من الفكاهات الساذجة التي أضحكتني كثيرا عندما سمعتها لأول مرة ، والتي لا تزال تضحكني حتى اليوم كلما ذكرتها ، أن رجلا ماجنا استوقف حوذيا وقال له :
- يا أسطى توديني لحد فين بكام ؟ !
وسر هذه الفكاهة أن السؤال فيها مبني كله على المجهول .
ومثال هذه الفكاهة في عالم الرياضة أن تقول ؛ إذا قام قطار سرعته غير معروفة من جهة غير معلومة وسار قاصدا إلى القاهرة ، فما عدد الساعات التي يقطع فيها هذه المسافة ؟ فإن هذه المسألة لا يمكن حلها . وليس ذلك بسبب صعوبتها وأنها معضلة رياضية ، ولكن لأن للمسائل الرياضية أسسا وحدودًا مرسومه ، فإذا نقص واحد من هذه الأسس استعصت المسألة على الحل . ومن القواعد المقررة أنه لكي نحكم على مستقبل جسم متحرك مثلا يجب أن نعلم مقدارا كافيا عن ظواهره ، كأن نحدد مكانه ونقدر سرعته ؛ فإذا عرفنا ذلك أمكننا أن نحكم على مواعيده المستقبلة.
وعلي هذا القياس إذا أراد الإنسان أن يدرس ( الذرة ) دراسة تمكنه من الحكم على احتمالاتها المستقبلة فإن عليه أن يقف أولا على تلك الآسس والحدود التي تعتبر عند الرياضيين بمثابة القاعدة التى يبنون عليها حلولهم .
وفي حالة ( الألكترون ) - وهو وحدة الكهرباء السالبة التي تدور حول نواة الذرة يرى العلم نفسه أمام حالة كحالة القطار الذي تحدثنا عنه الآن ؛ فإن البيانات اللازمة لرجل العلم كما يدرس هذا ( الألكترون ) هي أن يعرف مقدار وزنه وشحنته ، وأن يحيط علما بمركزه وسرعته . ولكن عذرا . .
فها نحن قد تهجمنا على البحث الذي ما قصدنا بهذه الكلمة إلا أن نبسطه ما أمكن التبسيط لكي نتفهمه معًا ، نحن وأمثالنا ممن لم تسبق لهم دراسات مفصلة في علوم الطبيعة .
فلنبدأ إذن من البداية . ولنرجع خطوة إلى الوراء .
ماهية الذرة وتكوينها :
وأول الكلام في هذا الموضوع الذي نعالجه ينبغي أن يكون تعريفا بالذرة ، ما هي ؟ ثم ما هو تكوينها ؟
والذرة شيء لم يكن يعرفه الأولون . وللكشف عن حقيقتها قصة طويلة بدأت عندما حاول علماء الإغريق في العصور الأولى أن يصنفوا الأشياء التي تحيط بهم ، فأرجعوها إلى أربعة عناصر أساسية ، وهي الماء والهواء والتراب والنار ثم قالوا إن كل ما على الأرض من مواد أخرى بعد ذلك لا يخرج عن أن يكون مركبا من مركبات هذه العناصر الأولية .
وجاء علماء العرب بعد علماء الإغريق فساروا على نهجهم زمانا . ولكنهم ما لبثوا أن أدركوا ما فيه من تلفيق وخلط ، وأخذوا يضعون نظريتهم التي هداهم إليها تفكيرهم في تصنيف المواد ؛ فقالوا إن جميع الأشياء مكونة من وحدة أساسية سموها ( الجوهر الفرد ) . وزعموا أن المواد إنما تختلف فيما بينها باختلاف عدد الوحدات التي تكون كل واحدة منها - فإذا كانت مادة النحاس مثلا تتكون من تجمع أربع وحدات من هذا ( الجوهر الفرد ) ، وكان الذهب يتكون من خمسة ، فإن الإنسان يستطيع أن يحول النحاس إلى ذهب إذا هو أفلح في إضافة وحدة خامسة إلى وحدات النحاس الأربعة . وعلى هذه النظرية راح علماء ( الكيمياء ) في تلك العصور يضيعون أعمارهم وأموالهم في محاولة تحويل بعض العناصر الخسيسة إلى عناصر
أخرى نفيسة عن طريق التسخين والتبريد ، والصهر والإذابة ، والنخل والغربلة ، وما إلى ذلك .
أما الآن فقد وصل العلم إلى معرفة اثنين وتسعين عنصرا يختلف كل واحد منها عن الآخر اختلافا تاما ، سواء من حيث تركيبه أو من حيث خواصه . وهذه المناصر قد يتداخل بعضها في بعض وتنشأ عن ذلك صور جديدة للمادة لانهاية لها .
