في كل يوم تطلع علينا من آيات العلم معجزات . ومن آن لأخر يهتز العالم بأنباء كشف علمى جديد ، ولكل واحد من هذه الكشوف ولكل واحدة من تلك المعجزات آثار عميقة بعيدة المدي في حياة البشر وسعادتهم ومستقبلهم ومصيرهم . وكل منها يصح أن يكون مصدرا للخير أو الشر على السواء ، مؤديا إما لسعادة بني ادم ورفاهيتهم ومتاعهم وإما لشقائهم وبلائهم ونكبتهم فكم من كشوف شفت المرضى وخففت آلام الإنسانية وزادت سكان الأرض نعيما ومتعة ، وإلى جانبها كشوف صبت عليهم المصائب والأهوال وأذاقتهم العذاب أصنافا وألوانا .
كل ذلك ينهض دليلا على أن رجال العلم كانوا ولا يزالون على حق عندما طالبوا او يطالبون بأن يكون لهم رأي مسمع لا في المسائل العلمية البحتة وحدها ، بل كذلك في جميع شئون الحياة وأمور السياسة واساليب الحكم وتنظيم المجتمع وبنائه من جديد على اسس امتن وأقوم وأبقى على الدهر وعلى تطور المدنية . كل هذه الشئون العالمية الإنسانية الاجتماعية قد اشرنا إليها من قبل في مقالات سابقة .
فالأمم تتنافس في التقدم العلمي ، ورجال العلم في كل أمة يطالبون بحقوقهم ويتطلعون لتزعم الحركات الاجتماعية التجديدية ولفرض ارائهم بقوة الحجة والبرهان ، وإلى جانب هذا النشاط القوي الداوي تجد امما عاطلة او شبه عاطلة من الإنتاج العلمي قائمة بأن تكون عالة على غيرها من الأمم التي تساهم في هذا الإنتاج وفي ذلك التقدم المستمر . فهذه الأمم العاطلة التي لا تعنى بتربية طائفة قديرة ممتازة من الباحثين العلميين في شتى النواحي العلمية وفي مختلف مرافق الحياة ، ولا برعاية من يوجد من أبنائها من هذه الطائفة ، ولا تقدر اهمية عمله ، امة هذا
حالها يجب أن تخجل من نفسها ، وأن تشعر بأنها إلي الموت أقرب منها إلى الحياة مهما توافر لها من المظاهر الخارجية السطحية التي تنم عن الحياة .
نقول هذا بمناسبة ما نقرؤه من أن لآخر في الصحف والمجلات عن الا كتشافات والمخترعات التي تغير وجه الأرض ومجري الحياة . ونحن في مصر لا نقدر ناحية البحث العلمي واهميته مع انه هو الذي يؤدي إلى هذه المخترعات وتلك الا كنشافات ، ولا نكاد نخطو خطوة عملية جريئة في سبيل خلق رجال البحث وتوفير اسبابه لهم ورصد الأموال اللازمة لما يتطلبه هذا البحث من إعداد فني وأجهزة دقيقة وتجربة متواصلة واسعة النطاق مع ان هذه كلها تتوافر في البلاد الراقية في كل مرفق من مرافق الحياة وكل ناحية من نواحي العلم ، ولا يقتصر توفيرها على الحكومات وحدها ، بل تشترك فيها كذلك الهيئات والأفراد .
فأصحاب المصانع ورجال شركات الإنتاج من اي نوع يعلمون ان البحث العلمي هو قوام نجاحهم ووسيلتهم الوحيدة التي تكفل لهم دوام التقدم والتحسين المستمر في منتجاتهم حتى يكون سوقها على الدوام رائجا وحتي تصمد للمنافسة القوية وحتى تظفر برضاء جمهور المستهلكين وإقبالهم .
هذا من ناحية الإنتاج الصناعي التجاري . أما ناحية البحث العلمي الصرف الذي لا تكون له اوجه تطبيق عملي ظاهرة ، وإنما يتابعه الباحثون من أجل الرغبة البحتة في تقدم العلم ومتابعة الكشف وفتح مغاليق الطبيعة والكشف عن قوانينها التى خفيت ، وخواصها التي لا تزال غير معلومة لبني الأنسان - فهذه يقوم على تموينها عادة الحكومات وكبار الأغنياء الذين رفع الله عن بصيرتهم الغشاوة ونفذوا بثاقب فكرهم وبعد نظرهم إلي أهمية تلك البحوث ، فتطوعوا لرصد الأموال الطائلة عليها والتبرع لها باستمرار .
