الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 33الرجوع إلى "الثقافة"

العقل والغريزة

Share

كيف السبيل إلى معرفة الحق ؟ أى طريق يسلك الانسان ليعلم الحقيقة الخارجة عنه ؟ إن رجل الشارع ليجيب فى غير تردد : إنى أرى الشيء أو أسمعه أو ألمسه فيدرك عقلى على الفور ماذا ألمس أو أسمع أو أرى . . . ولكن أصحاب الفكر الدقيق لا يقنعون بهذا الجواب السريع ، بل يعمقون وراء السطح ، فتتشعب آراؤهم ويختلفون فى وجهة النظر ؛ فمنهم من يبحث ثم يبحث حتى ينتهى إلى الرأى السابق بعينه ، وهو أن إدراك الحقيقة يكون بالحواس فالعقل . ومنهم من يزعم أن العقل يسبق إلى إدراك الحقيقة بغير استعانة بحواس ، أى أن صنوف العلم مقطورة فى العقل بحكم طبيعته ، ولا يحتاج لادراكها إدراكا واضحا ، إلا أن يدرك بحواسه هذا الشئ وذاك ، لتنزو فى الذهن معرفته الكامنة . وفريق ثالث يذهب إلى أن العقل لا شأن له بادراك الحقيقة الخالصة الخالدة ، وإنما السبيل إلى ذلك هى البصيرة ، أو قل الغريزة ، أو إن شئت فقل البداهة الفطرية ، التى يستوى فيها الحيوان والانسان مع اختلاف فى الدرجة دون النوع . وقد يجمل بنا أن نضيف إلى هؤلاء فريقا رابعا لا يرى إلى الحقيقة سبيلا من السبل ، ويسخر من كل مجاهد فى سبيل إدراكها ، لأنه إما أن تكون هذه الحقائق الثابتة المزعومة وهما وخرافة ، وإما أن تكون واقعة ولكن الإنسان لا يملك السبيل إلى بلوغها .

وأهم هذه الجماعات اثنان : تلك التي تؤمن بوسيلة العقل ، وتقنع به كأداة صالحة للوصول إلى العلوم جميعا ؛

والأخرى التى تؤمن بأن البصيرة وحدها هى التى يمكن أن يركن إليها ، لأن العقل يخطئ ويزل ، وأما هى فمعصومة من الزلل . ولقد دارت الحرب سجالا بين الجماعتين ، فقرنا تغلو كلمة العقل وقرنا تسيطر الغريرة ، ولعل أزهى عصور العقل هو القرن الثامن عشر الذي شهد فولتير فى فرنسا ، كما شهد بوب ومدرسته فى انجلترا . ولكن سرعان ما شالت كفة العقل وأخذت كفة الغريزة فى الرجحان ؛ فنهض روسو فى فرنسا ينادى بالرجوع إلى الطبيعة وتحكيم البداهة والفطرة فيما يعرض للانسان من مشكلات ، وظهرت فى انجلترا بوادر نهضة رومانتيكية قوية ، بدت أوائلها في وليام كولنز وبلغت عنفوانها فى در دز ورث وكولر دج وأخذت هذه الحركة التى تناصر الفطرة تثور على كل ضروب الحكم وصنوف الفكر التى تسودها الصناعة والتكلف ؛ وقد أبدها رجال الدين لأنهم كانوا يخشون أن تتقوض أركان العقيدة إذا تمت للعقل السيادة وكتب له السلطان .

وجاء القرن العشرون ، فوجدت الغريزة نصيرا لها فى " برجسون " الذى أخذ ، ولا يزال ، ينادى بأن العقل يستحيل عليه أن يبلغ الحق ، وأن البصيرة وحدها هى الطريق الطبيعي المأمون . وإنما بعث " برجسون " هذه الصرخة الداوية فى وجه العقل وأنصاره ، حين رأى دارون وسبنسر فى انجلترا يدعوان فى قوة فى القرن التاسع عشر إلى ما دعا إليه فولتير وأنصاره فى القرن الثامن عشر ، وحين رأى النزعة المادية تعود فتطغى على أوربا بعنف لا يكاد يثبت فى وجهه دين ولا عاطفة . . . يقول برجسون إنه ليس

