من أبيات الشعر التى حفظناها فى الصغر قول أبى الأسود الدؤلى فى إحدى قصائده
لاتنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وهو بيت من الشعر التعليمي لا يخلو من الجفاف الذى يلازم أكثر هذا النوع من الشعر ولكنه مع ذلك ينطوى على فكرة تستحق العناية ويشير إلى ذلك التناقض الملحوظ فى سلوك الناس وسيرهم بين القول والعمل والعقيدة والسلوك وكنت وأترابى فى المدرسة نكثر من التمثل بهذا البيت وترديده فى شئ من الكبرياء والتعالى والثقة بالنفس كلما رأينا من أحد إخواننا مخالفة لما كنا نعتقد أنه اللائق أو خروجا على المألوف وكأننا كنا نهدده ونحذره عاقبة هذا العار العظيم الذى سيلحقه ويدمغه من جراء هذه المخالفة ولست أشك فى أن أكثرنا لما تقدمت به السن وكثرت تجاربة واتسعت معرفته عرف أن هذا التناقض من الأشياء العامة الشائعة وأنه أعظم بكثير مما كان يظن وأنه لو كان حقا يجد فى الناس بالعار لكانت المعرات التى تصيب الناس لا تعد ولا تحصى
ولا نزاع فى أن الكثيرين يبذلون جهدهم للمطابقة بين أعمالهم ومعتقداتهم ولكن الظروف فى أكثر الأحايين أقوي منا ولا قبل لنا بمدافعة تيارها الجارف أو نقض حكمها الصارم وأكثر من تأخذ عليهم هذه المخالفة من ضحايا الظروف القاسية والأحوال السيئة
وكثيرا ما يطيب لنا الحديث عن أخلاق الناس وطبائعهم والكشف عن عيوبهم ومخازيهم وأكثر ما يدور هذا الحديث على ما نعرفه من التناقض بين ما يتظاهرون به ويدعونه وما يصدر عنهم من الأعمال والتصرفات فهذا رجل يدعى البسطة فى علم الاجتماع
ولا يطيق أحد الاجتماع به لتحذلقه وتفاهته وذاك يدعى التقوى والتفقه فى الدين ولا تستطيع أن تأمنه على شئ ويطول بنا القول لو أخذنا فى تعديد الأمثلة والواقع أننا نكثر من الخوض فى أمثال هذه الأحاديث لندل على أننا أسمى من أشباه هؤلاء الناس وأحسن مخيرا وان أعمالنا تطابق أقوالنا فهيهات أن يرقى إلينا العار أو تعلق بنا الشبهة
ولكننا لو أطلنا التفكير فى أحوال الناس وأبعدنا النظر وجدنا ما يستوجب العذر ويستدعى مجافاة الغلو فى التنقص والذم وأوعر الناس خليقة وأقلهم تسامحا يستطيع فى ساعات صفائه وهدوء ثورة أحقاده أن يدرك عمق الحكمة القائلة إن أعلم الناس أعذرهم للناس لأنه كلما اتسعت معرفة الإنسان واستفاضت تجاربه أدرك عجز الناس تلقاء عنف الظروف التى تحيط بهم وخير ناصح للانسان فى أمثال هذه الأحوال هو تجاربه الخاصة وأحاسيسه الفردية ولو فكر كل إنسان منا فى نفسه لوجد أنه يسكن فى بيت من زجاج ولكنه مع ذلك يقذف الناس بالأحجار لأنهم ناقضوا أنفسهم ولم يستطيعوا الوفاء بعهودهم والثبات على مبادئهم ولعل أقسى ما تعلمنا التجارب هو أننا لا نستطيع أن نكون فى جميع الأوقات مخلصين لأنفسنا منيعى الحوزة شديدى الشكيمة وفى بعض الأوقات ترغمنا الظروف على أن نعترف لأنفسنا بأن تحقيق مثلنا العليا واتباع مبادئنا السامية وهم لا سبيل إلى تحقيقه مثل طلب السعادة وما إليه من المستحيلات الممتعة وحياة أجلنا وأفضلنا وأسدنا رأيا وأعقلنا لا تخرج عن كونها سلسلة متتابعة من المساومات ومصانعة الظروف ومصايرة الأحوال ومداورة الأيام وهي فكرة تعذب ضمائرنا وتؤلم نفوسنا وتتسال من كبريائنا ولكنها تروى قصة الواقع بلاموارية ولا ترصيع
ولا فائدة من لوم الأقدار والعتب على الأيام لأن الأقدار صماء صلخاء والأيام بكماء عمياء وهما كالموت فى قول المتنبى
وكن كالموت لا يرثى لباك بكى منه ويروى وهو صاد