قد يعترض معترض بأن الحكومة أدت واجبها عندنا بإنشاء جامعة اردفتها بأخرى ، وهي تعد العدة لإنشاء ثالثة إن واتاها الحظ وتهيأت لها الأسباب . لكن الحكومة ورجال الجامعات إلي الآن يهتمون بناحية التعليم أكثر من اهتمامهم بناحية البحث ، مع ان التعليم وحده ما كان يستدعي إنشاء الجامعات ، وقد كانت تقوم به المدارس العالية التي لا تتكلف عشر معشار ما تتكلفه الجامعات ، وكانت تؤديه على وجه مرضي ، ولكننا نعلم ان الوظيفة الاولى للجامعات هي البحث العلمي والإنتاج المبتكر الذي يضيف إلي ذخيرة العلوم إضافات قيمة تعتز بها الامة فيدرك غيرها من الامم انها تساهم في تسيير القافلة وتساير النهضة فتتعاون مع غيرها بدلا من أن تكون عالة على هذا الغير كما قدمنا .
وكل مصري يتطلع بالطبع إلي أن تقدم الجامعات المصرية نتائج قيمة من هذا النوع الذي رفع رأس مصر عاليا . والحق أن جميع السلطات لا تضن على الجامعات مما تطلب من مال ومعونة . ومن ثم كان على الجامعات أن تعير هذه المسألة عناية أكثر حتى تنتج إنتاجا مشرفا سريعا . كما ان على الحكومة ان تمضي في مشروع إنشاء هيئة خاصة للبحث العلمي ورعايته يكون نواة لتنظيم الجهود الخاصة والعامة في هذا السبيل
ولئن صعب علينا أن نساهم قريبا في اختراعات عظيمة الشأن كالقنبلة الذرية فلا شك في أنه لا يصعب علينا إن تهيأت الأسباب ان نساهم في اختراعات تؤدي إلي مثل البنسلين وغيره من الكشوف المتصلة بالطب والكيمياء وغيرها من المواد العلمية الأخرى التى لا نتصفح مجلة علمية إلا ونجد فيها وصفا جديدا لكشف حديث فيها . وإلى القارئ نبذة صغيرة على سبيل المثال فقط قرأناها في مجلة " الكشف " الانجليزية في عدد مايو سنة ١٩٤٥ عن البكتريا والدور الذي تلعبه بالنسبة للفيتامينات التى ثبتت أهميتها العظمى بالنسبة لحياة الانسان وتمتعه بالصحة والعافية .
ظلت دلائل البحث واتجاهاته سنوات طويلة تتراكم وكلها تشير إلى ضرورة مراجعة الرأي السائد ووجهة النظر القائمة بشأن العلاقة بين الفيتامينات والطعام ، وذلك أننا كنا حين نستعرض حاجة الانسان إلى مختلف أنواع الفيتامينات المعروفة نفترض دائما أن الجسم يحصل عليها جميعا عن طريق المصادر الخارجية اي من الطعام أو الحقن أو المستحضرات الطبية . وعلى هذا الفرض كنا نحكم بأن تحليل الغذاء اليومي بقصد معرفة محتوياته الفيتامينية يؤدي بنا إلى تقدير كامل لكل ما يناله الجسم من الفيتامينات . لكن البحوث الحديثة قد اثبتت خطأ هذا الاعتقاد وابانت أن لجميع الحيوانات بما فيها الانسان مصادر داخلية تمونها بمقادير من الفيتامينات لا يمكن إهمال شأنها أو الغض منها . فإذا ماتساءلنا عن هذا المصدر ، الذي لم يكن يتوقعه احد من قبل ، ما أساسه وما قوامه ؟ تبين لنا أن المتكفل به كائنات حية مكروسكوبية ، أهمها البكتريا ، تزخر بها الأمعاء ، وكثير منها له مقدرة على تركيب الفيتامينات .
