الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

العلاقة، بين الجامعة والمجتمع، في، نيجيريا

Share

يعود تاريخ التعليم الجامعي في نجيريا الى عهد تأسيس الكلية الجامعية فى أبادان فى عام 1948. وقبل ذلك التاريخ، كان اهتمام سكان نيجيريا بالتعليم العالي عظيما، كما يظهر من ذلك العدد الكبير من النيجيريين الذين سافروا الى بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية ليتابعوا دراساتهم الجامعية هناك على حساب عائلاتهم أو بمنح حكومية في حالات قليلة بدأت عام 1940.

وبازدياد اتصال نيجيريا بأوروبا الغربية أصبحت فوائد التعليم العالى جلية لدى النيجيريين، فقد كان فى وسع شباب نيجيريا الحصول على وظائف جيدة فى الشركات وفى دوائر الحكومة ككتبة أو رؤساء كتبة بعد التخرج من المدارس الابتدائية أو الثانوية. وأما أولئك الذين يتسنى لهم التخرج من الجامعات وهم قلة فقد أصبح فى وسعهم التطلع الى التحصل على وظائف ودرجات عالية في سلك الخدمة العامة وهي وظائف كانت خلال وقت طويل مضى وقفا على "الاداريين" (الموظفين البريطانيين). وبنمو الروح القومية في نيجيريا ازداد الطلب على الشباب النيجيرى لاحتلال المناصب العليا فى الحكومة وقبل تأسيس الكلية الجامعية، جرت محاولة لمجابهة الوضع الجديد، وذلك بتأسيس مدرسة مهنية فوق المستوى الثانوى، ألقيت على عاتقها مهمة تدريب الاساتذة والاطباء والمهندسين المساحين للارض وغيرهم. وقد سميت هذه المدرسة باسم الكلية العليا "يابا" وهى سلف الكلية الجامعية الحالية. ولكن يابا لم تكن لتقطع بالشاب أكثر من نصف الطريق الى التعليم الجامعي. فخريجوها لم يكن يعترف بهم بأنهم مهندسون أو أطباء كاملون فى الخدمة العامة ولم يتمكنوا من التحصل على وظائف "الاوربيين" التى كان طلب النيجريين اليها فى ازدياد مستمر.

ووجه انتقاد مرير لكلية يابا، وبالفعل فأن البعض قد فسر تأسيسها بأنه محاولة هدفها ابعاد النيجيريين في وضع أدنى من وضع الاوروببين ولذلك بدأ النيجيريون يطلبون تعليما جامعيا كاملا. وهكذا كان الوضع في عام 1942 عند ما عين وزير المستعمرات البريطاني لجنة تحت رئاسة الكولونيل ولتر اليوت وعهد اليها بمهمة "رفع تقرير عن تنظيم ومرافق مراكز التعليم العالي القائمة فى افريقيا الغربية البريطانية ووضع توصيات حول تأسيس جامعة في تلك المنطقة فى المستقبل. وقد أدت توصيات لجنة اليوت الى تأسيس الكلية الجامعية فى أبادان وهى المؤسسة الجامعية الوحيدة فى نيجيريا فى الوقت الحاضر.

ومن البسطة الآنفة الذكر يتضح لنا أن الرأى السائد حول التعليم الجامعي فى نيجيريا هو أن يكون هذا التعليم ذا منفعة عملية. وهذا المفهوم النفعى للتعليم العالى هام نظرا لعلاقته بمسألة الحرية الاكاديمية ولمتطلبات المجتمع النيجيرى من الجامعة.

الحرية الاكاديمية:

قبل اتصال نيجيريا بأوروبا الغربية، لم يكن فى هذه البلاد روح علمية عريقة قوية. وكان هناك شعراء ومنشدون ولكنهم من القدماء. وأما أولئك الافراد الذين تعلموا التاريخ المحلى بفضل مساعيهم الخاصة فقد كان ينظر اليهم نظرة احترام خصوصا فى أوقات النزاع. ولكن لم يكن فى نيجيريا علماء كما كان يفهم من هذه الكلمة فى القرون الوسطى ممن كان همهم الوحيد نقل المعرفة وتوسيع آفاقها. والعالم الجامعى الحديث فى نيجيريا هو طراز جديد من الاشخاص في نيجيريا لا يتصل بصلة بأى شخص سبقه ولعب دورا تقليديا فى الماضى. ولذلك فان شرط ازدهار هذا الطراز من الرجال الا وهو الحرية الاكاديمية كان فكرة جديدة بالمرة. وعلى الرغم من هذا كله فان مبدأ الحرية الاكاديمية قد قبل فى نيجيريا، ليس كمبدأ قائم بحد ذاته، بل كجزء من التنظيم الجامعى.