ومن غير المرجو بطبيعة الحال أن تعم هذه النظرة ويسود هذا الرأى ويسرنى أن يكون المخالفون فيه كثيرين على شريطة ان يصدقوا فى إقناع أنفسهم وإذا تيسر لهم ذلك فسأتولى عنهم إقناع نفسى برأيهم ولا نزاع فى أن الشباب المتحمس يرفض فى شئ من الاستعلاء مثل هذه النظرة ولا يقر أمثال هذه المساومات ويأبى إلا المطابقة التامة بين الأقوال والأفعال والمبادئ والإتجاهات والعقائد والسلوك وهى غيرة محمودة وحماسة مشرفة وثقة بالنفس مشتعلة متوثبة وهم غير مستعدين لإخضاع العقيدة لحكم الضرورة بل على الضرورة أن تذهب لشأنها وتختفى أمام قوة العقيدة وسلطاتها وهم يتمردون على الحقائق القاسية التى لا تلين ويحاولون زحزحتها أو النيل من صلادتها وليس عجيبا فى هذه الحالة أن يسخروا بالمتقدمين فى السن ويضيقوا بهم ذرعا
وهذا الخلاف بين وجهة نظر الشباب والمتقدمين فى السن مصدره أن المساومة والمهادنة والنزول على حكم الواقع تجئ مع تقدم السن وتصحب انطفاء جذوة الحماسة وهذا ما تدلنا عليه التجربة العامة والإنسان كلما علت سنه قل ميله إلى تحدى التقاليد وهدأت ثورته وأصبح يروى ويتمكث قبل أن يثب ويقدر الخطو ويقيسه قبل أن يخطو ويزن الكلام قبل أن ينطق والشباب يرون فى ذلك فقدان النخوة ووهن العقيدة وهبوط المثل الأعلى وضعف الحاسة الآخلاقية ويعللونه بأن الرغبة فى الراحة والمتعة أو الحرص على الحياة الوادعة الآمنة المطمئنة قد تغلب على التحمس للحق ورفع علم المثالى
والاستمساك بالعقيدة والمتقدمون فى السن لا يقفون جامدين تلقاء هذا الاتهام بل يردون عليه ويفندونه ويقولون إن المسألة ليست مسألة الشجاعة المتوثبة إزاء الإحجام المتقاعد وإنما هي مسألة المعرفة الناضجة تلقاء الجهل الغرير والحكم القائم على الخبرة الواسعة أمام التقدير السريع الناقص وقد يخطو الشاب المتهور حيث يمتنع الرجل الخبير الحكيم وليس معنى ذلك أنه خير من الحكيم وأصلح للدنيا وإنما معناه أنه لا يقدر العواقب ولا يحسن وزن الأمور
وهذا هو الخلاف بين نظرة الشباب ونظرة الشيوخ وليس هناك ما يدعو إلى اشتداد الخصومة وإثارة الإحنة وإراقة الدماء فالإندفاع الجرئ شيمة الشباب وعلامة الحيوية المتدفقة ولولا همة الشباب وجرأته وتقمحه لأعوز الدنيا عامل هام من عوامل المخاطرة وعنصر له شأنه من عناصر الحماسة واليقين والشيوخ الحكماء حتى فى أوقات تألمهم من قسوة الشبان عليهم وزرايتهم بهم هم أول من يسلمون بذلك ويقدرون هذا الطرف المخفف على أنه يجعل بالشبان فى الوقت نفسه أن لا يكثروا من الإعجاب بالشباب الذي يختالون فى برده فهو ليس دائم الجدة ولا مخلد الريعان وسرعان ما يطوى برده ويتولى عهده والأطفال الذين يرضعون الآن فى المهد قد يعيشون ليحكموا عليهم بالخرف والهتر بعد أن تبيض شعورهم وتتقوس ظهورهم ويحسن بالشيوخ كذلك أن لا يسرفوا فى الكلام عن حكمة الشيخوخة وتجربة السنين الطويلة فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة ومع ذلك لا يفيد من التجارب ولا يظفر بالحكمة وأبو تمام يقول عن الأيام حلمتى زعمتم وأرانى قبل هذا التحليم كنت حليما والمتنبى يتبع أثره ويقول
فما الحداثة عن حلم يمانعة
قد يوجد الحلم فى الشبان والشيب
وقد يتورط الشيوخ فى أخطاء لم يستهدفوا لها فى إبان شبابهم ومستهل حياتهم
على أن مسألة الملاءمة بين سلوك الإنسان ومثله العليا ليست مقصورة على تقريب وجهات النظر المختلفة بين الشبان والشيوخ وإنما هى مشكلة عامة تواجه كل إنسان له عقيدة يحترمها ويعمل على اتباعها ولا نزاع فى أن هناك قوما لا تشغل بالهم كثيرا هذه المشكلة وهم يعيشون فى جنة الغباء واللهو وليس لنا أن نغبطهم كثيرا على ذلك وما أفقر حياة الذى لا يعيش لأجل فكرة أو مبدأ وأفقرها
