الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 121الرجوع إلى "الثقافة"

العلاج قديما وحديثا

Share

ما أكبر الفرق بين العلاج القديم والعلاج الحديث : فالعلاج قديماً يوم كان يقوم به الطبيب متنقلا من بيت إلى بيت على حمار أو بغلة أو جواد أو مركبة ، كان في غاية من البساطة ، ذلك لأن الطبيب كان يحاول تشخيص المرض بفحص المريض مستعيناً بحواسه الحمس. فاذا ما اهتدى إلى المرض صرف له الدواء كله أو بعضه من خرجه ، وهو وعاء بيدين كان يوضع على ظهر الدابة التي كان يركبها ، من حقيبته التي كان يحملها. أما الآن تشخيص المرض من أعقد الأمور في الطب، وأصبحت الحواس التي كان عليها المعول للاستدلال على المرض لا تكفى مطلقاً حتى مع طول التمرين، وصار لزاماً على الطبيب أن يستعين بالأشعة المجهولة لمعرفة آفات العظام والمفاصل والكسور والخلوع، ولمعرفة الحصوات البولية والكبدية، والأجسام الغريبة ، من رصاص وإبر ودبابيس ونقود وعظام بلعت عفواً أو عمداً ، أو لمعرفة حالة الرئتين والقلب وحركات الحجاب الحاجز ؟ بل كثيراً ما تقتضى الأشعة المجهولة استعمال مركبات يتناولها المريض ، إما بطريق الفم وإما بطريق الحقن بأشكال مختلفة ؛ وذلك لتوضيح المعدة والأمعاء والمرارة والرئتين والأنابيب الشعبية والجهاز البولي ، والتحقق من كفاية بعض الأعضاء ، مما يطول بي شرحه وليس هذا مقامه

وقد لا تكف الأشعة المجهولة - أو الحاسة السادسة كما يسميها طبيب انكليزي مشهور - للوصول إلى كنه المرض، فيضطر الطبيب الاستعانة بالمعمل لتحليل البول أو البراز أو تحليل مشمول المدة وفحص المهم فحصاً مختلف

الأشكال والأغراض وفحص البصاق

وهذه الوسائل كلها قد لا تكفى . ووقتئذ يلجأ الطبيب إلى المناظير الكهربائية المختلفة لفحص المثانة أو المستقيم مثلا، أو إلى جهاز كهربائى معقد أشد التعقيد الفحص القلب إلى غير ذلك . فاذا اهتدى الطبيب إلى المرض أخيراً وأخذ يعالج المريض وجد أن العلاج المصرى لا يقل تعقيداً واختلاطاً من التشخيص ، مما يضطره إلى الاستعانة بطائفة كبيرة من المتوفرين على فروع الطب المختلفة

في تقدم يتضح للقارئ الكريم أن العلاج كان يقوم به منذ أربعين سنة أو خمسين طائفة من الأطباء ساعدهم بعض الممرضين والممرضات. أما الآن فالعلاج أصبح لا بتأدى إلا بجيش عر صرم من الأطباء والممرضين والممرضات والجراحين وأطباء الأشعة وأطباء العامل وأطباء التدليك وسائر المتوفرين على الفروع الأخرى ، ومن المخدرين والصيادلة ، ومن سائق السيارات والطيارات التي تستعمل للاسعاف

فالعلاج في الولايات المتحدة مثلا كان يقوم به في سنة ١٨٩٠ نحو ١٥٥,٠٠٠ من الأطباء أما الآن فجيش العلاج فيها يتألف من ١,٢٥٠,٠٠٠ .

