لا يظن القارىء عندما يطلع على هذا العنوان أننا بصدد كتابة مقال سياسى عن الأعمال والمساعى الخفية التى تحدد العلاقات السياسية بين الدول ، والتي على أساسها تقوم الصداقة بينها تارة والعداوه تارة اخري ، فتلك الأعمال والمساعى مما لا يستطاع الكشف عنه بسهولة ، لأنها تعمل معظم عملها وراء الستار ، ولا يظهر منها إلا آثارها ، أما هي فتظل في الغالب مخبوءة لا تعرف إلا
بعد سنين طوال ، وقد تظل مستورة إلي ما شاء الله . أما الذي سنتكلم عليه في هذا المقال ، فهو ناحية اخرى من العلاقات الدولية أشد عمقاً من الناحية السياسية السالفة الذكر ، ولكنها مع ذلك مما يستطاع الكشف عنه وبحثه ودراسته في وضح النهار من غير ان يحتاج الباحث إلى التنقيب عنه في السجلات السياسية ، أو ان يتبع من اجله حركات رجال الحكم والسياسة .وتلك الناحية هي سيكولوجية العلاقات السياسية ، أى سيكولوجية السلم
والحرب ، والآراء التي سنضعها أمام القارئ في هذا المقال وفي المقال الذي يليه مستقاة من كتاب " السلم والحرب Peace & War - للدكتور وليم يرون - William Brown أحد علماء الأبحاث النفسية ، ومدير معهد علم النفس التجريبي في جامعة اكسفورد The Institute of Experimental Psychology, Oxford University.
وهو يبحث في هذا الكتاب موضوع السلم والحرب من الناحية السيكولوجية ، ويستمد اراءه من خبرته وتجاريبه الشخصية ، ويوضح الطريق التي يجب سلوكها لفهم العقل البشري فهما صحيحاً عند جميع الامم وفي جميع الظروف .
يقول الدكتور " برون " : إن سيكولوجية العلاقات الدولية اي سيكولوجية السلم والحرب من الموضوعات التي يمكن أن تبحث بحثاً وافياً ، إلا على أساس الدراسة العلمية لتكوين العقل البشرى وطرق تفكيره . فإذا ما بدأنا هذا البحث بعد تلك الدراسة ، واجهتنا على الفور هذه الأسئلة
الآتية : كيف يمكن أن تشب نار الحرب ؛ وكيف يمكن إن تخوض غمارها الشعوب المتمدينة ؛ وكيف يمكن إقرار السلم بوسائل إيجابية غير الوسائل القديمة ، وهي ترك الأمور يجري في أعنها ، فلا تكون سلماً من النوع الذي يصفه الفيلسوف الإنجليزي هبز: Hobbez بأنه مجرد فترة
بين حربين ، لان الحرب هي النشاط الحقيقى العادي ، والسلم هي الزمن الذي يستريح فيه المتحاربون ويستجمعون قواهم ويزول فيه انخداعهم ووهمهم ، ويثوبون فيه قليلا إلى رشدهم ، ثم يخوضون غمار الحرب من جديد . ألست ترى المحاربين يعلنون عادة أنهم متى فرغوا من حربهم هذه لن يعودوا إلى غيرها مرة اخري ، ثم لا يكون لقولهم هذا من القيمة إلا ما لقول الكبر الذي يقسم وهو يرفع الكأس إلي فمه أنه لن يذوق الخمر بعدها أبدا .
ولا يستطيع علماء النفس حتى الآن أن يدعوا أنهم وصلوا إلي حل صحيح لمشكلة الحرب والسلم ، وكل ما فى وسعهم ان يفعلوه ان يتبينوا القوى المختلفة التي تعمل لإشعال نار الحرب ، وقد عرفوا انها قوى كثيرة متعددة .
وأول ما يدور بخلد الرجل العادي من اسباب الحروب هو الأسباب الاقتصادية
فالناس يذهبون إلي أن نظما اقتصادية معينه تؤدي حتما إلى قيام الحرب ، لما ينشأ عن هذه النظم من تصادم المصالح الاقتصادية بين الأمم ،تصادما قد يبلغ من الشدة حداً يري الناس معه ألا مفر من الالتجاء إلي القوة الوحشية لحل مشاكلهم ، وتسوية الخلاف القائم بينهم . تلك نظرية سهلة خلابة ، ولكنها ليست إلا جزءا من الحقيقة إذ ليست العوامل الاقتصادية إلا سببا ظاهرا من أسباب الحروب .
