الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 199 الرجوع إلى "الثقافة"

العلاقات الدولية، أو سيكولوجية الحرب

Share

أشرنا في مقالنا السابق إلي بعض الدوافع البدائية التي تؤدي إلي نشوب الحرب ، كغريزة حفظ الذات ؟ وقلنا كلمة عن سيكولوجية الجماهير ، واليوم نذكر بعض ما قاله المستر برون عن حكم القانون ، وتعبئة اللاشعور ، والدعابة .

حكم القانون  :

كثيرا ما يقال إن الحرب يمكن القضاء عليها كما قضي على المبارزة بالوسائل التشريعية ، وبإعلان صريح بتحريمها ولكن الذين يقولون هذا القول ينسون أن القانون , وإن كان في آخر الأمر يمثل آراء الكثرة الغالبة من الأفراد ، يحتاج إلي قوة للمحافظة عليه . ورجال الشرطة هم الذين يحافظون عليه وينفذونه داخل حدود الدول

المختلفة ، وكذلك يحتاج القانون الدولي في المرحلة الحاضرة من مراحل الرقي البشري إلي قوة تخضع الدول المختلفة لأحكامه . ويبدو لنا أننا في حاجة إلي هيئة عليا فوق الدول لها قوة كافية تأتمر بأمرها وتستخدمها في تنفيذ أحكام هذا القانون ؛ ولكن إنشاء هذه الهيئة لا يدخل مع الأسف الشديد ضمن نطاق السياسة العملية المستطاعة

في وقتنا الحاضر ، فما من أمة ترضي أن تنزل عن سيادتـها العليا لدولة فوق الدول ، لأن ذلك يتطلب منها عقلية لا وجود لها الآن على ظهر الأرض . وليس أمام أمام الساسة بعد ذلك إلا إنشاء نظام من الضمان الإجماعي عن طريق هيئة كعصبة الأمم الحاضرة مكبرة .

ولا أمل في نجاح هذا الضمان إلا إذا كان عاماً . فلا بد أن تشمل عصبة الأمم في المستقبل العالم بأجمعه ، لأن السلم مسألة يعني بها العالم كله ، وبخاصة بعد أن

تقدمت سبل الاتصال هذا التقدم السريع الذي انعدمت به المسافات بين أجزائه المختلفة ؛ وبعد أن قويت الروابط الاقتصادية والثقافية بين أمم الأرض قاطبة ، فعصبة الأمم الصحيحة يجب أن تمثل الأمم كلها بلا استثناء ، فإذا أنشئت على هذا النحو أمكن المحافظة على مبدأ

الضمان الإجماعي وكبح جماح ثورات الامم مهما عظمت . ولكن ظروف العالم الراهنة لا تبشر بإمكان إنشاء هذه العصبة الكاملة ، وبقدر بُعدها عن الكمال يقل الأمل في قدرتـها على تحقيق هذا الإرض الأسمي .

تعبئة اللاشعور :

قد يعجب المرء كيف يستطيع إنسان أوتي قسطاً وافراً من الثقافة وله سلطان علي نفسه أن يصل إلي الحالة العقلية التي تدفعه إلي قتل إنسان آخر ؛ ليس بينه وبينه نزاع شخصي ؛ نعم إن حماسة الإنسان العلمية قد تدفعه وهو هادئ في معمله ان يبذل جهده في العمل على زيادة قوة الطائرات والأسلحة القتالة على اختلاف أنواعها ، وأن

ينسي في ذلك الوقت الغاية التي تستخدم فيها هذه الأسلحة فيما بعد . ولكن الذي لا يستطيع العقل أن يدركه بسهولة هو كيف يقدم هذا الإنسان على إطلاق المدفع ، وقصف المفرقعات ، وإلقاء القنابل ، وملء الجو بالغازات السامة والخانقة والمحرقة ، وهو يعلم أن عمله هذا سوف يؤدي حتما

إلي تقتيل بني جنسه ، وتشوبه أجسامهم ؟ أو بعبارة اخري : كيف يقدم إنسان عاقل على الاشتراك في الحرب ؟ تلك مسألة سيكولوجية من واجب الناس أن يفكروا فيها ؛ نعم قد يوجد في بعض الأمم المحارية من يأبي أن تكون له يد

في الحرب بحال من الأحوال ، وقد وجد هؤلاء في الحرب الماضية ، وأطلق عليهم اسم " الممتنعين بوحي ضمائرهم ". ولكن هؤلاء أفراد قلائل لهم عقول مستقلة قوية تأبي أن تنساق إلي ما تنساق إليه الجماهير ، وان تتقبل في سهولة الإيحاء النفساني الذي يوحيه إليها الجو الذي يحيط بها .

