الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الثقافة"

العقيدة والعمل, العقيدة والعمل

Share

يقول المسيو جين مارتي في كتابه من جورج كلنسو : انك قد لا تعترف به كرجل سياسي ، وقد لا تعجبك أساليبه في الحكم ، غير أنك لا تستطيع - برغم هذا - إلا أن تقدره قدرا عظيما ، وذلك لميزة فيه نادرة ، وتلك هي " القوة .

ليس هناك ما يدعو إلي الإعجاب أكثر من القوة . ولا نعنى بها قوة الحكومة المنظمة التي تتميز بها الجماعات المتقدمة المستقرة ، والتي يمقتها الشعب في أكثر الأحيان ، وإنما نعنى قوة الفرد الطبيعية ، ذلك النشاط الحيوي الذي يتميز به الأفذاذ من الرجال . وقد كان حظ كلنسو من هذه القوة الطبيعية الموروثة ، وهذا النشاط الحيوي الدافق كبيرا موفورا . إن الرجل العظيم يختلف عن عامة الناس في تنوع مواهبه ، وكأن له بدلا من الروح الواحد أرواحا متعددة . وقد تميل هذه الأرواح إلى الخير وقد تميل إلي الشر ، ولا يهم كثيرا في تقدير العظمة أن تميل هذه الأرواح إلي الخير أو تميل إلي الشر ، وإنما يجب أن تتميز بقوة لا تتصف بها الأرواح البشرية العادية ، لأننا لا نعجب إلا بالقوة الخارقة للطبيعة - وهذه القوة هي سر العظمة في الرجال - حتى أولئك الذي لا يعرفون غير التدمير والقتال . وقد كانت لكلمنسو هذه القوة الخارقة من غير شك . وكان بركبه شيطان يسير به في اتجاه غير الذي نحب أن نسير فيه ، ليحقق أهدافا غير ما نهدف إليه ، غير أن هذا الشيطان كان خارقا في قوته للطبيعة ، ومن ثم كان إعجابنا بالرجل .

بهذه الكلمة عن كلنسو قدم أولدس هكلي مقال له عن قوة العقيدة ، وأبان لنا كيف أن العمل العظيم لا يصدر إلا عن عقيدة قوية . وقد رأي في حياة كلنسو خير مثال لذلك .

كان كلنسو يقيس شجاعة الرجل بقوة عقيدته أو ) فكرته ( . سئل مرة عن رأيه في الاشتراكيين الثائرين فقال عنهم : " هؤلاء القوم يصيحون ما دمت تسمح لهم بالصياح ، فإن قلت لهم : كمموا أفواهكم ، كفوا عن الصياح ، لأن اكثرهم أنصاف عقلاء ، ولا يفوقون في شجاعتهم أبناء الطبقة الغنية - ولو تدبرت معني هذه العبارة لوجدتها تنطوي على معني عميق ، لأن الأفكار هي مصدر الشجاعة عند الإنسان ، وهؤلاء الثائرون لا يملكون من الأفكار أكثر مما تملك أطراف الأقدام . ليس عندهم غير الحسد والغيظ يملأ نفوسهم ، ولا يتقدم المرء بالحسد والغيظ . لقد شهدتهم خلال الحرب ، وحدثت إليهم ، وحاولات أن التمس في عقولهم ما يستحق التقدير ، غير أني عدت مشفقا عليهم ولم ألاق في معاملة هذه المخلوقات الضعيفة أية مشقة أو صعوبة " .

" الأفكار هي مصدر الشجاعة عند الإنسان " . هذه عبارة مشحونة بالمعنى ، وتستحق منا التدبر والروية . إن الأفكار لا تولد الشجاعة فحسب ، وإنما تولد كذلك قوة العزيمة ، والقدرة على العمل ، والسير فيه باهتمام وبغير انقطاع .