وقد درست هذه المسألة بعناية لكن الدراسة لم تستكمل إلا فيما يتعلق بالفيتامينات التى من فصيلة ب . وتدل النتائج التى ادي إليها البحث على ان في استطاعة البكتريا في الظروف الملائمة ان تولد من فيتامينات ب هذه مقادير تكفي لضمان الصحة والعافية للشخص حتي ولو ظل الطعام الذي يقدم إليه اشهرا عديدة لا يحتوي من فيتامينات ب إلا علي مقادير تافهة يصح إهمالها .
وأول ما اكتشف هذا الدور الهام الذي تلعبه بكتريا الأمعاء ، كان في خلال تجارب اجريت على الحيوانات ، ولم تجر مثل هذه التجارب على الإنسان إلا في سنة ١٩٤٣ على يد عالمين أمريكيين تطوع لهم تسعة أشخاص ليجريا عليهم التجارب اللازمة ، فقصرا طعامهم على مواد مختارة روعي أن تكون كمية فيتامينات ب فيها قليلة إلى حد يمكن إهماله ، وأن تحتوى مع ذلك على مقادير كافية من جميع الفيتامينات الاخري المعروفة . فلما قضى المتطوعون التسعة
شهرا على هذه الحال ظهرت على اربعة منهم علامات واضحة على " البري ري " وهو المرض الذي ينشأ عن نقص فيتامينات ب في الجسم ، كما ظهر على الشخص الخامس أعراض طفيفة لهذا المرض . أما الأربعة الباقون فقد احتفظوا بصحتهم على اتمها . وعلى الرغم من خلو طعامهم كما قدمنا من فيتامينات ب فان هذه الفيتامينات ظلت تظهر في برازهم ، في حين انها لم تظهر قط في براز الأشخاص الأربعة الذين ظهر عليهم مرض البري بري .
وقد استدل العلماء من استمرار ظهور فيتامينات ب في براز الأولين على الرغم من مرور أسابيع على استئصالها من طعامهم اليومي على ضرورة وجود مصدر داخلي في أجسامهم يقوم بعملية تركيب الفيتامين وتقديمه لهم .
وهكذا استطاعت هذه الكشوف وما تلاها من اكتشافات جاءت على أثر الاستمرار في اجراء تجارب أكثرها في الفئران ، وقليل منها على الإنسان ، استطاعت ان تنقذنا من حيرتنا في تفسير مفارقات كالتي اشرنا إليها ، وهي عدم ظهور أعراض البلاجرا على من خلا طعامهم من الفيتامينات او كاد ، وظهور أثر فعال للبن في علاج امراض نقص بعض الفيتامينات على الرغم من انه لا يحتوي منها إلا على قدر ضئيل جدا ، فقد فسر ذلك على اساس ان اللبن ينشط ما في أمعاء الانسان من بكتربا لها قدرة على تركيب هذه الفيتامينات داخليا ، فتزداد فاعليتها وبالتالي انتاجها فيشفي المريض أو تتحسن حالته .
أما فيما يتعلق بعدد ما في الأمعاء من بكتريا تؤدي هذه الوظيفة واختلاف انواعها ، فان ذلك يتوقف على عدة عوامل ، كنوع الغذاء وسن الانسان وعاداته الشخصية . وقد يكون من أشق الأمور حساب مقدرة أى شخص على تركيب الفيتامينات اللازمة له ، فذلك من جهة يحتاج إلي تجارب طويلة معقدة ، ومن جهة أخري فإن حالة الإنسان دائبة التغير ، فعلى فرض اننا استطعنا الفوز بهذا
التقدير الآن فقد لا يظل صحيحا إلا لفترة قصيرة من الزمن تتغير الظروف بعدها فنضطر إلى إعادة التجربة وهكذا .
كل هذه قد تكون بحوثا بدائية لها نتائج محدودة ، ولكنها على أي حال على جانب عظيم من الاهمية وتفسح المجال لبحوث ادق منها وأوسع مدى في هذا الميدان العظيم ، وهو الفيتامينات وعلاقتها بحياة الإنسان وصحته .
فأين نحن من هذا كله ؟ أرجو الا يطول ركودنا من ناحية البحث العلمي والانتاج المبتكر فيه حتى نسير مع القافلة ونجاري الأمم الحية . والله الموفق .