وعناية الناس بمسألة السلوك والموازنة بين الأعمال والمعتقدات تدل على تأصل النوازع الأخلاقية فى الإنسان وعلى أن فى نفس كل إنسان معيارا خاصا للإستقامة الشخصية وهزيمة الإنسان فى معركة الملاممة بين العقائد والسلوك من الهزائم المشرفة من وجوه كثيرة وخير للانسان أن يحارب ويجاهد ويهزم من أن يحجم عن الحرب ومع ذلك فإن كل إنسان أقدر من غيره على الحكم فى مسائل التناقض بين الفكر وأسلوب الحياة لأنه أعرف بقوة الدوافع المختلفة التى تتضارب فى نفسه وتحاول الإستئثار به
وهناك طبقة خاصة من الناس يتهمون على الدوام بالتناقض بين الأقوال والأعمال ومعظم هؤلاء الناس من السياسيين وأمثالهم ممن تكون أعمالهم معروضة دائما على الرأي العام وكثيرا ما نلقى قوما يزهون وينتفخون لأنهم أقوياء المبادئ لا يعرفون التقلب ولا انتهاز الفرص ويدعون أنهم يسيرون على المبدأ ولا ينحرفون عنه ويلاحظ فى أوقات كثيرة أن الذين يكثرون من هذه المفاخرة ويشتدون فى نقد غيرهم ولا يترفقون به لا يظهرون شجاعة فوق المألوف إذا اختبرتهم الظروف
فهل هناك أساس للتفريق بين سلوك السياسين وسلوك سائر الناس وهل السياسيون وحدهم هم الذين لا تطابق أعمالهم أقوالهم وتنكر تصرفاتهم عقائدهم ومبادئهم أليس من المحتمل أن يكون سبب هذا الفرق هو أن أعمال السياسيين مكشوفة لنظر الجمهور معروضة على الرأى العام فى حين أن أعمال أكثر الناس لا يطلع عليها الجمهور ولا يعرفها الرأى العام لا نزاع فى أن المسألة جديرة بالنظر ومهما يكن من الأمر فإن أكثر السياسيين قد استهدفوا لتهمة الانحراف عن مبادئهم وخيانة مثلهم العليا وتنكرهم لعقائدهم ولزمتهم السمعة البغيضة
ولكن يا ترى ماذا يحدث لو وضعت أمور الناس جميعا موضع الاختبار وعرضت تحت المجهر والمنظار ولنفرض أن الحياة الخاصة لأكثر الناس سلط عليها ضوء كاشف وان أعمال رجال الأعمال والعلماء وسائر طبقات الناس بحثت وحللت فماذا يكون أليس من المحتمل أن تذاع وتملأ الأسماع أشياء كثيرة تخدش السمعة وتمس الثقة وتلغى الإعجاب وتوهن الاعتقاد أرجح أننا سنجد أن هؤلاء السياسيين الذين تحمل عليهم وتقرى قربهم ليسوا أسوأ حالا من غيرهم ولا أجرأ على التناقض من سواهم من الذين يلعبون دورهم فى الخفاء بعيدا عن الأنظار
والحقيقة أن الإنسان لا يقع فى التناقض بين ما يعتقد وما يفعل إلا بعد أن تقوم في نفسه معركة رهيبة عنيفة بين مختلف النوازع والبواعث والإسراع فى الحكم على أمثال هذه المتناقضات لا يخلو من شدة وقسوة لأننا قد نجهل تمام الجهل العوامل التي رجحت باعنا من البواعث وجعلته يقتصر على سائرها والذين يشتطون في لوم الناس ويرمونهم بالضعف لا يقدرون خطورة هذه المعركة وكثيرا ما يثور الخلاف على الوسائل بين أصحاب المبدأ
الواحد ومصدر هذا الخلاف الذي لا يمس الجوهر هو تباين وجهات النظر الفكرية الخالصة ولكن هذا الخلاف مع ذلك قد يهيج عاصفة من السب والقذف وقد يصل الخلاف إلى الاعتداء والقتل وكراهة حرية الرأى المخالف من السمات الأخلاقية الواضحة وحرية الفكر الحقيقية لم يألفها العالم بعد
وليس من حق الناس أن ينقدوا سيرة المخالفين لعقائدهم ويتهموهم بالتناقض إلا إذا كانت حياتهم متجاوية مع عقيدتهم وكم عدد أمثال هؤلاء بين الناس عددهم جد قليل فى كل عصر والإنسانية تقدر التضحية التى يقوم
بها أمثالهم فتحلهم من نفوسها أسمى محل وتضمن بذكراهم على النسيان ولكن الرجل العادي يجد الملاممة بين العقيدة والسلوك من وراء قدرته ومع ذلك يحاول الناس أن يجشموه ما لا يطيق ويقيسوه بمقاييس الأبطال والشهداء
ولست أقصد بذلك أن أصوغ الوصولية والانتهازية والتقلب والذبذبة ولكتي أمقت الرياء والنفاق والادعاء وما أرمى إليه هو الاعتدال فى الحكم على الناس ولعل أقل الناس براعة هو أبرعهم فى الاتهام وتشويه السمعة والقذف بالأحجار