ومثلها في البساطة قول بعض علماء النفس إن الإنسان يتألم إذا هددت مصالحه ، ويثور إذا حيل بينه وبين رغبته في الحياة ، ويغضب إذا واجهته في حياته صعاب اقتصادية
ليس من السهل أن يتغلب عليها ، فإذا ما جاءه زعيم مهرج وكشف له عن مصائبه وأسباب شقائه ، ثارت نفسه ، وقد يصبح في اثناء ثورته شرساً مخاصماً مستعداً للكفاح تلك نظرة اخري في منشأ الحروب ، وهي نظرة سهلة ولكنها سطحية ، مثلها كمثل النظرة الاقتصادية السالفة الذكر ، لأنها تغفل تركيب العقل الإنسانى ولا تأبه به ، وهذا التركيب هو الذي نحب دراسته قبل كل شئ للوقوف على الأسباب الحقه للحرب .
إن العقل الإنسانى قد نما وتكون على مر الدهور ، وتطور من حالته الأولى البدائيه متأثراً بعامل تنازع البقاء وهو تنازع حقيقي لا شك فيه ، لان نظرية الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح بسبب هذا التنازع صحيحة تنطبق على عقل الإنسان كما تنطبق على جسمه ، ففي الأعماق البعيدة من عقولنا عوامل النزاع الشديد من أجل البقاء والصراع العنيف بين الإنسان والإنسان ، والأسرة والأسرة ،
والأمة والأمة . والغرض الذي يرمى إليه هذا النزاع هو الحصول على الأمن والطمأنينة والمقام والسلطان . ويظهر هذا الصراع في اشكال مختلفة ، وقد تحول دون ظهوره في بعض الأحيان ما يتم بين الناس من ضروب التراضى والاتفاق ، ولكنه احيانا يتطاير شرره فيندلع من هذا الشرر لهيب الحرب .
وقد شبه شبنهور Schopenhauer في إحدي مقالاته المجتمع البشري بطائفة من القنافذ آذاها برد الشتاء فعملت على ان تنقيه بالاقتراب بعضها من بعض ، فلما تقاربت آذي كل منها الآخر بأشوا كه ، فعادت كلها إلي الابتعاد واصابها البرد من جديد ، وما زالت تجرب الوسائل وتقع فى
الأغلاط حتي تبينت أن في مقدورها أن تتباعد مسافة معينة تستطيع فيها ان تدفئ نفسها ولا يؤذي بعضها بعضاً بأشواكه . وتلك في رأيه حال الإنسان في المجتمع . فهو يري ان من الصعب عليه أن ينسجم كل الانسجام مع
غيره من ابناء جنسه ، ولكنه يري أيضا أنه إذا سار علي هواه وعاش لنفسه " اصبحت حياته بائسة شقية متوحشة قصيرة الأمد " كما يقول هيز Hobbez، فاضطرته هذه الظروف إلي أن يتعاون بعض التعاون مع بني جنسه . وهكذا تبدل العقل الإنسانى إلي حد ما في أثناء نموه، واصبح من الميسور ان يخفف التعاون بين الناس من حدة التنافس بينهم ، فيقل هذا التنافس كلما زاد
ما بينهم من تعاون ، ولكن الإنسان مع ذلك لا يزال يحمل في أعماق هذا العقل ميولا غريزية إلي أشكال بدائية من الانفعال العقلى ، من نوع الميول التي كانت للأفراد والجماعات في المراحل الأولى من تطورهم القومي والاجتماعى .