وكانت العمليات الجراحية قديما لا تتجاوز فتح خراج أو الشق على الحصاة فى المثانة ، أو استئصال ورم صغير على سطح الجسم، أو بتر يد أو قدم ، مما كان يعمل في بيت المريض أو فى عيادة طبيبه . وكان يعملها الطبيب وهو علايه الاعتيادية بغير تطهير أو تعقيم. أما الآن فقد امتدت يد الجراحة إلى كل عضو وإلى كل جزء من الجسم. وأصبحت لا تعمل العمليات إلا في صالات خاصة مجهزة بالأدوات والآلات والأجهزة التى لا تعد ولا تحصى ، وإلا بعد أن يخلع الجراح ملابسه ويلبس ملابس خاصة يعلوها ماكنتوش وإزار معقم ، وإلا بعد أن يلبس فوق

حذاءيه حذاءين للعمليات. وقد يلبس فوقهما كالجورب الواسع، ولا يقرب الجراح المريض لاجراء العملية إلا بعد أن يتقنع بقناع معقم يعلى رأسه ووجهه ، حتى اليدين لا يمكن أن يعمل بهما إلا بعد غسلهما غسلا جيداً ولبس قفازات بهما

وكانت ذوات الحل يضمن حملهن في بيوتهن على أبدى القابلات ، فأصبح الطب أو تقدمه ينصح كل والدة بالولادة في المستشفى .

وكانت النتيجة الطبيعية لهذا التغيير العظيم في مسائل العلاج زيادة نفقاته زيادة لا يستطيع أن يتحملها إلى من زاده الله بسطة في الثروة

ومن زادهم الله بسطة في الثروة وكانوا قادرين على تجمل نفقات العلاج على حسابهم عند الأطباء ، لا يصح أن تعمل لهم العمليات الكبيرة في بيوتهم أو قصورهم أو في عيادات أطبائهم ، إذ لا يوجد فيها الاستعداد الكافي لكل الطوارئ والحوادث ؛ وخير لهم أن تعمل لهم العمليات فى المستشفيات الخصوصية الكبيرة أو في مستشفيات الحكومة التي فيها درجات العلاج عصروفات .

أما العمليات الصغيرة مما سمى عند الجراحين بالجراحة الصغرى فيجوز عملها لهم في بيوتهم أو في عيادات الجراحين

ومن الخطأ تقسيم الجراحة إلى كبرى وصغرى كما كان يعتقد السلف . فالجراحة الصغرى إذا عملت بشيء من التقصير أو الاعمال لأنها صغرى فقد ينشأ عنها من الطواري والمضاعفات ماقد يجملها أشد خطراً من الجراحة الكبرى فيصدق فيها المثل السائر معظم ) النار من مستصغر الشرر » . وما أحسن ما يحضر فى من كلام أمين الدولة من التلميذ إذ يقول : متى رأيت شوكة في البدن ونصفها ظاهر فلا تشترط أنك تعلمها فانها ربما انكسرت ) .

هذا وكنا نحن الأطباء منذ أربعين سنة تعنى أول ما نعنى بعد أن تخرج من مدرسة الطلب ونبدأ حياتنا العملية باتخاذ عيادات تستقبل فيها المرضى تعلق عليها لوحة كبيرة يكتب عليها بالخط الطويل المريض( للفقراء مجانا ) . وأمل إعلان الأطباء في ذلك العهد استعدادهم لعلاج الفقراء مجاناً كان ضرورياً لأسباب كثيرة : منها قلة عدد المستشفيات وصغرها وسوء منها، حتى لقد قيل عنها : الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود ووقتئذ كان يرى الأطباء لزاماً عليهم أن يعالجوا الفقراء مجاناً عن طيب خاطر وكانوا يعتقدون أن علاج الفقراء مجاناً فريضة يجب تأديتها زكاة عن علمهم وفهم ، كما يجب أن يؤدى الأغنياء الزكاة عن أموالهم . والزكاة ما أخرجته من مالك لتظهره به . وسميت الزكاة بهذا الاسم لأنها تزيد المال الذى تخرج منه وتوفره وتقيه الآفات .

وكذلك زكاة العلم أو الفن - فزكاة الطب ما داوى به الطبيب الفقير ابتغاء مرضاة الله وبراً بالانسانية المعذبة ومن ذا الذى ينكر أن زكاة الطلب تزيد في تجارب الطبيب وخبرته ومهارته مما يكون سبباً في إذاعة صيته ونشر شهرته. وقدماً كان يصل الطبيب إلى أعلى درجات الشهرة فالثروة محمولاً على ظهور الفقراء من المرضى.