وطلب النيجيريون جامعة لا تقل جودة عن أى جامعة أخرى توجد فى العالم وقالوا انه اذا كانت الحرية الاكاديمية عنصرا ضروريا لمثل هذه الجامعات فلتكن موجودة اذن في الجامعة النيجيرية أيضا. ولذلك فان حكومة الكلية الجامعية في أبادان قد ألفت على نموذج حكومات الجامعات البريطانية الاقليمية أى أنها تأسست من مجلس يتمتع بحكم ذاتي تتألف عضويته من علمانيين وأكاديميين ومن مجلس شيوخ مطلق الصلاحيات فيما يتعلق بالشؤون الاكاديمية. ومع أن مبدأ الحرية الاكاديمية كان قد اعترف به من قبل، الا أنه من المهم أن ندرك أنه كان عليه أن يبرر نفسه حسب المفهوم النيجيرى، وليس من السهل ضرب الحجة واقناع النيجيريين بأن الحرية الاكاديمية ضرورية لتدريب الايدى العاملة المهنية التى يتطلبها المجتمع النيجيرى. وعلى العكس، كما سنوضح فيما بعد فان هذا هو السبب نفسه الذى من أجله يجب على الحكومة أن توجه الجامعة التى لا تملك وسائل الادراك والتمييز الكامل وذلك للتأكد من أن الجامعة قائمة على سد حاجيات البلاد. وأما الحجج الدامغة المبررة للحرية الاكاديمية فهى وان كانت تنطبق على نيجيريا، الا أنها مستقاة من أوضاع أخرى لا توجد فى نيجيريا. ففي نيجيريا لا يوجد حتى هذه الاونة عالم بكل معنى الكلمة، كما أن فوائد اعطاء هذا العالم حرية لم تتضح بعد.

حقا، لقد قامت الكلية الجامعية في أبادان خلال السنين القليلة من حياتها بعمل جليل، ليس في ميدان سد متطلبات البلاد لايد عاملة مدربة فحسب بل وفى ميدان تشجيع الروح العلمية. وها هى نواتها من العلماء فى ازدياد. ولا

ريب أن تأثير هؤلاء العلماء على المجتمع والاحترام الذى سيفوزون به من شأنهما أن يرسخا مبدأ الحرية الاكاديمية في البلاد. ولكن في الآونة الحاضرة ما زال مبدأ الحرية الأكاديمية أراه زخرفة تعلق على نتاج أجنبي يصدر للخارج. واذا أردنا أن ندافع عن مبدأ الحرية الاكاديمية بنجاح فى وقت الازمات فمن الضرورى تركيزه وصبغه بالصبغة المحلية.

الجامعة والمجتمع:

ليس من الصعب فهم السبب الذى من أجله وجدت فكرة جعل التعليم فى نيجيريا نفعيا. فالبلاد تجد نفسها متأخرة كثيرا عن الامم الحديثة فى العالم.

