الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

العقلية الاقتصادية، ،

Share

ان المؤرخين المقبلين -اذا هم التفتوا الى حياة البلاد التونسية في مستهل هذا النصف الثاني من القرن العشرين ، وراموا ضبط ما تتصف به عقلية الامة التونسية فى هذه الفترة - لواجدون ، لا محالة ، ان الاهتمام بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والانشغال بهذا الميدان من ميادين النشاط القومى هو من ابرز ظواهر العقلية التونسية غداة الحرب العالمية الثانية . وسيعتمد المؤرخون في تحقيقهم لهذه الظاهرة على عاملين اثنين : عامل الكلام والقول ، وعامل الاحداث اليومية . ومما يجوز لنا الجزم به ، ونحن المعاصرون لهذه الفترة ، السالكون لطريقها والمضطلعون بمحتوياتها ، ان الصحافة التونسية - ايا كان لسانها - اكثر معالجة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية اليوم مما كانت عليه فيما بين الحربين العالميتين وان ساسة الامة ورجالها المسؤولين اكثر حديثا عنها فى خطاباتهم وتصريحاتهم منذ سنين . هذا فيما يخص عامل القول والكلام - اما فيما يخص عامل الاحداث فمما لاشك فيه ايضا ان المجتمع التونسي لم يزل منذ عشر سنين يتعثر فى المصاعب المختلفة ويعاني الازمات المتعاقبة فى الانتاج والغذاء ، فى الشغل والاجور ، في التجارة وكفة الميزان وفى الصحة والمسكن . . ولم تزل الطبقات الشعبية تحاول التخلص من هذه المصاعب بشتى الوسائل ما بين وسائل منظمة ، مقدرة ، ووسائل ارتجالية اندفاعية .

ولا اعتقد انه يجوز لنا ان نقول بوجود هذه العقلية الاقتصادية والاجتماعية فى الطبقات الشعبية التونسية ، او بعبارة اصح ، لا اعتقد ان الطبقات الشعبية اصحت متصفة بالوعى الدقيق الشامل فى هذه الاغراض ، وان في امتنا اليوم اتجاها معينا مضبوطا بخصوص مشاكلنا الحاضرة فى هذه الميادين وما نبغيه لها من حلول فى المستقبل . بل لا اعتقد ان المسؤولين التونسيين ايا كانت مسؤوليتهم وفي مقدمتهم رجال الحكومة الحالية - هم اليوم على بينة من امر البلاد فى هذا الشان ، ولا انهم مدركون تمام الادراك ما لهذه الامة من حاجيات ، وما

لتلك الحاجيات من اسباب وما بين ايدينا لمجابهتها من امكانيات . انما هى فى نفوسنا جميعا اتجاهات غامضة ، ونزعة مبهمة لم يهذبها العقل ولا غرباها التحليل او نقاها الاختيار فضبط حدودها . نحن لا نزيد على الايمان بخطر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ، وباهميتها بالنسبة لحاضرنا ولمستقبلنا بالخصوص .

وقد دفعنا بحكم هذا الايمان الى معالجتها واقبلنا دون سابق استعداد على النظر فيها . هو منا موقف الاجتهاد الشرعى ، لنا فيه ، وان اخطاأنا ، اجرا المؤمن المجتهد

وعلى ذلك فلا ينبغي ان نخطئ .. والشرط الاول للاصابة هو التواضع امام الواقع وترك الصلف الفكرى.. فنحن لم نتعود من قبل معالجة مثل هذه المشاكل . ومن الصدق ان نعترف بان المحامين التونسيين - وهم احق الناس بالتخصص فيها - قد اهملوها دهرا طويلا ، او هم لم يفرغوا لها ولا اعاروها ما تستحقها من الاهتمام . وما كانوا يستطيعون ان يفعلوا غير ما فعلوا بسبب الوضعية الاستعمارية التى كانت خانقة لحياتنا العامة .

ومن الصدق ان نعترف بان بذور هذه العقلية الجديدة لم يبذرها رجال علم ولا حملة شهادات جامعية ، بل بذرها رجال عمل وكفاح من امثال محمد على القابسي وفرحات حشاد . قد وفقهم الله وبارك فى مساعيهم فخلفوا للامة هذا الوعى الذى به تستطيع ان تحاسب ساستها وتناقشهم فيما ينهجون بها ، وبه كذلك تطلب مزيدا من الوضوح والادراك . ان هذا الاستعداد الطيب فى الجماهير الشعبية وهذا الميل الغامض الى الميادين الاقتصادية والاجتماعية هو اوثق ضمان لنا فى حاضرنا ومستقبلنا .

على اننا مسؤولون بحكم ذلك الاستعداد وهذا الميل ؛ ومسؤوليتنا تقتضينا ان نحاسب معارفنا ونمحص زادنا فى فني الاقتصاد والاجتماع فنتعرف الى مالنا فيهما من فادح النقص ، ونقبل بجد على الدرس الدقيق المضبوط ، وعلى الاستزادة الواسعة . حتى نستطيع ان نلقن تلك المعارف الى ابناء شعبنا ، ونغذي تلك العقلية الناشئة بما تتطلبه من معلومات . بذلك وبذلك وحده نستطيع ان نذكر حماس محمد على وابتسامة فرحات حشاد ، فلا نجد الشعور بالخجل .

اشترك في نشرتنا البريدية