الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 306 الرجوع إلى "الثقافة"

العطر

Share

كان الوقت وقت الظهيرة حينما مضي بي صديقي إلي أحد المطاعم الأفرنجية بشارع فؤاد الأول . وكان صديقي يبتسم ابتسامة ذات مغزي ، وكأنما ادرك ما نمت عنه ملامحى انى استبينه مغزي هذه الابتسامة ، فأنشأ يقول وقد انبسطت أساريره :

- أتدري ؟ إن ذكري من ذكرياتي اللطيفة قد آثارها الساعة مرورنا بمحل ) . . ( ونحن في طريقنا إلي هذا المطعم قلت : إنه محل للتجمل والزينة . . أعني أنه يبيع لوازم النساء . فهل الأمر يتعلق . . . . وقطع علي صديقي قائلا :

- . أجل إنه لكذلك . غير أن " الحادثة " ليست " مأساة جرت إليها مغامرة من مغامرات الشباب ! إنها لا تعدو ان تكون " ملهاة " تستثير الضحك والإشقاق . . ولعلها تستذرف الدمع أيضا ! وإني لأري ان نتلهى الساعة بذ كرها ، فإنه ليحلو للإنسان عادة ان يجتر ذكرياته " الطريقة اللطيفة " يتندر بها وهو  يملأ معدته بالطعام ؛ فإن ذلك ليجعله مستطابا سائغا دون شك !

وضحكنا . ثم تشاغلنا قليلا في التهيؤ للطعام - وبعد برهة وجيزة بدا لصديقي أن يتكلم .

كان ذلك منذ خمس سنوات على التقريب ، حينما كنت بوزارة المعارف ، وكان عملي يقتضيني السفر بين آن وآخر إلى الثغر . وكنت قد اعتدت هذا السفر المباغت ؛ فكان ثمة حقيبة صغيرة عندي ، معدة دائما لهذا الغرض . وكانت فترة غيابي لا تتجاوز - عادة - أياما ثلاثة . ولا أطيل عليك . ففي رحلة من رحلاتي

تلك ، حدثت الحادثة " ولم يتجاوز ميدانها القطار

كان صباحا جميلا منعشا ، وكانت الشمس تغمر الأرض ، وكان الجو في هذا اليوم يغري بالحركة والخفة والنشاط ، فقصدت بخطى سريعة متأهبة إحدي عربات الدرجة الأولى . وما أن جلست حتى فاح عطر عجيب فذ في أرجاء العربة ، وسري العطر إلي خياشيمي ، وملأ رئتي ، وتسرب في رفق إلي اعصابي فخدرها ،

وأحال جو القطار في لحظة واحدة بستانا من البساتين الشجراء الفيحاء ! فأغمضت عيني واسترسلت في احلام لذيذة . واذهلنى هذا الجو الجديد الذي ابتعثه العطر عن كل ما كان يجري حوالي فلم أعد أرى السفر وهم جلوس في " الصالونات " او وقوف في الممشي ؛ ولم اعد أسمع صوت عجلات القطار المدوي ؛ ولم أعد أري سحب الدخان المتصاعدة التى أحسبها دائما تحجب جزءا غير صغير من هذا القطار الضخم المفرط في الطول .

لم أعد أحس شيئا من ذلك على الإطلاق . . بل انتقلت طفرة واحدة - نقلني هذا العطر - إلي " جو العاطفة " جو الوجدان " ؛ وانسابت انغام رائعة إلى إذني أو هكذا خيل إلي ، وشعرت فجأة بنشاط عجيب يدب في كل اوصالي ، وكأنما هذا العطر قد ضرب على كل وتر في قلبي ، وشد - في عنف - كل عصب من اعصابي ، واستفزه إلى إدراك الجمال والإحساس به ، إحساسا غريبا

. واستغرفت - وأنا على هذا الإحساس - في تأملات ذهبية ، وخفق قلبي خفقانا شديدا ، إذ تملكتني - وأنا غارق في تأملاتي تلك - رغبة ملحة في أن أتعرف إلي صاحبة العطر ، التي لاشك في أنها تجلس الآن في نفس العربة في أحد " الصالونات " .

وحاولت أن أطرد هذه الخواطر قليلا عن نفسى أو أمسك زمامها ، ولكنها كانت في جموحها وطغيانها كالفيضانات المجنونة الطائشة ! وقد هدتني فطرتي إلي ان هذا العطر ليس مما يتطيب به الرجال ، فهو لا محالة مما تتعطر به النساء ودفعني هذا الخاطر إلي الإسترسال في خواطر اخري تتصل بذات الموضوع ، فهداني منطقي إلي أن صاحبة العطر لا يمكن إلا أن تكون شابة أو امرأة نصفا على الأقل ، فما يتعطر المتقدمات في السن بمثل هذه العطور

. وهذه الشابة - أو المرأة النصف - ألا ينبغي أن تكون جميلة . . بل فاتنة ؟ !

لابد أن يكون الأمر كذلك . . وإلا لاستحيت بأن تتعطر بمثل هذا العطر . . وهنا بدا لعقلي أن يحتج قليلا على عوج منطقي هذا . . فإن من النساء الدميمات القبيحات من يسرفن في التجمل والتزين . . بل لعل دمامتهن تكون حافزا لهن على المبالغة في ذلك . وعلي كل حال فإن المرأة الدميمة لا تقتنع - عادة - بهذه الحقيقة ولا تسلم بها سريعا ، ويخيل إليها - وهي أقبح القبيحات - أنها أجمل خلق الله طرا !