وتظهر هذه الميول واضحة في أعمال المجرمين ، فإن كثيراً من هذه الأعمال ليست إلا انتكاساً أو رجعة إلي نوع بدائى من انفعال الكائن الحى ، واستجابته للدوافع التي تؤثر فيه . فليس القاتل علي الدوام شخصاً فسدت طرق استجابته لظروف حياته ، ولكنه في الغالب إنسان أصيب بمرض في جهازه العصبي ، أو انحطاط فى مستواه العقلي ربما يكون قد ورثه عن آبائه واجداده ، ينشا عنه ضعف
في سيطرته علي عقله وأعصابه ، فينفعل في وقتنا هذا كما كان اسلافه البدائيون ينفعلون في العهود السابقة في بيئة يعد فيها هذا النوع من الانفعال عادياً وطبيعياً لا لوم عليهم فيه . فالقاتل مثلا يحتاج إلى ساعة يشاهدها في يد إنسان ، فيري أن اقصر الطرق للاستيلاء على هذه الساعة أن يقتل صاحبها ؛ وتتوق نفسه إلى الشواء فيحرق البيت الذي فيه
ليشبع هذه الرغبة ، وإن كثيراً من هذه الحالات الإجرامية لتستعصي علي جميع انواع العلاج العقابى منها والإصلاحى ، لأن أسبابها ترجع إلي هذه الانفعالات البدائية السالفة الذكر ، فهي رجعة بالإنسان إلي الميول الأولى لبنى جنسه أو إلي مرحلة سابقة من مراحل تطوره .
ومعنى هذا أن الإنسان المتمدين - أي الإنسان العاقل
Homo Sapiens في هذه الأيام - تكمن فيه أنواع من الأخلاق تلائم المراحل الأولى من تطوره العقلى ، ولكنها في الظروف العادية مقيدة غير طليقة تمنعها من الظهور طرق أخرى من الانفعال أرقى منها في سلم التطور . ويدلنا التحليل النفسانى على ان معظم الناس الذين ترى انهم أفراد عاديون لا يزالون يحتفظون في عقلهم الباطن - في للاشعور أو المستوي البدائى من عقولهم -بميول لم تكن مسببة قط في المراحل الأولى من التطور البشري ، ولكنها
من الميول التي لا يسمح لها بأن تسيطر عليهم وتسيرهم في حالاتهم الراهنة . ومن هذه الميول البدائية الميل إلي حفظ الذات وهو ميل متأصل فينا جميعاً ، ولكنه تسيطر عليه وتحبسه اعتبارات اخري ارقى منه ؛ وهذا الميل لم يمح من الإنسان ولم يقض عليه ، بل إن بعضه قد وجه في اثناء تطوره إلي أغراض اجتماعية وثقافية سامية ، ولكن جزءاً كبيراً من هذا الميل القديم لا يزال باقياً في أحط درجاته
البدائية حتى عند أرقى الناس ، فإذا أحاطت بهؤلاء أحوال شديدة الخطر عليهم ، وبخاصة إذا صحب هذه الأحوال جهل بحقيقة ما يحيط بهم ،برزت غريزه حفظ الذات ، وأصبحت ذات قوة هائلة ساحقة تدفع بالإنسان إلى الذعر والحرب ، مما تعاقه نفسه وتشمتر منه فيما بعد . ذلك أول ما تذكره من أسباب الحرب .
وينطبق هذا القول على غريزه اخرى ، هي ميل الإنسان إلي إثبات ذاتيته ، أي تأكيد وجوده وتوسيع قواه وزيادة سلطانه . وقد تكبح هذا الميل ايضا قوى عقلية متأخرة عنه في النمو ، كخلال التواضع ، ومحاسبة
النفس ، ومراعاة حقوق الغير ، والتقيد بالآداب ؛ ولكن ميل الإنسان إلي إثبات ذاتيته يبقى بعضه كامنا في أعماق العقل البشري فحتى إذا وانته الظروف برز قوياً بحالته الأولى أو ما يشبهها ؛ وقد يحدث هذا في حالة ارقي الخلق المثقفين ، فيكون سبباً آخر من أسباب الحروب .