ولسنا ننكر أن أكثر ما لدينا من أفكار ليس سوي تبرير عقلي لما تجيش به صدورنا من عواطف . غير أن ذلك لا يعني أن العاطفة أشد دفعا إلى العمل من الفكرة ، فإن العاطفة تمد المرء بالدفعة الأولى من النشاط ، إلا أن هذه الدفعة سرعان ما تخور حدتها إذا لم تجد العاطفة لها تبريرا من العقل ، لأن العقل يبرر العاطفة المشبوبة ، ويحتل مكانتها ، بل ويزيدها اشتعالا عندما تخبو . فالمرء لا يستطيع - بطبيعة تكوينه النفساني - أن يبقى ملتهب العواطف

بغير فتور أو خمود . أما الفكرة فلا تبرح تلح على صاحبها بغير انقطاع ، وإن اقتنع بصدقها دفعته إلى عمل متصل لا تستطيع العاطفة أن تدفعه إليه وهي في حدتها . الفكرة تملى على صاحبها نوع العمل وطريقته . وهي فوق ذلك تلهب العاطفة الأولى التي كانت مبعث الفكرة في أول تكوينها ، وتظهرها بمظهر جديد .

ولنضرب لذلك مثلا عاطفة الحسد ، إن المرء قد يشعر بالحسد نحو الأثرياء المحظوظين أو العاشقين الموفقين ؛ هذا الحسد يتحول إلى نظرية سياسية أو اقتصادية أو خلقية ، فيصبح الرجل الغني في نظر الحسود جشعا ظلوما للفقراء ويمثل نظاما اجتماعيا ممقوتا هو نظام الطبقات ، ويمسى العاشق المحب رجلا يتميز بالفسق والفجور . وبذلك لا يرى الحاسد في نفسه الحسد ، ويعمل بوحي من النظريات التي تبعثها في نفسه عاطفة الحسد ، كالشيوعية أو الاشتراكية ، أو حب الفضيلة وحفظ كيان المجتمع ، ويعمل جاهدا شجاعا ) فالأفكار هي مصدر الشجاعة عند الإنسان (

وهنا نتساءل : ما هي الأفكار السائدة في العصر الحديث التي تمدنا بالشجاعة وتوحي إلينا بالعمل ؟ لاشك في أن تختلف كل الاختلاف عن الأفكار التي كان يعتنقها أسلافنا بغير جدل ، فقد نبذنا اكثرها نبذا تاما أو ضعفت عقيدتنا فيها ضعفا شديدا . كانت الآراء الدينية مصدرا لكثير من النشاط الإنساني ، كانت سببا في حروب طاحنة ، كما كانت وحيا لكثير من المصورين والفنانين ، وكانت باعثا على عمل الخير وحب الفضيلة . وكذلك استبدلنا بالأراء السياسية القديمة آراء جديدة تبرر بها كثيرا مما لدينا من عواطف ومشاعر . ولعل أهم هذه الآراء الجديدة فكرة القومية . فهي الفكرة التى تلح على كثير من الأفراد والشعوب وتدفعهم إلى العمل المنواصل وبذل الجهود . وفكرة القومية هي التي مدت كلنسو بنشاطه المندفع الذي لا يقهر ولا يعرف الهزيمة ، فقال عن خبرة وتجارب ) الأفكار هي مصدر الشجاعة عند الإنسان ( .

ومن الأفكار الآخرى التي تسود العصر الحاضر وتحفز أبناءه إلى العمل فكرة التقدم والعمل لمصلحة الجماعة ، وهي الباعث على كثير من المطامع الشخصية ، والجشع ، وحب النفوذ وشهوة السلطان . يعمل المرء للغني والجاه ، وينافس زملاءه منافسة شريفة وغير شريفة ، ويخيل له أنه إنما يعمل لمصلحة الجموع .