ومن الواضح لزعمائها أن أسرع طريق لتطوير البلاد وجعلها عصرية والوصول بها الى مستويات الرقى الحالى فى العالم هو تدريب أكبر عدد ممكن من الشبان النيجيريين لوضع برامج التطور الضرورية وتنفيذها. ولذلك ليس من العجب أن نجد أن النيجيريين لا يتحملون أى تأخير أو أنهم يحكمون على نجاح الكلية الجامعية بمقياس عدد الطلاب الذين يتخرجون منها كل عام. ومن سوء الحظ أن لا تستطيع الكلية الجامعية من استيعاب الا عددا قليلا من الطلاب نظرا لارتفاع تكاليف بناء العمارات الجديدة ولحاجة الكلية الى المحافظة على المستويات التى تضعها لها جامعة لندن. ولكن الوضع آخذ فى التحسن بسرعة، ولربما وصل عدد الطلاب الى 1500 طالب فى عام 1960. ولكن لو حدث هذا التطور فان معظم المسؤولين عن شؤون البلاد يرون فى هذا التقدم مجرد نقطة ماء في بحر خصوصا اذا أخذنا بعين الاعتبار بأن كلية أبادان هي المؤسسة الجامعية الوحيدة فى البلاد. وهذه القلة فى عدد الخريجيين تجعل من السهل توجيه انتقاد للجامعة. وبما أن معظم أموال الكلية الجامعية تأتي من الحكومة، وبما أن عدد الطلاب لا يمكن زيادته ما لم تقدم الحكومة للمعهد أموال اضافية، فان بعض اللوم يقع على عاتق الحكومة. ولكن بعض الناس الذين يعيشون خارج نطاق الجامعة لا يشعرون دائما بأن البلاد تستفيد من المال الذى ينفق على الجامعة الى أقصى حد من الاستفادة.

وبالاضافة الى مسألة الطلاب، فثمة ناحية من نواحى تطور الجامعة، قد لفتت اليها أنظار العالم الجامعى ألا وهي توسيع نطاق الفصول الدراسية القائمة وادخال فصول جديدة. وقبل أن تنشأ الجامعة معهدا للتربية وكلية للاقتصاد كان هذا الموضوع مدار نقاش عام وهياج نسبى. وفي بلاد كنيجيريا تغلى بالمشاكل الاجتماعية لمجتمع غير متجانس، يستحسن أن يكون في جامعتنا فصول لدراسة العلوم الاجتماعية . وعلى كل فان الجامعة قد بدأت تظهر أنها أكثر احساسا بحاجات المجتمع النيجيرى مما كانت عليه في الماضي، على الرغم من أنها لا تزال عرضة للانتقاد من هذه الناحية.

ولربما نشأ خلاف بين الجامعة والمجتمع النيجيرى حول مشكلة زيادة عدد الطلاب وزيادة عدد الفصول الدراسية. أما الجامعة فليس لديها وسائل لتمويل هذه التطورات المطلوبة ولكن مع هذا كله فيجب أن تسبق البلاد بخطوة فى اعطاء اهتمام جدى لهذه المشاكل اذا أرادت أن لا تعرض الحرية الاكاديمية الى أخطار.

المشاكل الخاصة في نيجيريا: 1 - الفروق اللغوية والثقافية:

أ - المجتمع النيجيرى هو مجتمع غير متجانس مؤلف من عدة قبائل ومجموعات تتكلم كل واحدة منها بلغة محلية خاصة. وتشترك هذه الفئات أو المجموعات بشئ كثير من الناحية الثقافية ولكنها تختلف كثيرا بطرق حياتها وعلى الاخص بلغاتها مما يجعل صعبا خلق شعور بأنها تؤلف أمة واحدة. وهذه المصاعب تؤثر على الجامعة. وبما أنه لا توجد لغة مشتركة بنيجيرية فان التعليم فى الجامعة لا يمكن الا أن يكون باللغة الانقليزية كما أن اتصال الطلاب بعضهم ببعض يكون فى أغلب الاحيان باللغة الانقليزية. ومن ناحية اخرى فأنه على الرغم من وجود ارث غنى فى ثقافة كل فئة من فئات المجتمع النيجيرى، الا أن العناصر المشتركة لهذه الثقافات لم تجمع بشكل كان يجعلها في قالب تدرك مختلف الفئات أنه يؤلف أرثها المشترك. ولذلك فأن النشاط الثقافي في الجامعة كالادب والدراما والموسيقى والفنون فى معظمه أوروبى.

والنتيجة العامة لكل هذه العوامل هى أن تظهر الجامعة بمظهر المؤسسة الاجنبية أكثر مما هى عليه فعلا وتكون موضع انتقاد الوطنيين، وليس الذنب ذنبها.