ومن بين المناسبات الكثيرة التى تستطيع فيها هذه الميول البدائية أن تظهر سافرة لا تخشى منعاً ولا لوماً . أوقات الحركات الشعبية العامة ، التى يرى فيها الفرد الجماهير من حوله تفكر كما يفكر هو ، فينقص ذلك شعوره ، مما عليه من تبعة شخصية نقصاً كبيراً . وهو
لا يطلق هذه الميول البدائية عن قصد وتعمد ، ولكنها تبقي متحفزة للظهور والسيطرة على الإنسان ، وتكون لها الغلبة على خلاله المتمدينة ، فكانها شحنة كهربية قد انطلقت فجأة في جهاز رقيق ضعيف ، فتغلبت على ما فيه من مقاومة ، وانارت ما حولها بنور شاحب ضئيل
وهكذا قد يستولى الرعب علي جماعة من الناس فتنتهز أول فرصة تتاح لها ، وتقدم على عمل من الأعمال لا يتناسب بحال ما مع الظروف المحيطة بها ، فتقفز إذا اثيرت كما يقفز النمر المهتاج غير آبهة حتى بسلامتها . وقد يكون في هذه الجماعة التي تحركها دوافع مشتركة وتسير في طريق مضطرب واحد ، رجال لا يحلم كل منهم مفرده ان يسلك
هذا الطريق الذي يسلكه مع باقى الجماعة ولقد كانت هذه الحالة النفسية مما عرف قبل ان تجرى أية بحوث تحليلية في عقل الإنسان ، فقد كان سلوك الجماعات المختلفة في أثناء الثورة الفرنسية ، وما ارتكبته من أعمال تجاوزت فيها حدود العقل والاعتدال ، موضوعا من موضوعات الدراسات السيكولوجية من زمن بعيد .
وما من شك في أن لاحتمال انفعال الجماهير العقلى واضطرابها النفسي اثراً واضحاً في مشكلة الحرب والسلم ، ولكن التحليل العقلي العميق الذي بدأه الاستاذ سجمند فرويد Sigmund Freud في هذه الأيام وسارقيه علي اثره غيره من العلماء ، قد دل فوق ذلك على ان القوى العقلية قد
تظل تعمل بطريقة لاشعورية ، وإن كان العقل الواعى يقظاً كل اليقظة ، ومسيطراً على الإنسان كل السيطرة في الظاهر . فهذه القوي كلها التى تبرز واضحة في الحركات الجماعية تعمل عملها ايضا في عقول الأفراد ، وتظهر بأشكال ملتوية ،
وقد تكون هناك انفعالات عقلية تراها الكترة الغالبة من الناس عادية لاغبار عليها ، وملائمة للظرف التي تحدث فيها ولكنها إذا حظت تبين أنها ترجع إلي ميول أكثر منها بدائية تستمد منها قوتها ؛ فهي في هذه الحال شبيهة بشخص من أسرة مثرية يستخدم الفراغ الذي وهبته له ثروته الموروثة في القراءة وتئيف عقله وترقية ذوقه الفنى ، مع أن المال الذي يمكنه من هذا كله يصل
إليه من كدح الكثيرين من أبناء جنسه الذين يعملون طول يومهم ، ويعرضون حياتهم للخطر ليستخرجوا له المعادن من باطن الأرض ، ولا ينالون من الآجر ما يقيم أودهم ويحفظ عليهم حياتهم ؛ او شبية بالحضارة الاتينية القديمة التي بهرت العالم بعظمتها ، ولكنها قامت على أكتاف الرقيق .
على ان القوتين البدائينين السالفتى الذكر ، قوة حفظ الذات وقوة إثبات الوجود ، لازمتان للإنسان ولاغني له عن نصيبه منهما . ذلك لأنه إذا لم يكن في وسعنا أن نحافظ على حياتنا فلن يكون في مقدورنا ان نفعل الخير لغيرنا . وقوة إثبات الذات قوة طيبة على العموم ، وإن كان في الإمكان توجيهها بحيث تصبح نقمه شاملة ، فتوجيه هذه القوة أو تلك إذن هو الأمر المهم . والرجل المثقف تثقيفاً حقيقياً يخضع هاتين القوتين الأساستين لإرادته ، ويسيطر عليهما
ويستخدمهما كما تستخدم المادة الأولية في الصناعة . أما إذا اسئ استخدامهما فقد تؤديان إلي قيام نظم وانماط من التفكير لا تتفق مطلقا مع السلام الذي يجب ان يقوم بين الأفراد أو الأمم . والإنسان مسئول عن حسن استخدام هاتين القوتين وأمثالها ، فإذا أيها استخدامها فعليه تبعة نتائج هذه الإساءة ، ومن اراد الوسيلة فقد أراد الغاية. وإن نظرة معينة إلى الحياة وتوجيه القوى الداخلية وجهة غير صالحة ليؤديان آخر الأمر إلي نزاع لا يمكن تسويته إلا بالالتجاء إلي القوة .
( يتبع )