و من الضروري ألا يعبس الطبيب في وجوههم، وألا يتوانى فى علاجهم وألا يضن عليهم بما هو جدير به من الشفقة والرحمة والرأفة والحنان والعطف ، لكى يتقبل الله منه عمله . ولئن سمى الطبيب قيامه بما يفرضه عليه الواجب نحو الفقراء جميلا فلا يضيع . أينما زرع على حد قول القائل :

ازرع جميلا ولو في غير موضعه

فلا يضيع جميل أينما زرعا

بل كان منا من إذا دعي إلي مريض فقير وشعر

بحاجته إلى المساعدة توزع من تناول القدمية (الغزيتة) إذا قدمت له ، وجادت نفسه عليه بشيء من المال ليستعين به المريض على ابتياع الدواء الموصوف والغذاء المطلوب وذلك مما عرف من المرحوم الدكتور محمد درى باشا والمرحوم الدكتور طيفل حسن باشا .

وليس من الصواب ماجرت به عادة الأطباء في الأرياف. من معالجة جميع الموظفين مجانا بغير ما نظر إلى حالتهم الاجتماعية . وذلك لأسباب كثيرة : منها أن الجهود لا يعتقد في العلاج إذا كان مجانا ، ولا يثق فى الطبيب إلا إذا كان أجره عاليا ، ولا يعتقد في الدواء إلا إذا كان تمنه غاليا ولا تحسين أيها القارئ الكريم أني أقول ذلك جزافا الصالحة الطبيب، لأن لهذا الاعتقاد تأثيراً نفسانياً يجب أن يحسب له الطبيب حسابا. وما أدرى كيف لا يقيم الطبيب وزنا لهذا الاعتقاد وقد جرت على الألسنة العبارة العامية المشهورة : مافيش بلاش إلا العمى والطراش » . ومنها أن الطبيب بهذه المادة يظلم نفسه وأسرته ، لأنه يكون كالتاجر الذي يوزع بضاعته على الناس بغير ثمن . فان كان الطبيب فقيراً فقد جاد بنفسه على غيره غير مدخر ما تقضيه لوازم المعيشة . وإن كان غنيا لا يحتاج الى ما يكسبه من صناعته فقد حرم غيره من الأطباء ممن هم في حاجة إلى التكسب من هماهم . ولأضرب لك مثلا في ذلك ، ما يروى في هذا الموضوع من أن جراحا كبيراً من الجراحين المشهورين بلندن قد سافر إلى بقمة جبلية في اسكوتلندة للاستراحة من عناء الأعمال وتغيير الهواء ؛ وقد حدث أن دمى هذا الجراح إلى قصر كبير مجاور للبقعة التي أقام فيها العلاج صاحبه ، وكان مصاباً بحصاة في المثانة ، فأجرى له العملية الضرورية. ولما قدم له الأجر رفضه بدعوى أنه مقيم في هذا المكان للاستراحة لا للاشتغال يفته . فانتقدت اللانست) وهى مجلة طبية انكليزية مشهورة هذا التصرف

قائلة ما معناه إن المريض غنى قادر على دفع الأجر كاملاً ، وليس من الصواب أن يرفض الجراح الأجر الذى قدم له بدعوى أنه في الاستراحة ولا يريد أن يعكر ما هو فيه من الصفاء بالعمل. ولئن أصر على وأنه هذا لقد كان في اسكوتلاندة غيره من الجراحين ممن يستطيعون أن يعالجوا هذا المريض يمثل كفايته ومهارته . ولقد كان من الحق أن يتنحى لهم عن العلاج لكي يحصلوا على الأجر الذى أبي تناوله . ولئن كان هذا الجراح لم يهتم بالأجر ولم يكترث له لسمة يده وعظم روته لاغتبط كثيرون غيره ممن هم في كتابته لكنهم أقل شهرة بهذا الأجر وأعجبهم وعظم عندهم .

أما الآن فقد تغيرت الحال غير الحال، فكثرت المستشفيات بأنواعها المختلفة ، وكبر حجمها وحسنت محنتها ، فزاد الإقبال عليها ، فصار يقصد إليها الفقراء المساكين ويأتون إليها من كل حدب ينسلون ، بل صار بقصد إليها كثير من الأغنياء والمتوسطين مزاحمين الفقراء مضايقين الأطباء.

