الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 418الرجوع إلى "الثقافة"

العقيدة والسلوك

Share

من أبيات الشعر التى حفظناها فى الصغر قول أبى الأسود الدؤلى فى إحدى قصائده

لاتنه عن خلق وتأتى مثله     عار عليك إذا فعلت عظيم

وهو بيت من الشعر التعليمي لا يخلو من الجفاف الذى يلازم أكثر هذا النوع من الشعر ولكنه مع ذلك ينطوى على فكرة تستحق العناية ويشير إلى ذلك التناقض الملحوظ فى سلوك الناس وسيرهم بين القول والعمل والعقيدة والسلوك وكنت وأترابى فى المدرسة نكثر من التمثل بهذا البيت وترديده فى شئ من الكبرياء والتعالى والثقة بالنفس كلما رأينا من أحد إخواننا مخالفة لما كنا نعتقد أنه اللائق أو خروجا على المألوف وكأننا كنا نهدده ونحذره عاقبة هذا العار العظيم الذى سيلحقه ويدمغه من جراء هذه المخالفة ولست أشك فى أن  أكثرنا لما تقدمت به السن وكثرت تجاربة واتسعت معرفته عرف أن هذا التناقض من الأشياء العامة الشائعة وأنه أعظم بكثير مما كان يظن وأنه لو كان حقا يجد فى الناس بالعار لكانت المعرات التى تصيب الناس لا تعد ولا تحصى

ولا نزاع فى أن الكثيرين يبذلون جهدهم للمطابقة بين أعمالهم ومعتقداتهم ولكن الظروف فى أكثر الأحايين أقوي منا ولا قبل لنا بمدافعة تيارها الجارف أو نقض حكمها الصارم وأكثر من تأخذ عليهم هذه المخالفة من ضحايا الظروف القاسية والأحوال السيئة

وكثيرا ما يطيب لنا الحديث عن أخلاق الناس وطبائعهم والكشف عن عيوبهم ومخازيهم وأكثر ما يدور هذا الحديث على ما نعرفه من التناقض بين ما يتظاهرون به ويدعونه وما يصدر عنهم من الأعمال والتصرفات فهذا رجل يدعى البسطة فى علم الاجتماع

ولا يطيق أحد الاجتماع به لتحذلقه وتفاهته وذاك يدعى التقوى والتفقه فى الدين ولا تستطيع أن تأمنه على شئ ويطول بنا القول لو أخذنا فى تعديد الأمثلة والواقع أننا نكثر من الخوض فى أمثال هذه الأحاديث لندل على أننا أسمى من أشباه هؤلاء الناس وأحسن مخيرا وان أعمالنا تطابق أقوالنا فهيهات أن يرقى إلينا العار أو تعلق بنا الشبهة

ولكننا لو أطلنا التفكير فى أحوال الناس وأبعدنا النظر وجدنا ما يستوجب العذر ويستدعى مجافاة الغلو فى التنقص والذم وأوعر الناس خليقة وأقلهم تسامحا يستطيع فى ساعات صفائه وهدوء ثورة أحقاده أن يدرك عمق الحكمة القائلة إن أعلم الناس أعذرهم للناس لأنه كلما اتسعت معرفة الإنسان واستفاضت تجاربه أدرك عجز الناس تلقاء عنف الظروف التى تحيط بهم وخير ناصح للانسان فى أمثال هذه الأحوال هو تجاربه الخاصة وأحاسيسه الفردية ولو فكر كل إنسان منا فى نفسه لوجد أنه يسكن فى بيت من زجاج ولكنه مع ذلك يقذف الناس بالأحجار لأنهم ناقضوا أنفسهم ولم يستطيعوا الوفاء بعهودهم والثبات على مبادئهم ولعل أقسى ما تعلمنا التجارب هو أننا لا نستطيع أن نكون فى جميع الأوقات مخلصين لأنفسنا منيعى الحوزة شديدى الشكيمة وفى بعض الأوقات ترغمنا الظروف على أن نعترف لأنفسنا بأن تحقيق مثلنا العليا واتباع مبادئنا السامية وهم لا سبيل إلى تحقيقه مثل طلب السعادة وما إليه من المستحيلات الممتعة وحياة أجلنا وأفضلنا وأسدنا رأيا وأعقلنا لا تخرج عن كونها سلسلة متتابعة من المساومات ومصانعة الظروف ومصايرة الأحوال ومداورة الأيام وهي فكرة تعذب ضمائرنا وتؤلم نفوسنا وتتسال من كبريائنا ولكنها تروى قصة الواقع بلاموارية ولا ترصيع

ولا فائدة من لوم الأقدار والعتب على الأيام لأن الأقدار صماء صلخاء والأيام بكماء عمياء وهما كالموت فى قول المتنبى