أما الكثرة الغالبة من الناس ، فإن تيار الشعور العام يجرفها معه ، وذلك لأن الحقائق التي تعلن للناس في أيام الاضطراب النفسي السابق للحرب ، وفي أثناء الحرب نفسها تهيئ أذهان الأفراد إلي الاعتقاد بأن العقل والضمير

كليهما يحتمان عليهم أن يشتركو فيها ، ويبذلوا فيها اقصي جهودهم ، لا فرق في ذلك بينهم وبين ولاة الأمور الذين يسيرون دفة السياسة ويسيطرون على أداة الحرب . أو بعبارة أخرى إن قوة اللاشعور لدي الأفراد تعبأ للحرب كما تعبأ قوة الجيش والأسطول وسلاح الطيران

سواء بسواء . ولو كان الناس يدركون حق الإدراك جميع القوي اللاشعورية التي تؤثر فيهم وتدفعهم إلي ان يخوضوا غمار الحرب ، لرأيناهم على الأقل أكثر تردداً مما هم الآن فى الإقدام عليها والاشتراك فيها ، ولما رأينا كلا الطرفين المتحاربين يعلن أنه يدافع عن الحق ويطلب إلي الله أن يهيئ له سبيل النصر .

فالقوي اللاشعورية إذن عامل قوي فعال في الحروب ، وهي تظل في الأوقات العادية نائمة مكبوتة تسيطر عليها أغراضنا ومقاصدنا الواعية ، وثقافتنا وإحساسنا بما يجب علينا لغيرنا ، وما يليق بنا ، وما لا يليق ؛ ولكن في وسع هذه القوي إذا أثيرت أن تسيطر على أحكامنا الأخلاقية وتلوسها وتفسدها ويحدث هذا في أوقات الحروب وفي أيام

الثورات ، والزعماء هم الذين يستثيرون هذه القوي ، فالزعيم في تلك الأوقات يمثل لا شعور القوم الذين يقودهم ، وليس هو الذي رضي مطالبهم الواعية فحسب ، بل هو الذي يرضى هذه المطالب ، ويرضى معها غرائزهم اللاشعورية وذلك حقيقة لا تدركها الآن حق الإدراك كثرة المتعلمين المثقفين ، ولا تلقي منهم ما هي جديرة به من العناية .

الدعاية :

والدعاية هي الوسيلة التي تتبع لتعبئة اللاشعور ؛ وليست الدعاية شرا في جميع الأحوال ، فالحرب متي دارت رحاها

كان من حتى كلا الطرفين المتحاربين أن يلجأ إليها ويستخدمها إلى أقصى حد مستطاع ؛ ولكن الدعاية المرذولة هي الدعاية الباطلة التي يلجأ إليها في أيام  السلم ، وقبيل اندلاع لهيب الحرب ؛ وأقصد بالدعاية الباطلة الكذب وقلب الحقائق ،

مما لا يستطيع معه أكثر الناس علماً وثقافة أن يتبين فيه الحق من الباطل ، ولو استطاع الناس في أيام الأزمات التي تسبق الحروب أن يستمسكوا بالصدق بأكمل معانيه ، لقوي الأمل في منعها ، ولكن الكذب ، والاحتيال ، والسفسطة ، جزء لا يتجزأ من فن الحرب .

وإذا كان العمل على التأثير في قوي الإنسان الواعية المدركة بقلب الحقائق عن قصد وتعمد ، وبسوء التوجيه والخداع ، إذا كان هذا كله خطراً ، فأخطر منه الالتجاء إلي القوى اللاشعورية البدائية الكامنة في عقل الإنسان . كالرغبة في إحراز المكانة والسلطان ، وهي الرغبة التي تلازم على الدوام شعور الإنسان بمكانة أسرتة أو طبقته أو

بلده ، ذلك الشعور المستمد من رغبته في إثبات ذاته ، وإشعار الناس بوجوده ، وليس أسهل من تشويه هذه الغريزة وإساءة استخدامها وتوجيهها وجهات يصعب على الباحث أن يتبين معها أصلها . ومن أكثر الوسائل نجاحاً في إخفاء هذه الغريزة وسترها عن أعيننا إلباسها لباس

المبادئ الخلقية السامية كالقول بأن علينا هذا الواجب أو ذاك ، ثم استخدام هذا الشعور بالواجب في تقوية هذه الغريزة حتى إذا أزيح هذا الستار الخارجي ، ستار الواجب الخلقي ، تبينا من تحته الرغبة في السلطان وغريزة حب الذات سافرة صريحة .

ومن الغرائز القوية البدائية الكامنة في اللاشعور ، التي تعبأ في أيام الحروب غريزة حب الاعتداء ، وهي الغريزة التي تدفع بالجندي إلي قتل عدوه متي رآه ؛ ويقابل هذه الغريزة غريزة أخري تناقضها ، وهي الرغبة في الصداقة أو الحب ، وهي غريزة أساسية قوية لا تقل في

أثرها عن حب الاعتداء . وكثيراً ما تؤدي إلي نتيجة مماثلة لها ، فيكون الاعتداء ناشئاً من الخيبة في السعى إلى الصداقة والحب . فالطفل الصغير يرغب في أن يحب , وهو مستعد لأن يحب ، فإذا لم يلق هذا الحب من أبويه ، فالغالب أنه ينشأ شخصاً شرساً مشاكساً معتديًا ؛ وهذا نوع من الاعتداء ثانوي غير بدائي ، ينشأ إذا لم يلق صاحبه حباً .

