل، وكيف تقسو الحياة على أطفاله، فيغدون لصوصا وما هم بلصوص، وإنما هم طلاب قوت. ونرى المظاهرات ومقاومة رجال الشرطة للعمال واقتيادهم إلى السجن، وحيث يقدم إليهم الطعام والشراب. وهنا تبدو سخرية شارلي من النظم الاجتماعية، فإن العامل يأسف على مغادرة السجن ويود لو بقي فيه، فالطعام والشراب خير لديه من الحرية التي يتغنى بها الناس!!
وتتصل أسباب الصداقة بين شارلي وابنة أحد العمال الذين قتلوا في مصادمة مع رجال الشرطة، ونرى شارلي جالساً يحدثها ويعرض على الشاشة حلم اليقظة. فنراهما يعيشان معاً في كوخ جميل، وشارلي على مقعد يمد يده دون جهد فيتناول حبات العنب من عناقيدها المدلاة، ويمد يداً ثانية فيتناول فاكهة أخرى، ثم يسير إلى بقرة ويضع تحت ثديها آنية فتدر اللبن وحدها دون أن يبذل هو أي جهد في حلبها، وإنما يرمي شارلي بهذه الصور جميعاً إلى أن العامل لا يحلم إلا بالراحة؛ فهو في حلمه لا يريد حتى أن يبذل أي جهد، وينقضي الحلم ونراهما في اليقظة بعد أسابيع قليلة في كوخ متداع حقير، لا يصلح مأوى لأحقر الحيوانات، ومع ذلك فهما سعيدان معا. فالعاطفة التي بينهما كافية لأن تبعث السعادة في نفسيهما وتعوضهما عن كل شيء آخر
هذه الآراء التي صورها شارلي والتي جئنا على ذكرها خير ما في الفيلم، ولو أنه اقتصر عليها وأحكم الرابط بين أجزائها لجاء الفلم قوياً. فالبقية ليست إلا حشواً وتكراراً
فهو في عمله كحارس ليلي يلبس النعل ذا العجلات ويتزلج معصوب العينين يلهو ويمرح، لم يفلح في بعث السرور إلى النفس، وهؤلاء العمال الذين تسللوا في الظلام إلى حيث يجدون الطعام ترديد لفكرة سبق أن صورها، وكذلك هو مع رئيسه في المصنع الجيد يصلح الآلة، ثم هو في مصنع السفن إنما يعرض حالة لا ترتبط بسياق القصة الرئيسية كبير ارتباط والفلسفة كانت أكثر مما يحتمل الفلم، ففي النهاية نجد
شارلي يعمل خادماً في مطعم كبير ونراه يحمل الطعام مخترقاً الراقصين، وعندما يصل إلى المكان المقصود يجرفه تيار الراقصين ويسير به إلى حيث بدأ، وأخيراً وبعد الجهد يصل ولكن يجد الطعام قد سقط منه!! وكذلك بعد أن ألقى قطعته الغنائية وتقبل تهانئ مدير المطعم ووعدا بالعمل المستمر وأحس بأن السعادة مقبلة، نرى القدر يعاكسه إذ يرسل إليه رجال الشرطة يطلبون فتاته فيهرب معها تاركا السعادة بعد أن كانت بين يديه. فهذا الإمعان في الفلسفة فيه بعض الإرهاق لرواد السينما، وهؤلاء قد يضحكون من الحركات ولكنهم لا يفهمون ما يرمي إليه المؤلف والمخرج. وفي رأيي أن واجب رجل السينما تبسيط الآراء ما استطاع والناحية الفكهة في الفلم لا بأس بها، ولكنها ليست قوية إلى الدرجة التي كنا نتوقعها ونرجوها؛ وخير ما أذكر له جلسته أمام الآلة التي تناول الطعام، لاسيما وهو يحاول أكل الذرة ثم وهو يقفز إلى الماء ليغوص، فإذا بالمكان الذي يسقط فيه ضحل فيتألم ويعود أدراجه دون أن يتم الاستحمام
يبدو لي أن جهود شارلي الموزعة هي السبب الأول في ضعف الفلم. وقد تحدثنا عن ضعف الرابطة بين كل جزء وآخر، وعن الحشو والتكرار، وهذا ما جعلني أنظر إلى هذا الفلم كأنه نوع من الاستعراض، فليس هو بفكرة واحدة متسقة تعالج علاجا فنيا
والتصوير بدائي Primitive وليس هذا الذي شاهدناه بالمستوى
الذي يليق بفلم كبير كهذا، فلم تكن هناك مهارة في اختيار زوايا التصوير، كما أن شارلي قد عمد في جميع الصور المتتابعة إلى التقاط الصور المتوسطة Medium Shols وكأنه ليس في التصوير السينمائي غيرها
وحاول أن يرسم صورا متباينة Contrast لحالة العمال والرأسماليين فجعل فتاته الجائعة المحرومة تقف ذاهلة ثم تنقض على الفطائر ثم تنتقل إلى قسم الأزياء وتختار معطفاً ثمينا من الفرو الأبيض فترتديه وترقد على فراش وثير، ولكن الصورة ضعيفة وأثرها في النفس غير عميق
والتمثيل عادي، ولقد مثلت بوليت جودار دور الفتاة فلم تبد تلك المهارة والمقدرة التي تحدثت صحف السينما عنها وهي لا تزال ممثلة مبتدئة
والصورة الأخيرة التي يظهر فيها شارلي وفتاته يسيران في طريق مجهول يتهيئان لكفاح جديد من أحسن الصور وأوقعها أثراً، ولقد فكرت كثيراً ثم قلت لنفسي، ألم يكن من الخير أن يسمى هذا الفلم. . . (الأمل) ؟!
والفيلم في مجموعه مقبول وفيه جمال، ولكنه يقل كثيراً عن فيلم شارلي السابق (أنوار المدينة) وإن اختلف موضوع كل منهما، إلا أن (أنوار المدينة) كعمل فني ترجح كفته على كفة الفلم الجيد.