وكن كالموت لا يرثى لباك  بكى منه ويروى وهو صاد

ومن غير المرجو بطبيعة الحال أن تعم هذه النظرة ويسود هذا الرأى ويسرنى أن يكون المخالفون فيه كثيرين على شريطة ان يصدقوا فى إقناع أنفسهم وإذا تيسر لهم ذلك فسأتولى عنهم إقناع نفسى برأيهم ولا نزاع فى أن الشباب المتحمس يرفض فى شئ من الاستعلاء مثل هذه النظرة ولا يقر أمثال هذه المساومات ويأبى إلا المطابقة التامة بين الأقوال والأفعال والمبادئ والإتجاهات والعقائد والسلوك وهى غيرة محمودة  وحماسة مشرفة وثقة بالنفس مشتعلة متوثبة وهم غير مستعدين لإخضاع العقيدة لحكم الضرورة بل على الضرورة أن تذهب لشأنها وتختفى أمام قوة العقيدة وسلطاتها وهم يتمردون على الحقائق القاسية التى لا تلين ويحاولون زحزحتها أو النيل من صلادتها وليس عجيبا فى هذه الحالة أن يسخروا بالمتقدمين فى السن ويضيقوا بهم ذرعا

وهذا الخلاف بين وجهة نظر الشباب والمتقدمين فى السن مصدره أن المساومة والمهادنة والنزول على حكم الواقع تجئ مع تقدم السن وتصحب انطفاء جذوة الحماسة وهذا ما تدلنا عليه التجربة العامة والإنسان كلما علت سنه قل ميله إلى تحدى التقاليد وهدأت ثورته وأصبح يروى ويتمكث قبل أن يثب ويقدر الخطو ويقيسه قبل أن يخطو ويزن الكلام قبل أن ينطق والشباب يرون فى ذلك فقدان النخوة ووهن العقيدة وهبوط المثل الأعلى وضعف الحاسة الآخلاقية ويعللونه بأن الرغبة فى الراحة والمتعة أو الحرص على الحياة الوادعة الآمنة المطمئنة قد تغلب على التحمس للحق ورفع علم المثالى

والاستمساك بالعقيدة والمتقدمون فى السن لا يقفون جامدين تلقاء هذا الاتهام بل يردون عليه ويفندونه  ويقولون إن المسألة ليست مسألة الشجاعة المتوثبة إزاء الإحجام المتقاعد وإنما هي مسألة المعرفة الناضجة تلقاء الجهل الغرير والحكم القائم على الخبرة الواسعة أمام التقدير السريع الناقص وقد يخطو الشاب المتهور حيث يمتنع الرجل الخبير الحكيم وليس معنى ذلك أنه خير من الحكيم وأصلح للدنيا وإنما معناه أنه لا يقدر العواقب ولا يحسن وزن الأمور

وهذا هو الخلاف بين نظرة الشباب ونظرة الشيوخ  وليس هناك ما يدعو إلى اشتداد الخصومة وإثارة الإحنة وإراقة الدماء فالإندفاع الجرئ شيمة الشباب وعلامة الحيوية المتدفقة ولولا همة الشباب وجرأته وتقمحه لأعوز الدنيا عامل هام من عوامل المخاطرة وعنصر له شأنه من عناصر الحماسة واليقين والشيوخ الحكماء حتى فى أوقات تألمهم من قسوة الشبان عليهم وزرايتهم بهم هم أول من يسلمون بذلك ويقدرون هذا الطرف المخفف على أنه يجعل بالشبان فى الوقت نفسه أن لا يكثروا من الإعجاب بالشباب الذي يختالون فى برده فهو ليس دائم الجدة ولا مخلد الريعان وسرعان ما يطوى برده ويتولى عهده والأطفال الذين يرضعون الآن فى المهد قد يعيشون ليحكموا عليهم بالخرف والهتر بعد أن تبيض شعورهم وتتقوس ظهورهم ويحسن بالشيوخ كذلك أن لا يسرفوا فى الكلام عن حكمة الشيخوخة وتجربة السنين الطويلة فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة ومع ذلك لا يفيد من التجارب ولا يظفر بالحكمة وأبو تمام يقول عن الأيام حلمتى زعمتم وأرانى  قبل هذا التحليم كنت حليما والمتنبى يتبع أثره ويقول

فما الحداثة عن حلم يمانعة

        قد يوجد الحلم فى الشبان والشيب

وقد يتورط الشيوخ فى أخطاء لم يستهدفوا لها فى إبان شبابهم ومستهل حياتهم

على أن مسألة الملاءمة بين سلوك الإنسان ومثله العليا ليست مقصورة على تقريب وجهات النظر المختلفة بين الشبان والشيوخ وإنما هى مشكلة عامة تواجه كل إنسان له عقيدة يحترمها ويعمل على اتباعها ولا نزاع فى أن هناك قوما لا تشغل بالهم كثيرا هذه المشكلة وهم يعيشون فى جنة الغباء واللهو وليس لنا أن نغبطهم كثيرا على ذلك وما أفقر حياة الذى لا يعيش لأجل فكرة أو مبدأ وأفقرها