غير ان عواطفى الفاترة الثائرة ما لبثت ان اجتاحت كل هذه الاحتجاجات وأزهقت انفاسها سريعا . . ولم يبقي في خاطري إلا ان هذه الشابة لابد ان تكون مفرطة الملاحة والبهاء

ومن الإنصاف لنفسي ان اقول : ) إنه في مثل هذا الجو الذي يثير المشاعر ويستفز الخيالات البديعة يصعب على الإنسان جدا أن يتصور " الدمامة والقبح " ! فلم يكن غريبا إذن أن يرسم خيالي لتوه - وهو اسير هذا العطر الفذ - صورة المرأة التي أنشدها . . أي المرأة المثالية في نظري

ثم شطح خيالي - وقد أخذه الزهو بهذا النجح - فأبي إلا أن يكون كريما ! وطفق يجمل " معبودتي ويضفي عليها الثياب الأنيقة ؛ وها هو ذا قد صورها تلبس الفراء الثمين - وكنا في فصل الشتاء وها هو ذا يكمل الصورة حتى لايتهم في إبداعه وقدرته - فيضع في يديها قفازا غريب الشكل واللون ؛ وهاهو ذا يترفق بالعابد الولهان فيجعلها تبتسم ابتسامة حلوة تنم عن الرضا والاطمئنان إلي الحياة وانشراح البال . فهي اليوم إذن سعيدة . لاشك في ذلك ، ويرجع هذا الحدس إلي ان اليوم صحو ، والجو جميل ، واليقظة تدب في عروق الأرض ، فتنبض بالحياة ، وتنتفض انتفاضة الحيوية

وانتعش قلبي ، ورأيتني أكاد  أرقص من فرط النشوة ، مما لفت إلي انظار الجالسين ، ولكنني لم أعبأ لهذا كثيرا . . فقد كانت الفرحة تشيع في كياني وتغمرني

ورأيت أن أخرج إلي المشي لألتمس صاحبة العطر على هدى الرائحة . بيد أنني - إذ خرجت إلي الممشي - خانتني شجاعتي ، وشعرت كأن قلبي يكاد يخرج من ضلوعى ، وشعرت كأن الأرض تميد بي ، وحال لون وجهي . وكان ذلك كله نتيجة التفكير في " جمال " هذه المرأة . لعلها تقلب حياتي رأسا علي عقب .

لعلها تتحكم في قلبي وتجعلني أسير جمالها الفذ ! ولعلها تكون . . متزوجة !

وتوقفت عند هذا الخاطر ، وتصبب العرق باردا علي جبيني ، وخيل إلي انني محموم ! فما ينبغي لمثلي ان يغرق في الخيالات إلي هذا الحد ، وان يستغرق في هذه " الصبيانيات " المضحكة " !

. ورفعت رأسي متثاقلا ، وقد تكدرت بعض الشئ . . بيد أن بصري وقع في تلك اللحظة عينها على أختي المتزوجة في الريف

. . وتصافحنا في حرارة ، وسألتها سر سفرها إلي الثغر ، فأجابت أنها أتت إلي القاهرة منذ أسبوعين على التقريب لزيارة " المعرض ، وآثرت الا تبرحها إلي الريف - محل إقامتها - قبل تمضية بضعة أيام في الإسكندرية ؛ وأضافت أن جو الإسكندرية يعجبها في الشتاء أكثر مما يروقها في الصيف على خلاف المألوف . . والمهم أن اختى قد استثار فضولها اضطرابي وترددي ، فسالتني عن السبب ، فاكدت لها ان لا شئ على الإطلاق

ولا أكتمك أن مقابلة أختي هذه ضايقتني مضايقة شديدة ، فما كنت في حالة يرضيني مقابلتها وأنا عليها . .

وكنت أيضا مشغولا بخواطري تلك عن كلمات المجاملة ، وما تستلزمه تلك المقابلات المباغتة من السؤال عن الصحة والزوج والولد ! وفضلا عن هذا كله فإن مسألة صاحبة العطر " كانت وقد استبدت بي استبدادا عجيبا وشغلتني حتى عن نفسى

ولست ادري على التحقيق . . أ كان مرد هذا إلي هذا النشاط العجيب الفذ الذي كنت اشعر به هذا الصباح ؟ وكأن الأقدار قد لفقت هذه " المسألة " لأستنفد شيئا من هذه الطاقة المتفجرة حيوية ونشاطا . وأرتاح !

وقالت أختي تحدثني - ألا تري أنها حماقة قلت : - ماذا  - ان اشتري شيئا من " الكماليات " بمبلغ خمسة جنيهات ! فقلت - وقد بدأت أفطن سريعا إلي حقيقة الأمر . - وما هذا الشئ ؟ زجاجة عطر ؟ فسألتني مستفسرة ، - كيف عرفت ذلك ؟ ! فأجبت وأنا أغتصب ضحكة مفتعلة .

- ليس هذا بغريب . فإن الإنسان لينفذ احيانا إلي الغيب المجهول وكأنه ضوء النهار الساطع يغشي عينيه   ثم حولت مجري الحديث في خفة ولباقة . .

اشترك في نشرتنا البريدية