العقل أداة صالحة لإدراك حقيقة الكون ، لأن نهاية مجهوده أن يقف عند ظواهر الأشياء ، وهو يجزىء الوجود ليتمكن من دراسته جزءا جزءا ، مع أن الوجود في حقيقته وحدة موصولة الأطراف - إن الوسيلة التى تدرك بها الشاة ما يتهددها من خطر الذئب ، أقرب جدا إلى اليقين ، من كل ما عسى ان يصل إليه العقل بعد الدراسة والتحليل . وإدراك المرء بفطرته لوجود نفسه ووجود الله خير ألف مرة من هذه البراهين التى يقيمها العقل تارة وينقضها طورا ... إذا أردت أن تبلع الحق فأستلهم بصيرتك .

ولقد أجاب على ذلك - فيمن أجاب - برتراند رسل الفيلسوف الانجليزى المعاصر ، فقال إن هذا التعارض بين أحكام الغريزة وأحكام العقل وهم ليس له وجود . إن كليهما ضروري لوصول الانسان إلى الحقائق المنشودة ؛ فالغريزة ، أو البصيرة ، أو البداهة ، تدرك الرأى أو العقيدة إدراكا مباشرا ؛ ثم يأتى العقل فيتناول هذا الرأى أو هذه العقيدة بالنقد والتحليل ، حتى يتم له تأييدها أو رفضها ؛ فالبصيرة الفطرية تخلق الرأى ، والعقل يرعاه بالتنسيق والتهذيب والمراجعة . فلا العقل من شأنه أن يخلق الرأى ، ولا الغريزة من شأنها أن تنقد وتحلل .

وليس من الصواب ما يقال عن عصمة الغريزة من الخطأ ، فهى ملكة كسائر ملكات الإنسان ، قد تزل وتخطىء ؛ نعم إن الغريزة تقرب جدا من اليقين فى أحكامها فى شئون الحياة العملية ، التى يكون الحكم الصحيح فيها عاملا على النجاة من خطر أو فناء . فأنت قادر بفطرتك على تمييز عدوك من صديقك ، مهما تنكر العدو ، ومهما خفى الصديق ؛ ولكن هذه الفطرة التى تهديك فى أكثر الحالات لا يبعد أن تزل مرة فتخدعك فى عدو أو تضلك فى صديق ... وأما إن نحينا الحياة العملية جانبا ، وأخذنا

نبحث فى شئون الفكر المجرد الخالص ، كالفلسفة مثلا ، فالغريزة مهما بلغت من القوة ، كثيرا ما تنتهى بنا إلى أحكام باطلة ، بل قلما تهدينا إلى الصواب ، إذا استلهمناها وحدها . إن المتصوف يستوحى البصيرة - لا العقل - فيهتدي إلى الرأى الصحيح أحيانا ، ولكنه فى أغلب الأحيان يضل سواء السبيل ، فلا متدوحة عن تدخل العقل فى حكم البصيرة ليرى أين نشأ الخطأ . وليس معنى ذلك أن العقل يتدخل لينقض حكم البصيرة ، بل ليتممه ، خشية أن يكون الانسان قد ركن فى حكمه إلى جانب واحد من غريزته ، وأقصى الجوانب الأخرى لمصلحته العاجلة أو لضيق نظره .

يقول برجسون : لمعرفة الأشياء طريقتان مختلفتان أشد الاختلاف : الأولى بالحواس والعقل ، وفيها يدور الباحث حول الشىء ، والثانية بالبصيرة ، وفيها يبلغ الباحث لب الشىء وصميمه . ويسوق مثالا للمعرفة بالبصيرة معرفة الانسان لنفسه ، فأنت تدرك نفسك بالبصيرة المباشرة لا بالتحليل العقلى . ثم يضيف إلى ذلك أمثلة اخرى من غرائز الحيوان وكيف تهديه إلى حقائق عجيبة ، بل يشير إلى الانسان نفسه وكيف يصل أحيانا ببصيرته إلى اسرار العالم على نحو يقف أمامه العقل مشدوها حائرا . ويرى يرجسون أن هذا العقل الذي يعتز به العلماء ، إن هو إلا ملكة نشأت مع الزمن بفعل التطور ، لكى تعين الإنسان على نجاحه فى الحياة العملية ، لا لتكون مصدرا للعلم النظرى والحقائق المجردة .

