الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 704الرجوع إلى "الرسالة"

العلاقة بين بغداد والقاهرة، في عهد الفواطم

Share

(تتمة لما نشر في العدد الماضي)

يظهر أن أثر المحضر الأول كان بالغاً، فالخليفة الفاطمي في مصر وقتذاك وهو الحاكم بأمر الله الذي كان قد أباح للسنيين  من أتباع مالك الحرية في تدريس مذهبهم؛ بل أنشأ مدرسة  لتدريس هذا المذهب وخاصة من الناحية الفقهية، فإنه لما سمع  بالطعن في نسبه في المحضر، ثارت ثائرته، وحظر ما كان قد أباحه.  ويقول أبو المحاسن أنه هان في أعين الناس لكتابة العلماء في  المحضر وإنه قامت قيامته. والظاهر أن ثورته كانت شديدة  حتى أنها تعدت إلى اليهود كما يذكر كردى ساسي في كتابه   (الخليفة  الحاكم بأمر الله ص٣٣) .

كذلك شهد هذا المحضر من أزر من يحقد على الفواطم،  فاتخذه كل عدو لهم سلاحا قويا ضدهم، فحاكم المدينة ومكة  أبو الفتوح (وكان حاكما من قبل الفواطم)  ألغى الخطبة له. هذان  المحضران ظهرا بلا شك كنتيجة لضعف البويهيين في هذه الفترة،  ومع سوء العلاقة فيها فإن التفاهم يكون ممكناً في بعض الأحيان  ما وجد البويهيون. فمثلا استمر التضامن بين أهل الكرخ  من الشيعيين في بغداد والفواطم في مصر في الاحتفال ببعض  أعياد الشيعة، ولكن حينما زال حكم البويهيين ساءت العلاقة  بمجيء السلاجقة، وذلك لأنهم كانوا سنيين كالخلفاء العباسيين  لا يعترفون بحق للفواطم بل هم أعداء لهم.

الفترة الثالثة :

وتبدأ من سنة ٤٤٧، وهي السنة التي دخل فيها طغرلبك  زعيم السلاجقة بغداد، ولذلك تعتبر بدء العهد السلجوقي.  في هذه الفترة تسوء العلاقة بين بغداد والقاهرة، لأن  السلاجقة على عكس البويهيين، وقفوا موقفاً عدائياً تاماً من

الدولة الفاطمية، وذلك لأنهم أولاً كانوا من أهل السنة  لا يعتقدون بشرعية الخلافة الفاطمية. وثانياً لأن الدولة  السلجوقية عملت على تقوية الخلافة العباسية فحفظت لها نفوذها  الروحي وكان مفقوداً في عهد البويهيين، ولذا كان طبيعيا أن  يظهر العداء بين الطرفين وأن يتحالف السلاجقة مع الخلفاء  العباسيين على الشيعيين الفواطم، فيجب أن نعتبر العلاقة في  هذه الفترة على أسوأ ما تكون بعكس ما كانت عليه في الفترة  الأولى حينما كان للبويهيين القوة، وحتى في الفترة الثانية كانت  العلاقة متوسطة، أما في هذه الفترة فقد أصبح العداء سافراً.  ولذلك سنجد كلا من الدولتين تعمل الواحدة منها على القضاء  على الأخرى، ولعل أبرز مظاهر هذه العلاقة السيئة ثورة  البساسيري، قام بها رجل يدعى أبو الحارث أرسلان البساسيري  من موالي الديلم ينسب إلى بلد في فارس اسمها بسا، وكان هذا  الرجل من أصل تركي قربه الخليفة القائم إليه، حتى لم يكن يأتي  أمراً إلا بعد استشارته، وقلده الأمور، وخطب له على المنابر في  العراق وخوزستان إلا انه كان شيعيا كالبويهيين لا يرى الخلافة  الحقة إلا في أولاد فاطمة، ورث هذا عن سيده بهاء الدين  البويهي فقد كان مملوكا له، وربما يمكننا أن نفسر بهذا السبب  انقلابه على الخليفة القائم وتجبره عليه حتى جفاه، وقد رأينا  من قبل كيف كان يفعل أسياده البويهيون بالخلفاء العباسيين،  وإن كان معظم المؤرخين يذهبون إلى أن سبب سوء العلاقة  راجعة إلى جفاءه حتى اضطر القائم إلى إبعاده، وأيد رئيس رؤسائه  في عداوته له وفسد الأمر بينه وبين الخليفة حتى أدى الأمر إلى  استنجاد القائم بالسلاجقة وما كاد طغرلبك يدخل بغداد حتى فر  البساسيري إلى الموصل.

وجدت الخلافة الفاطمية في هذه الحوادث فرصة سانحة  للانتقام والعمل على تقويض ملك العباسيين، كما أدركت الخطر من بروز السلاجقة من مواطنهم من تركستان، كقوة فتية على أبواب بغداد، ولذلك مشت الرسل بينها ومدته بيد المساعدة. وفي  أبي المحاسن نص يؤيد وصول هذه المساعدة (إن الذي وصل  البساسيري من المستنصر من المال خمسمائة ألف دينار، ومن  الثياب ما قيمته مثل ذلك، وخمسمائة فرس، وعشرة آلاف

قوس، ومن السيوف ألوف ومن الرماح والنشاب شيء كثير) .