ومعاذ الله أن يكون سبب تأذى الأطباء من الأغنياء والمتوسطين ممن يقصدون إلى المستشفيات المعالجة مجاناً هو حرمانهم من الأجور التي كان يتقاضاها الأطباء فيما لو هو لجوا في عياداتهم الخصوصية . فالأطباء والحمد لله أعف نفوساً وأوسع صدوراً من أن يضيقوا ذرعاً بذلك ولكن نفوسهم تذهب حسرات على الفقراء من المرضى إذا حضروا إلى المستشفيات فلم يجدوا أسرة خالية تأويهم.

وهم إذا دخلوا المستشفيات الخاصة بعلاج الفقراء ، والتي ليس فيها أماكن لعلاجهم بمصروفات تغضبوا من أشياء كثيرة ، وكانوا سبباً في تشويه سمعتها بغير حق ؛ ذلك لأن نظام المستشفى يضطرهم إلى لبس ملابس معينة ، وهم الا يريدون أن يلبسوها ، بل يفضلون أن يلبسوا ثيابهم كأنهم

في بيوتهم. ومنها أن عنابر المرضى كبيرة في كل عنبر عشرة أسرة أو أكثر ، وهم لا يقبلون إلا أن يكونوا في حجرات صغيرة خاصة بهم. ومنها أن الغذاء المسموح به لا يوافقهم، وهم يريدون أن يأكلوا ما تشتهى نفوسهم كأنهم في فنادق أو مستشفيات خاصة . ومنها أن الأوانى التي توزع فيها الأغذية لا تعجبهم لأنهم يريدون أن يتناولوا غذاءهم في محون وأطباق صينية مثلاً. ومنها أن زيارة المرضى في هذه المستشفيات لا تزيد على مرتين في الأسبوع على الأكثر ، وهم يريدون أن يسمح لذويهم وأقاربهم صباح مساء ليل نهار كل يوم . ومنها أنهم يميلون إلى تمريض خاص وهو غير ميسور ، إلى غير ذلك مما يطول بي شرحه ومما يجعلهم آفة هذه المستشفيات، فيخرجون متذمرين ولو تفانى الأطباء في علاجهم وإرضائهم

وإذا عرفت أن علاج الأفراد من الفقراء فرض على الأطباء ، فعلاج الجماعات من الفقراء من واجبات الحكومة؟ وهى لهذا الغرض نشيد المستشفيات المجانية. وكما أن الزكاة لا تعملى إلا طوائف معينة ذكرت في الآية الكريمة الآتية تحقيقاً لأغراض الزكاة : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم كذلك يصح تحقيقاً للأغراض التي من أجلها أنشئت هذه المستشفيات أن تعين الطوائف التي تدخلها .

وما أبلغ هذه الآية الحكيمة ! فإنها تشير إلى نظام قريب المشابهة بنظام الحكومة ، إذ تجمع الصدقات ، وهى الزكوات المكتوبة أو الضرائب بلغة هذه الأيام، يجمعها العاملون عليها ، وهم الذين يبعهم الإمام لجبايتها ويستحقون على عملهم نصيباً منها، ثم توزع على الفقراء والمساكين، والمؤلفة قلوبهم وهم الذين كان يؤلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا أو ليقوى إسلامهم أو ليدفع شرهم عن

المؤمنين ، وكذلك يصرف من الصدقات لفك الرقاب ولاعانة الذين عليهم دين استدانوه من غير معصية كالخمر والاسراف فيما لا يعنيهم ؛ وكذلك يصرف منها في سبيل الله ، كالتعليم وإقامة العدل ، والدفاع عن البلد ، وعلاج الفقراء، وغير ذلك من مختلف الشؤون ؛ وكذلك يصرف منها على ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع من ماله . وأما قوله تعالى : ( فريضة من الله ) فدليل على أن هذه الصدقات من الزكوات التى يتحتم دفعها . ولو كانت الديون العقارية صرفت في غير معصية واستدانها أصحابها بغير ربا امكان حقاً على الحكومة إمانة المدينين إمالة مادية بنص هذه الآية الكريمة .

وليعلم الأغنياء أن في أموالهم غير الزكوات المفروضة نصيباً للسائل والمحروم من نعمة الصحة .

اشترك في نشرتنا البريدية