وقد أخذت هذه الفكرة نفسها - فكرة التقدم - تفقد حدتها في الجيل الناشئ في السنوات الأخيرة . الجيل الحديث يعمل لكي يستمتع باللهو والتسلية في أوقات الفراغ ، ومن ثم قلت حماسته لجمع الثروة وحب السلطان ، فقلت الحماسة للعمل ، لأن ما يكفي للاستمتاع في أوقات الفراغ لا يقاس إلي ما يحتاجه المرء . ليصبح صاحب نفوذ أو ذا ثراء

وها يواجهنا سؤال آخر : هل الجيل الحديث أكثر تشككا من الجيل الذي سبق ؟ وإن صح هذا ، فما هي الآراء الجديدة التي حلت في النفوس محل الآراء القديمة ، والتي توحي إلي الناس بالعمل ، وتبرر ما يقومون به من نواحي النشاط المختلفة ؟ لا مراء في أن الشك قد وجد سبيله إلى أكثر النفوس ، وخاصة في مجل الأخلاق. وقد انهارت تلك العقائد الثابتة التي كانت مصدر الوحي في كثير من الأعمال . وأصبحت الكثرة الغالبة من الناس تعمل وفقا لما يثبت في أذهانهم من ميول موقوتة وأهواء ، فكثر بذلك النشاط في العمل ، وقل في كمه ونوعه .

ولكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش مطمئنا راضيا . وأن يتحمس لعمله وينشط له وهو شاك في كل شئ . ويجب عليه أن يبحث له عن مجموعة من الآراء يتشبث بها ويعتقد في صحتها . إن ظروف الحياة الجديدة بما تنطوي عليه من تطور في حوادث السياسة ، وفي المكتشفات العلمية الحديثة ، وفي التأملات الفلسفية ، تدعونا إلى الشك في أكثر الآراء الدينية والخلقية والسياسية التى كان أسلافنا ) البقية على صفحة ١٣ (

) بقية المنشور على صفحة ٩ (

يبررون بها ما يحسون من عواطف وما يختلج في صدورهم من مشاعر ، لأن أكثر هذه الآراء كانت تفترض وجود قوي وراء العقل . وظروف الحياة الحديثة تشككنا فيما وراء العقل ، وتحثنا على أن نكون واقعين ، لا نؤمن بغير الحقائق المحسوسة ، ولا نلبي سوي دواعي الرغبات المنقلبة ، والعواطف الثائرة ، والحالات العقلية المتغيرة . ولم ترى أكثر الناس لا يفكرون إلا في كسب القوت الذي يسد ومقهم . غير أن هذه " الواقعية التي تسيطر علي الأذهان ليست تافهة مهينة فحسب ، إنما هي كذلك فاحلة مجدية ، لترك النفوس خلوا من الشجاعة - كما يقول كلنسو - ينقصها الباعث والقوة لمتابعة السير في عمل له أثر أو له

قيمة . لذلك تري الكثيرين يبحثون عن عقائد أو أفكار يبررون بها أعمالهم ، وتستند إليها حياتهم ، ويقوم على أساسها نشاطهم . وهذه الآراء - كما ذكرت من قبل ينبغي ألا تنبت من وراء العقل بأية حال من الأحوال ، بل ينبغي أن تجد لها سندا من علم النفس الحديث .

ينبغي أن يعمل المرء ما يحب ، لا لأنه يتبع في ذلك نظرية خاصة في الخير المطلق ، ولكن لأن ما يعمل هو خير في حد ذاته . وقد يكون ذلك تبريرا ضعيفا للعمل ، لا يبعث الناس على النشاط ، ولا يبث في نفوسهم الشجاعة والإقدام ، ومع ذلك فإن ظروف الحياة الراهنة تقتضينا أن نكتفي بذلك . وإذا كانت هذه المبررات التي تؤيد بها ما تقوم به من عمل في العصر الحديث لا تحل تماما محل المبررات التي كانت فيما مضي تستند إلى ما وراء العقل ، فهي خير من

عدمها على كل حال .

اشترك في نشرتنا البريدية