وعناية الناس بمسألة السلوك والموازنة بين الأعمال والمعتقدات تدل على تأصل النوازع الأخلاقية فى الإنسان  وعلى أن فى نفس كل إنسان معيارا خاصا للإستقامة الشخصية وهزيمة الإنسان فى معركة الملاممة بين العقائد والسلوك من الهزائم المشرفة من وجوه كثيرة وخير للانسان أن يحارب ويجاهد ويهزم من أن يحجم عن الحرب ومع ذلك فإن كل إنسان أقدر من غيره على الحكم فى مسائل التناقض بين الفكر وأسلوب الحياة لأنه أعرف بقوة الدوافع المختلفة التى تتضارب فى نفسه وتحاول الإستئثار به

وهناك طبقة خاصة من الناس يتهمون على الدوام بالتناقض بين الأقوال والأعمال ومعظم هؤلاء الناس من السياسيين وأمثالهم ممن تكون أعمالهم معروضة دائما على الرأي العام وكثيرا ما نلقى قوما يزهون وينتفخون لأنهم أقوياء المبادئ لا يعرفون التقلب ولا انتهاز الفرص ويدعون أنهم يسيرون على المبدأ ولا ينحرفون عنه ويلاحظ فى أوقات كثيرة أن الذين يكثرون من هذه المفاخرة ويشتدون فى نقد غيرهم ولا يترفقون به  لا يظهرون شجاعة فوق المألوف إذا اختبرتهم الظروف

فهل هناك أساس للتفريق بين سلوك السياسين وسلوك سائر الناس وهل السياسيون وحدهم هم الذين لا تطابق أعمالهم أقوالهم وتنكر تصرفاتهم عقائدهم ومبادئهم أليس من المحتمل أن يكون سبب هذا الفرق هو أن أعمال السياسيين مكشوفة لنظر الجمهور معروضة على الرأى العام فى حين أن أعمال أكثر الناس لا يطلع عليها الجمهور ولا يعرفها الرأى العام لا نزاع فى أن المسألة جديرة بالنظر ومهما يكن من الأمر فإن أكثر السياسيين قد استهدفوا لتهمة الانحراف عن مبادئهم وخيانة مثلهم العليا وتنكرهم لعقائدهم ولزمتهم السمعة البغيضة

ولكن يا ترى ماذا يحدث لو وضعت أمور الناس جميعا موضع الاختبار وعرضت تحت المجهر والمنظار ولنفرض أن الحياة الخاصة لأكثر الناس سلط عليها ضوء كاشف وان أعمال رجال الأعمال والعلماء وسائر طبقات الناس بحثت وحللت فماذا يكون أليس من المحتمل أن تذاع وتملأ الأسماع أشياء كثيرة تخدش السمعة وتمس الثقة وتلغى الإعجاب وتوهن الاعتقاد أرجح أننا سنجد أن هؤلاء السياسيين الذين تحمل عليهم وتقرى قربهم ليسوا أسوأ حالا من غيرهم ولا أجرأ على التناقض من سواهم من الذين يلعبون دورهم فى الخفاء بعيدا عن الأنظار

والحقيقة أن الإنسان لا يقع فى التناقض بين ما يعتقد وما يفعل إلا بعد أن تقوم في نفسه معركة رهيبة عنيفة بين مختلف النوازع والبواعث والإسراع فى الحكم على أمثال هذه المتناقضات لا يخلو من شدة وقسوة لأننا قد نجهل تمام الجهل العوامل التي رجحت باعنا من البواعث وجعلته يقتصر على سائرها والذين يشتطون في لوم الناس ويرمونهم بالضعف لا يقدرون خطورة هذه المعركة وكثيرا ما يثور الخلاف على الوسائل بين أصحاب المبدأ

الواحد ومصدر هذا الخلاف الذي لا يمس الجوهر هو تباين وجهات النظر الفكرية الخالصة ولكن هذا الخلاف مع ذلك قد يهيج عاصفة من السب والقذف وقد يصل الخلاف إلى الاعتداء والقتل وكراهة حرية الرأى المخالف من السمات الأخلاقية الواضحة وحرية الفكر الحقيقية لم يألفها العالم بعد

وليس من حق الناس أن ينقدوا سيرة المخالفين لعقائدهم ويتهموهم بالتناقض إلا إذا كانت حياتهم متجاوية مع عقيدتهم وكم عدد أمثال هؤلاء بين الناس عددهم جد قليل فى كل عصر والإنسانية تقدر التضحية التى يقوم

بها أمثالهم فتحلهم من نفوسها أسمى محل وتضمن بذكراهم  على النسيان ولكن الرجل العادي يجد الملاممة بين العقيدة والسلوك من وراء قدرته ومع ذلك يحاول الناس أن يجشموه ما لا يطيق ويقيسوه بمقاييس الأبطال والشهداء

ولست أقصد بذلك أن أصوغ الوصولية والانتهازية والتقلب والذبذبة ولكتي أمقت الرياء والنفاق والادعاء وما أرمى إليه هو الاعتدال فى الحكم على الناس ولعل أقل الناس براعة هو أبرعهم فى الاتهام وتشويه السمعة والقذف بالأحجار

اشترك في نشرتنا البريدية