الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 368الرجوع إلى "الثقافة"

العظمة ...

Share

ما دامت العظمة تعلو علي قدرنا . كما يقول " مونتاني " فلتنتقم منها بالحط من قدرها والتقليل من شأنها .

و" مونتاني " قد قال هذا القول وهو بالطبع يمزح . وإني لأعرف كثيراً من الناس ومنهم من سوف يشفق على . ومنهم من سوف يهزأ بي . لحاولتي خوض لجة هذا الموضوع الخطير .

وإني لأحمد الله ، والرضا يملأ نفسي ، على أنه - سبحانه - قد خلقني كما أنا .

وإني لأعترف أني أحب التواضع في كل الأمور . فأنا أرضى بضيعة صغيرة تدر على الخير القليل .

وأنا أرضي ببيت صغير يؤويني . وأنا أرضي بأصحاب قليل عددهم . وأنا أرضى بمأدبة غاية في البساطة .

وإذا قدر لي أن أقع في شرك الحب مرة أخرى فسوف أختار صاحبتى من صاحبات الملامح الحسنة والهيئة الظريفة لا من بين الساحرات الفاتنات اللائي يسميهن هومير . بنات عبقر...

ومن الناس من يأبى إلا أن يمشي في الأرض مرحاً يختال في برديه وملء إهابه الكبر

وإذا تكلم لو شدقه للتفصح . وهو في اختيار خدمه  لا ينتقي إلا من لهم جثث ضخام .

وهو في إنتقاء أدوات المائدة لا يختار إلا الصحاف التي جاوزت المدي في الإتساع .

وإذا مشي إلي جانب رجل طويل مط عضلاته وارتفع بقدميه حتى يبزه طولا ليكون - في نظر نفسه - رجلا على الكعب عالي القدر...

هذا ما وصف به سليكا ( أحد بلغاء الأدباء الرومانيين وقد توفي عام ٣٩ بعد الميلاد) هذا الصنف من الناس الولعين بالعظمة الخادعة الكاذبة .

هذا الصنف من الناس - على ضؤولة جهده وفقر وسائله - لا يرضي مما دون النجوم مقاماً ومستقراً . وهو يقول لنفسه : - إذا أنا بلغت مكان كذا . إنني لسعيد حتى إذا بلغ ذلك المكان همت . نفسه فطلب المزيد ، فإذا بلغ القمة كان عرضة للسقوط من أعلى الجبل .

ولكنه - كما تقول الأسطورة - لن يستطيع أن يظفر بالطمأنينة ومكانها فوق مكان القمر - كما تقول الأسطورة أيضاً .

وقد قيل إن الرواد الأولين من الناس قد أرادوا - في محاولة ملؤها الشجاعة والجرأة - أن يقيسوا السماء ، وظنوا أن الوسيلة لبلوغ ذلك أن يركموا الجبال فوق بعضها ، فلما بلغ ما ركموه جبالاً ثلاثة قدروا أن لم يبق إلا جبلان أو ثلاثة ، ثم برق البرق وقصف الرعد فدكت الجبال دكاً . وباء أصحابنا بالخيبة الكبرى .

( وبعد ) فإن العظمة كائنة ما كانت ليست لها حقيقة وجودية . إنما هي من نسج الخيال ، وهي مسألة نسبية لا يمكن أن تقاس إلا بطريق المقارنة .

فأنت تري أن ليس هناك وقت للصبح . ووقت للظهيرة . ووقت للغروب . إلا بالقياس إلي بعض البلاد وليس بالقياس إلي جميع البلاد .

فكل شئ تافه وحقير، وكل شئ عظيم وجليل . بالقياس إلي شئ يقارن به ويقاس عليه .

فهناك قرية في الهند أو في الصين قد أكون فيها أنا رجلاً عظيماً وقد أجد من يجعلنى شبيهاً بقيصر .

ووجه الشبه أنني أصبحت أول رجل في تلك القرية . وإنجلترا - مثلاً - إسمها بريطانيا العظمي . وقد سميت كذلك بالقياس إلي قسم من العالم . أقل منها مساحة ولكنه يشاركها الأسم .

فإذا قسنا بلاد بريطانيا العظمي ببلاد الصين ضؤلت

بريطانيا العظمي وتوارت في الحجاب .

وبلاد الصين قسم صغير جداً من الأرض إذا قيست بمساحة الأرض كلها .

وعالم الأرض صغير جداً إذا قيس إلي العوالم الأخرى التي لا عدد لها ولا حصر .

( من الأنجليزية )

اشترك في نشرتنا البريدية