2 - العلاقات بين الاجناس:

بما أن عدد النيجيريين المؤهلين للتعليم فى الجامعة هم قلة، فقد كان من الامور المحتومة أن يكون معظم أعضاء هيئة التدريس فى الجامعة من "المغتربين" (أي من غير النيجيريين). وهذا يعنى أن مجلس شيوخ الجامعة وأغلبيته الساحقة من المغتربين كان عليه أن يقوم بمهمتين ذات بال أولاهما تعيين الاساتذة والمحاضرين ووضع مناهج التطور الاكاديمي. وهذا جعل مجلس الشيوخ عرضة الى الاتهام بأنه لا يسعى الى درجة ضافية وراء خدمة مصالح النيجيريين لا في التعيينات الجديدة ولا في تخطيط التطور الاكاديمي. لقد قبلت الحكومات النيجيرية المتعاقبة مبدأ "نيجيرة " الوظائف العامة أى عدم تعيين شخص غير نيجيرى فى منصب الا اذا لم يوجد نيجيرى لشغل هذا المنصب. وتبنى مجلس الجامعة هذا المبدأ بعد ادخال تعديل طفيف عليه وهو: "عند التعينات فى المناصب الجامعية يجب اعطاء اعتبار خاص للنيجيريين الى الحد الممكن تشريكه أن

لا يؤثر ذلك فيخفض المستويات الاكاديمية. وبما أن مجلس شيوخ الجامعة هو الذي يشرف على تنفيذ هذه السياسة وبما أن أغلبيته من المغتربين الاجانب فثمة دائما شك بأن المجلس لا ينفذ السياسة هذه بأمانة. وفى بعض الاحيان تظلم بعض أعضاء هيئة التدريس من النيجيريين بأن ترقياتهم لم تكن سريعا لدرجة تتماشى مع مبدأ "نيجيرة " الوظائف العامة أو أن مجلس شيوخ الجامعة لا يضع تخطيط التطور الاكاديمى على الشكل الذى يرتضونه. وفى كلتا الحالتين، تبدى ميل لادخال ضغط سياسي خارجى. ومن الواضح أنه يجدر بالعلماء النيجيريين أنفسهم أن يقاوموا الميل لادخال السياسة فى ميدان العلم.

فاذا استخدم الضغط الخارجى ضد مجلس شيوخ من المغتربين فأن هذا سيمهد الطريق لاستخدام نفس النوع من الضغط ضد مجلس شيوخ نيجيرى وعندها تضيع الحرية الاكاديمية فى أول مراحل حياتها.

3 - جامعات أخرى:

هناك اقتراحات بانشاء جامعات أخرى فى نيجيريا ، ومن الواضح أن جامعة واحدة لا تكفى لبلاد واسعة كنيجيريا . وهذه الاقتراحات جاءت من أوساط الحكومة لان الحكومة وحدها تستطيع تمويل التعليم الجامعي في نيجيريا اليوم.

ولكن من المهم بالنسبة الى الحكومة وهى تضع الخطط لانشاء جامعات جديدة أن تمتنع عن فرض آرائها على هذه الجامعات فرضا والا فأن الحرية الاكاديمية تصاب بنكسات خطيرة لا تؤذى الجامعات الجديدة المقترحة بل تضر أيضا الجامعات الحالية. ومن بشائر الخير أن الحكومات المعنية تسعى الى التحصيل على آراء الخبراء الجامعيين من الخارج مما يجعلنا نرجح بأن الحرية الأكاديمية ستكون مضمونة.

الخلاصة:

وأخيرا فأن نيجيريا ستصبح دولة مستقلة فى عام 1960. ولا شك أن هذا الاستقلال سيأتى معه بمشاكله الخاصة. وخلال هذه الفترة ستدرس الهيئات المسؤولة فى نيجيريا أفكارا وآراء جديدة، فتقبل المفيدة منها وترفض الاخرى.

لقد أظهرت نيجيريا مقدرة على التكيف وطاقة في تقبل الافكار القيمة حتى ولو كانت أجنبية. وكما انه فى الميدان السياسي، قبلت نيجيريا الديموقراطية البرلمانية المزدهرة الآن فيها، فليس ثمة من سبب يحول دون أن تتعمق جذور الحرية الاكاديمية فى تربة نيجيريا، اذا تسنى لهذه الحرية رعاية وعناية ملائمتين %

اشترك في نشرتنا البريدية