صديقي إليك أقدم تحية الأخوة وإن لم أرك، فقد تفضل أخونا الزيات وأطلعني على رسالتين كريمتين خطتهما يمناك، ومن قبل ذلك قدم إلي طوائف من الرسائل شهدت بأني موصول القلب بإخوان كرام أوفياء يرون الصداقة الروحية أعظم وأصدق من الصداقة التي تخلقها المنافع أو لطف الحديث.
ولن يطول الحجاب بيني وبينك، أيها الصديق، فقد اتفقت مع الأستاذ الزيات على إعلان عواطف القراء من حين إلى حين، فيرى قراء الرسالة أسماء كريمة لرفاق أعزاء تجمع بينهم الأخوة في الأدب، كما تجمع أخوة الدين بين الأتقياء والصالحين.
ولا أكتمك، أيها الصديق، أني أتندر على حسابك مع الأستاذ الزيات، فعهدي بك تنص على أنك تحبه كما تحبني، وهذا تلطف يستحق التشجيع، لأن الزيات من اعز أصدقائي، وهو أيضاً رسولك إليّ، والمحب يتلطف مع الرسول! أنا أعرف منزلتي عندك، أيها الصديق، والزيات يعرف أني عندك الحبيب الأول، فلا بأس عليك إن تجاهلته حين تعلن إعجابك بأسلوب، فقد يكون الزيات - أطال الله في حياته - آخر من يقبل التضحية بحظه من أجل الصديق.
ثم ماذا؟ أريد أن أغتنم الفرصة الذهبية التي جمعت بين قلبي وقلبك، وإن لم أرك، فأفضي إليك بحديث ينفعني وينفعك في الأيام المقبلات فمن أنت في دنياك؟
يظهر مما قرأت لك انك تريد أن تكون كاتباً يسيطر على قراء اللغة العربية في المشرق والمغرب، ويملك القدرة على تحويل الناس من ضلال إلى هدى أو من هدى إلى ضلال. وأنا حاضر لإرشادك، أيها الصديق، فما يسرني أن أتفرد بمحنة الأدب والبيان، فهل تعرف جوهر النصح الذي أقدمه إليك؟
إن أساتذتك علموك أشياء ترجع في جملتها إلى فهم علوم اللغة العربية من نحو وصرف ومعان وبيان وبديع وعروض، وهي علوم نفيسة جداً، ولكنها لم تصل بأصحابها إلى شيء، فقد كنت لعهد التلمذة أكتب لأساتذتي ما يريدون توجيهه إلى الرؤساء والوزراء، ولو شئت لقلت إني أديت امتحانات أمام أساتذة فضلاء لم تكن دروسهم إلا قبساً مما جاد به قلمي على أولئك الأساتذة الفضلاء. فما هو سر البيان الذي أريد أن أفضي به إليك؟
هو العقيدة الأدبية، هو العقيدة الأدبية، هو العقيدة الأدبية ولن تكون كاتباً ولا شاعراً ولا خطيباً بدون تلك العقيدة وإن كنت أعرف الناس بالدقائق من علوم اللغة العربية!
فما هي تلك العقيدة؟ هي روحك، أيها الصديق، ولا قيمة لأديب يعيش بدون روح!
الأدب في جوهره صورة من الروح الشفاف الذي ترتسم عليه صور الوجود، فإن كان لك روح، فأنت أديب، وإلا فأنت نسخة ثانية من الشيخ فلان الذي لا يعرف من الأدب غير قواعد النحو والتصريف.
العقيدة الأدبية هي أن تغار على الأدب، كما يغار رجال الدين على الدين. فأين أنت من تلك العقيدة، أيها الصديق؟
أنت تعرف أن في الدنيا ناساً عانوا أبشع ضروب الاضطهاد بسبب التمسك بعقائدهم الدينية، ومذاهبهم السياسية، فأين أنت من أولئك وهؤلاء؟ وما الذي أعددت من ضروب التضحية في سبيل الأدب، وهو غذاء قلبك وروحك؟
إن الأديب الحق يحدثك عن نفسك بما تجهل من شؤون نفسك. فما جزاؤه عندك وهو يستكشف الخفايا من ضميرك وروحك؟
ما جزاؤه عندك وهو يشقى لتسعد، ويموت لتعيش؟ أنا أعرف جزاء الأديب عندك، أيها الصديق، فأنت خصصتني بكلمات طيبات أرهفت حسي وأذكت بياني، وسأذكرها بالخير ما حييت. ولكن، ما الذي يمنع من أن تتقدم لمعاونتي على ما أحمل من أعباء؟
أتقول: إن الزيات لا يستجيب لندائك في كل وقت؟ إن كان ذلك، فقدم إلي ما يهمك نشره لأحتال في عرضه على القراء بأسلوب يرضيهم ويرضيك، إلى أن تعرف كيف تفرض رأيك وأسلوبك على أولئك القراء!
وتقول انك بكيت ما طاب لك البكاء حين قرأت مقال أحد الكتاب عن (نميمة الأسلوب) وأنا بكيت كما بكيت، ولكن فاتك أن تعرف أن ذلك الكاتب لم يشجك ولم يشجني إلا لأنه تحدث عن قلبه بأسلوب صريح يجب أن أتحدث به عن قلبي أو تتحدث به عن قلبك، وهنا تظهر قيمة العقيدة الأدبية، إن كانت تهمك في كثير أو قليل.
صديقي: ما أحب أن أطيل القول في مخاطبتك، فأنت تعرف عن نفسك أكثر ما أعرف، وإنما يهمني أن تدرك جيداً أن قلبي
معك وأنه لم يقد من الصخور والجلاميد حتى يجهل القيمة الذاتية لعطفك عليه بلا مواربة ولا رياء.
وسيأتي يوم يكون فيه للقلم دولة، وفي ذلك اليوم وهو قريب تعرف فضل روحك في إذكاء المشاعر والعواطف والقلوب. فإن فاتك أن تكتب كما أكتب وكما يكتب الزيات فلن يفوتك أن تكون من أهل القدرة على تأريث جذوة الأحاسيس.
ومن أنا؟ ومن الزيات؟ ومن الكتاب المصطفون عندك؟ نحن قوم كوتنا صروف الأيام والليالي، فإن اكتوت يدك كما اكتوت أيدينا فستملك من السيطرة على القراء أكثر مما نملك وقد يلقاك الدهر بأفضل وأجمل مما يلقانا، وهو عندنا غادر جحود
قد عيب علينا، يا صديقي، أن نشكو الدهر ونحن في سعة من العيش، وسيرتقي ذوقك فتدرك أن الخواص لا يشكون جوع البطون، وإنما يشكون جوع القلوب. وآه ثم آه من جوع القلوب!!