وكثيراً ما يحدث هذا النوع الثاني من الاعتداء بين الأمم بعضها وبعض ؛ فقد ترغب أمة في صداقة أمة أخرى وتفضل أن تكون حليفة لها عن أن تعاديها وتخاصمها . فإذا ما مدت إليها يدها تطلب هذه الصداقة ثم رفض طلبها ، خلق فيها هذا الرفض شعوراً قوياً بالإشمئزاز والكراهية شبيهاً بالشعور الذي يحدث في نفس المحب

المخفق في حبه . فهناك إذن نوعان من الاعتداء : نوع بدائي يظهر في التقتيل وفي الحروب ، ونوع ثانوي ذو مظاهر خاصة به ، يباعد بين الناس وبين الأمم ، ويؤدي إلي النفور والخصام ؛ وهو أكثر من الأول انتشاراً . وقد يؤدي إلي نفس النتائج  .

ومن الميول البدائية الكامنة في اللاشعور ، والتي تعبأ أيضا للحروب ميل الإنسان إلي التضحية بنفسه ، وهو ميل إذا توثقت الصلة بينه وبين عقيدة الواجب الوطني أصبح منبعا يفيض منه النشاط والقوة ، وسببا في إشعال نار الحرب أو المضى فيها بعد اشتعال نارها ، والدعاية الماكرة تدرك قوة هذا الميل وتلجأ إليه على الدوام .

هذه عوامل تثير الحرب وتمدها بالوقود إذا اشتعلت نارها ؛ وهناك عوامل أخري غيرها لم نشر إليها ؟ وحسبنا هذا بيانًا لمقدار العقبات والأخطار التي يجب على من يريد إقرار السلم أن يزيلها من طريقه . ويقال الآن بحق إن نزع السلاح الخلقي - أو التسليح الخلقي كما يفضل البعض أن يسميه - يجب أن يسبق نزع السلاح

المادي . ولكن نزع السلاح الخلقي نفسه يجب أن يسبقه معرفة تامة بحقيقة تلك القوي الباطنة التي يجمع الثقاة على أنـها " مهمة شريرة " وبتلك الميول النفسية التي هي أبعد من القوي السابقة غوراً وأكثر منها بدائية ، والتي ليست في ذاتـها خيراً أو شراً ، بل يكون هذا أو ذاك حسبما يوجهها الذين يستطيعون أن يستثيروها ويسيطروا عليها .

إن القوي اللاشعورية في الأفراد إذا بقيت مكبوته لا ترقي إلي مستوي الوعي الذي يدركه العقل ويسيطر عليه ، قد تبرز في صور فاسدة مشوهة هي الأمراض العصبية والعقلية الشديدة الخطر المختلفة الأنواع أو الشذوذ ، والأطوار الغريبة فيمن لا يعترف أكثر الناس بأنهم

مصابون بهذه الأمراض العصبية . فإذا ما رفع الكبت الواقع على هذه القوي اللاشعورية بطريق التحليل النفساني ارتقت إلي مستوي العقل الواعي ، وظهرت في صورتها الحقيقية ، وأمكن السمو بها ، أي توجيهها إلي أغراض اجتماعية وثقافية راقية .

والدول شأنها في هذا كشأن الأفراد ، وعلاقة بعضها ببعض تؤثر فيها أعظم الأثر ميول أفرادها اللاشعورية التي تظهر في أعمالهم وإحساساتهم ، دون أن يدركوا مصدرها . وتلك الميول اللاشعورية كميل الإنسان إلي إثبات وجوده ، والاعتداء علي غيره ، وحفظ ذاته ، والتضحية بنفسه ، والميل إلي المخاصمة

وما إليها هي التي تثور وتشتد ثورتـها إذا شبت نار الحرب ، وهي التي تعبأ في إبانـهــــا . وما من شك في أنـها كامنة في الإنسان ، ولكنها غير خامدة في أوقات السلم . وتزيد الدعاية والحوادث التي تقع في العالم هذه الميول قوة ، فتنتج عنها عقد نفسية (1)Complexes تقيم السعاب في المفاوضات الدولية وتجعل التفاهم المتبادل

بينهما مستحيلا .

ولا رجاء للعالم في أن تسرح الدول جيوشها الجرارة وتـقلع عن رسائل البطش والتدمير إلا إذا كشف علماء النفس عن جميع الميول اللاشعورية الكامنة في عقل الانسان عن طريق التحليل النفساني ثم سموا بهذه الميول

ووجهوها إلي العمل لأغراض راقية من العلم والثقافة ، والعطف على الجيرة وخير الإنسانية ، فيكون ذلك مصرفا لهذه القوي اللاشعورية التي تنصرف الآن في الشر وإلى الحرب والتخريب والتدمير .

اشترك في نشرتنا البريدية