ولكن أنصار العقل بسارعون إلى الرد على برجسون فى هذا الرأى الأخير ؛ فان كان ممن يؤمنون بنظرية التطور كما بسطها دارون ، ثم يسلم تبعا لذلك بأن العقل نشأ بفعل التطور ليعين الانسان على الاحتفاظ بوجوده ، لا ليكون أداة للمعرفة المجردة التى لا تتصل بحفظ الحياة ، فإنه ملزم

أن يسلم كذلك بأن سائر ملكات الانسان وقواه ، قد أنشأها التطور ، لتكون أدوات نافعة فى معترك الحياة العملية ؛ ومن ذلك البصيرة نفسها التى نشهدها فى أروع حالاتها حين تستهديها فى نفع نتوخاه من مجانبة مظان الخطر . والواقع أن العقل والبصيرة كليهما تطور مع الزمن ، ونشأ بفعل الضرورة لأنه نافع ، وهما نافعان إذا قدما لصاحبهما الحقيقة الخارجية خالصة ، وهما ضاران حين يقدمان له صورة الخارج مشوبة بالوهم والباطل ... ولكن نصيرا من أشد أنصاره العقل حماسة ، يضيف إلى ذلك قوله : إن ذكاء العقل قد نشأ بفعل التطور ليكون نافعا فى الحياة العملية ، ولكنه قد جاوز حدود النفع فى الرجل المتمدين ، وأصبح أداة قويمة للوصول إلى العلم المجرد ؛ وأما البصيرة ، فعلى عكس ذلك ، تنقص كلما زادت المدنية ؛ فهى أقوى فى الأطفال منها فى الراشدين ، وهى أحد عند المرأة منها عند الرجل ، وهى أعظم فى الجاهلين منها فى المتعلمين ، بل هى فى الكلاب وبعض صنوف الحيوان أصدق جدا منها فى بنى الانسان ؛ فعلى الذين يرون فى سذاجة البصيرة فخرا لها أن يكروا راجعين إلى حياة الأوابد بين الأدغال .

إن برجسون يدعو الناس إلى الأخذ بما توحيه إليهم بصائرهم الفطرية ، لأنها معصومة من الخطأ ، فهل صدق برجسون فيما زعم ؟ إنه - كما أشرنا فيما سبق - يسوق إدراك المرء لنفسه مثالا أحسن مثال لصدق البداهة فهل إدراك المرء لنفسه صحيح لا يشوبه الخطأ ؟ كلا ، بل ما أندر بين الناس من يدرك نفسه إدراكا صحيحا ! فأنت ترى الرجل فيه ضعة الأخلاق والحسد والغرور وهو لا يدرى من ذلك شيئا ، مع أنها قد تكون صفات بارزة لا يخطئها النظر ، فيدركها فيه حتى أخلص أصدقائه ؛ فإن كان الانسان قد ينخدع فى نفسه وفى خلصائه المقربين ، فمن أين أتى لبرجسون أن الانسان قادر بفطرته على الوصول

إلى مثل هذه الحقائق وصولا لا يتطرق إليه شك ؟ نحسبه قد أخطأ ، ونحسب أن العقل ، وإن كان بطيئا فى إدراكه ، فهو أسلم جانبا وأمن من الخطر . إن الغريزة ماهرة فى معرفة الجوانب المألوفة من البيئة التى يحيط بالإنسان ؛ ولكنها عاجزة أن تصدر حكما إذا ما واجهتها بموقف جديد يتطلب الحل ، فهاهنا لا مندوحة لنا عن العقل مرشدا وهاديا .

يقول برتراند رسلى إن غاية الفلسفة أن نعرف العالم معرفة نظرية ، وليس هذا بالأمر الذى يهتم له الحيوان ، بل المتوحشون ، بل معظم المتمدينين ؛ إنما تهتم لذلك الصفوة القليلة من الناس ؛ وعلى ذلك فلا يجوز لمن يفكر فى مجال نظرى أن يلجأ إلى غريزته أو بصيرته ، التى إن نفعت فى الحوانب العملية ، فلا تنفع وحدها فى الجانب النظرى .

فاركن ماشئت إلى فطرتك فى شئون الحياة اليومية المألوفة ، على أن تسلم قيادك للعقل وحده إذا كنت بصدد موقف جديد أو مسألة نظرية .

اشترك في نشرتنا البريدية