اطلعت على الجزء الأول من كتاب العقد الذي تخرجه لجنة التأليف والترجمة والنشر أيام ظهوره ، وقرأت جملة منه ، فوقفت عند بعض الكلمات وبعض التصحيحات ، وكتبت مقالة في ذلك أرسلتها لمجلة الرسالة الغراء ، فلم تنشرها - ولست ادري سبب ذلك - ثم نشرت بعد ذلك في هذا الموضوع مقالات " لاستاذ جليل واظن أنه لم يتمها .
إن الكتب القديمة أمانة في عنق كل أديب ، وإصلاحها من أوجب الواجبات ، وكل من وجد فيها شيئا وجب عليه أن ينبه إليه ، وإلا كان ظالما ومقصرا في أداء الحقوق .
وعلي هذا الأساس أبعث للثقافة الغراء بهذه التصحيحات رجاء بحثها وتمحيصها .
1 - كتب معاوية إلي زياد : " إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة ، لا نلن جميعا فتمرح الناس في المعصية ، ولا نشتد جميعا ، فتحمل الناس على المهالك " هكذا كان الكلام في النسخة القديمة التي معي من العقد ، ولكنه في النسخة الحديدة : " لا نلين " فلماذا ؟ إن سياق الكلام يقتضي ان تكون " لا " ناهية لا نافية ، لأن معاوية يوجه زيادا إلى اصل من اصول سياسة الناس ، وقد جزم المضارع المبدوء بنون المتكلمين بلا الناهية ، وذلك كقول الوليد بن عقبة :
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد
لها أبدا ما دام فيها الجراضم
وأشارا في كتب النحو إلي أن ذلك نادر ، ولكني أبين هنا أن هذه الندرة ليست ترجع إلي ضعف القاعدة
النحوية ، وإنما ترجع إلي قلة دوران هذا المعنى في استعمالات الكلام .
٢ - جاء في صفحة ٩٤ : قال المغيرة بن شعبة : " أحب الإمارة لثلاث ، وأكرهها لثلاث ، أحبها لرفع الأولياء ، ووضع الأعداء ، واسترخاص الأشياء . وأكرهها لروعة البريد ، وموت العزل ، وشماتة الأعداء وفي النسخ القديمة : " وفوت العزل " وكلاهما خطأ والصواب : " خوف العزل " .
٣ - في صفحة ٤٩ جاء في وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز : " وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب لم يصدقوك في الحق " وهذه العبارة تحتاج لتصحيح بدون شك ، وقد صحت هكذا : " وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب ، فانهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق " اقول : إن هذه الزيادة الطويلة في التصحيح ينبغي الاتكون إذا مكن البعد عنها ، وذلك حتى يسير الكلام على نهج واحد واسلوب متفق ، اليس الاحسن أن يقال : " وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب وإلا لم يصدقوك في الحق " بزيادة إلا دون غيرها في الموضع المناسب لها . أو يكون التصحيح هكذا : " وإنك إن يظهر لرعيتك منك كذب لم يصدقوك في الحق " وظاهر ان " إنك قريبة من " إياك " في الخط ، وتحريف إحداهما عن الاخري أمر غير بعيد .
٤ - جاء في هذه الوصية : " واستشر جلساءك ، وأهل العلم ، فان لم يستبن لك بأنك رأيى فيه إن شاء الله " وكنت أحب من حضرات المصححين أن يبينوا مرجع الضمير في كلة " فيه " .
أكتفى الآن بهذا القدر املا أن تسمح الفرصة بالمتابعة إن شاء الله في أعداد قادمة .
الزقازيق