من قيمة المساعدة يتبين مقدار حماس الفواطم، كما يفسر  قبول البساسيري لهذه المساعدة رغبته في الانتقام من أعدائه.  ولذلك لم يتردد في المسير إلى بغداد بعد أن مهد لذلك بإيقاع الفتنة  بين طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال، وكان قد أطمعه في الملك،  حتى خالف أخاه وعصاه على أية حال بالمساعدة القيمة التي قدمها  له الفواطم وبولاء أهل الكرخ الشيعيين في بغداد، وبمساعدة  حاكم الموصل تم له الاستيلاء على بغداد كلها وسارت جنوده في  شوارعها، حاملة الرايات المستنصرية، وعليها ألقاب المستنصر  صاحب مصر، ثم خلع الخليفة العباسي، وبايع الخليفة الفاطمي  المستنصر بالله وأرسل البردة والقضيب والمنبر إلى مصر. وقد فرح المستنصر بنجاح ثورة البساسيري فرحاً شديداً،  حتى أنه لما غنته إحدى القيان:

يا بني العباس صدوا          ملك الأمر معد

ملككم كان معاراً             والعوارى تسترد

وهبها هبة كبيرة. ويقول أبو المحاسن، وكان ما وقع  للمستنصر هذا تمام سعده، والحقيقة أن ما وقع  للمستنصر ما وقع  لفاطمي قبله.

ولكن كانت هناك حقيقة عظيمة لا تغيب عن الذهن هي  أن الدولة الفاطمية كانت قد بدأت بدورها تتدهور هي الأخرى،  ولذلك لم تتح لها مواردها السير في مشروعها ضد العباسيين إلى  النهاية. كما أن المستنصر خاف من البساسيري فكف عن متابعة  إمداده، فما عاد طغرلبك إلى بغداد حتى تمكن من قتل  البساسيري وفتك به، وأجلس القائم بأمر الله ثانية على عرش  أجداده، وأعاد للخلافة قوة لم تكن تحلم بها في عهد البويهيين  وإن كانت روحية أكثر منها مادية. والدولة السلجوقية دولة  فتية، ولذلك نجدها تقوم بفتوحات تمتد شرقا وغربا، فتشارك  الفواطم ملكهم في الشام، كما نجد أن اتابكة الشام السلاجقة  يتدخلون في سياسة مصر وبخاصة أتابكة الدولة الزنكية،  وينتهي الأمر باستيلاء صلاح الدين على مصر فيما بعد.

كذلك كانت هناك حركة ثانية حديثة في عهد السلاجقة،  وتبين نوعاً من العلاقة بين الفواطم والعباسيين، وإن كانت  علاقة غير مباشرة. وهي حركة سرية تعتبر من أقوى ما عرف

من الحركات في العالم. هذه الحركة هي حركة الحسن الصباح المشهور بالحميري. حدثت حركته في أواخر القرن الخامس الهجري، وكان هذا الرجل من زملاء نظام الملك الوزير المشهور (في المدرسة) وعمر الخيام الشاعر والفلكي الذائع الصيت. .  وكان يأمل أن يصل إلى الحكم كزميله نظام الملك مثلا ولكنه فشل في غرضه، فذهب إلى بلاط القاهرة، فتشبع بروح القاهرة  الديني وأكرمه المستنصر كما يقول ابن الأثير وأعطاه مالا وأمره  أن يدعو الناس إلى إمامته. وعلى ذلك ذهب من مصر إلى آسيا  فاستولى على قلعة الموت، وكون جماعة عرفت في أيام الصليبيين  باسم الحشاشين، ومنها أخذت الكلمة الفرنسية Assassin   بمعنى قاتل سفاك، وكانت هذه تقاتل بالسيف والخناجر فأوجدت  حالة من الفوضى في الخلافة العباسية فأضعفتها، واستولى على  أجزاء منها، وكان يدعو في هذه الأجزاء للإمام الفاطمي، وإن  كان في آخر أيامه دعي لنفسه وادعى أن نسب المستنصر باطل،  وتسمى بالإمام، كذلك تغالى في دعوته كما هو مذكور في كتاب  الشهرستاني فاختلف عن الدعوة الفاطمية.

المهم في هذه الحركة أنها لاقت تأييداً من الخليفة المستنصر  وكانت الفوضى التي أثارتها سبباً دعا إلى سقوط الدولة العباسية  فيما بعد بحيث أنهكت قواها الفتن والقلاقل وأضعفتها فلما جاء  المغولي هولاكو، وجدها لقمة مستساغة.

فالعلاقة في هذه الحركة لم تكن مباشرة بين بغداد والقاهرة  كما كانت في عهد البساسيري، تلك هي العلاقة بين بغداد  والقاهرة في عهد الفواطم مرت بمراحل ثلاث كما ذكرت كانت   فى أولاها على أحسن ما تكون العلاقات وتدرجت في السوء  حتى وصلت إلى العداء الصريح في الفترة الأخيرة، تدرجا يتبع  مدى تشيع أصحاب الأمر والنهي في بغداد للعقيدة الشيعية التي  منها الفواطم.

وسينتهي الأمر بتحكم السلاجقة الشاميين وخاصة أتابكة  الدولة الزنكية في شئون مصر الداخلية، ويظهر صلاح الدين  الأيوبي الذي يكون على يديه القضاء على الدولة الفاطمية في مصر  وتكون الدولة الأيوبية. فنجد أنفسنا بازاء علاقة أخرى هي  علاقة الشام بمصر، ولذلك نتركها لفرصة أخرى.

اشترك في نشرتنا البريدية