كانت العلاقة بين العلم والدين وما تزال من أهم المسائل التي تشغل الذهن البشري في كل عصر وقطر؛ وقد كان لها في تفكيرنا العربي نصيب وافر، ولابن رشد الفيلسوف في ذلك رسالة شهيرة.
على إنها اتخذت في العصر الحديث صورة نضال عنيف بين الدين والعلم على أثر الاكتشافات البيولوجية والطبية الحديثة التي قام بها علماء مثل داروين ولامارك في أصول الأنواع وغيرها. وأنكر بعض العلماء الأقطاب مثل باستور أن يكون بين العلم والدين اتصال أو اتفاق. ورأى مفكرون من الغلاة مثل الفيلسوف مكس نرداو أن العلم يهدم الدين؛ ولكن رأى كثير من العلماء أيضا أن لا تناقض بين العلم والدين، وان الوفاق بينهما ممكن غير مستحيل. وقد صدر أخيرا في هذا الموضوع كتاب خطير بقلم العلامة الدكتور جورج ريجار الأستاذ بجامعة لوزان عنوانه (دراسة بيولوجية وعلمية لمسائل الدين العظمى) Etude biologicpe et Scientifique des grands prblemes religieux والدكتور ريجار طبيب وعالم وبارع، وهذا ما يسبغ على بحثه قيمة خاصة.
وقد تناول في كتابه جميع المسائل الهامة التي تتعلق بهذا الموضوع الدقيق، مثل الجبر، والتحكيم الحر، والأخلاق البيولوجية، والمعاناة والألم والله والدين. ويلجأ المؤلف في عرضه لهذا الموضوعات الدقيقة إلى الوقائع المادية، ثم يستخلص منها النتائج الفلسفية والأخلاقية. ومما يلفت النظر أنه على رغم مادته العلمية الخالصة يبدو مؤمنا، وهو يحاول أن يدعم أيمانه بالأدلة العلمية والعقلية، ويقدم أدلته بصورة متزنة معقولة؛ وهو يعارض بشدة أولئك الذين يرون في العلم عدوا لدودا للدين. على أنه يرى من جهة أخرى أن التعاليم الدينية يجب أن تتطور وأن تساير العقل الوضعي حتى يمكن أن يفتح الطريق لقيام العقائد الروحية في صورة تلائم اتجاهات التفكير الحديث.
وعلى مثل الدكتور ريجار نشر العلامة الأثرى الدكتور فيجال أخيرا رسالة يدلل فيها على أن المباحث الأثرية والتاريخية في تراث مصر القديمة تقدم إلينا كثيرا من الأدلة والحوادث المادية التي تتفق تمام الاتفاق مع منطوق كثير من السير والتعاليم الدينية.