ونحن إذا عمدنا إلى هذه العناصر فحللناها واحدا واحدا نجدها في النهاية تتكون من ( جزيئات ) صغيرة . . صغيرة جدا ؟ بل إن الواحد من هذه الجزيئات أصغر من أن تراه العيون ولو من وراء المجاهر . وهذا ( الجزيء ) الذي يقع في أساس تكوين كل مادة - هو الذرة .
وكان الرأي السائد حتى أواخر القرن التاسع عشر أن لكل عنصر نوعًا من الذرات لا يشترك مع نوع الذرات الذي يكون عنصرا آخر ؛ كما كان من المفروض عند علماء ذلك الآوان أن الذرة غير قابلة للتكسير أو التحطيم لأنها هي النهاية القصوى التي تنتهي إليها المادة .
أما الآن فاسمع ما انتهي إليه علماء اليوم من أمر هذه الذرة وتكوينها :
إنهم يقولون إن الذرة مادة تتكون من نواة ثقيلة تحيط بها أجسام كهربائية خفيفة جدا بالنسبة لوزن النواة ، وإن هذه الأجسام الكهربائية - الالكترونات أو الكهيربات كما يسمونها - تدور حول النواة في نظام شبيه بدوران الكواكب حول الشمس .
ولكن ليس معنى ذلك أن الذرة - كالخلية - جسم محدود يقع داخل جدران تجعل له حيزا معلوما كلا؛ فإنها كما يصفها بعض العلماء فضاء خلاء تتوسطه نواة لو كبرت مليون مليون مرة لكانت في حجم الحمصة . وليست النواة ذاتها جسما محدودا كالحمصة الصغيرة ، ولكنها هي مركز القوة الكهربائية التى يمتد سلطانها على الفراغ المحيط بها
في هيكل الذرة . والذي نقصده حين نتكلم عن حجم نواة الذرة أننا إذا اقتربنا إليها من الخارج وبلغنا الحد الذي يقوم مقام الجدار فإن قوة المركز الكهربائي تعظم فجأة ، فنعلم عند ذاك أننا دخلنا حرم النواة . وحول هذه النواة يتجمع حشد من الكهيربات يتحرك في أفلاك بعضها قريب من النواة وبعضها بعيد ويتوقف عدد الكهيربات وترتيبها على نوع الذرة . ويصل مصدر الكهيربات في أثقل الذرات إلى حوالى تسعين . وتحتل الكهربات حول النواة فراغا لو كبر هو الآخر مليون مليون مرة لكان قطره نحو مائة ياردة . وتطوف الكهيربات حول النواة كأنها جماعة من الحراس تتوسطهم خزانة ثمينة . وإذا التقت ذرتان في تصادم مادي ترتد كل واحدة منهما بمجرد تلامس منطقتي الحراسة فيهما . أما إذا اقتحم حرم الذرة كهيرب سريع شارد فإنه يشق طريقه وسط الحراس ، وقد يصيب النواة أو لا يصيبها .
والخلاصة أن الذرة رقعة من الفضاء تتخللها مراكز كهربائية ، من بينها مركز قوي جدا في الوسط هو النواة ، ثم تحيط بالنواة مراكز أخري ضعيفة نسبيا وهي ذات شحنات كهربائية سالبة ، وهذه هي الألكترونات أو الكهيربات.
وقد أراد بعضهم أن يمثل لتكوين الذرة فقال : إذا تصورنا قطعة ثقيلة من الرخام موضوعة على الأرض يحيط بها طوق من بعده طوق أوسع منه ، ومن بعد هذا الطوق الثاني طوق ثالث أوسع من الاثنين كنا أمام صورة تشبه صورة الذرة ، باعتبار أن قطعة الرخام تمثل النواة وأن الأطواق كمثل مدارات الكهيربات . وأراد آخر أن يقرب حجم الذرة إلى الذهن فقال : لو نظرنا إلى حبة من العدس لكان حجم الذرة بالقياس إليها كحجم هذه الحبة نفسها بالقياس إلى الكرة الأرضية كلها !
النواة والألكترونات :
وإذا كنا قد فرغنا الآن من تكوين فكرة عن ماهية الذرة وعن حجمها فلنرجع إلى جزيئاتها : ( النواة ) و( الكهيربات أو الألكترونات ) لنقدمها هي الأخرى إلى من يقرأ هذه الكلمات لنعرفه بها ونقص عليه قصتها. يقول الأستاذ أندريد - من أشهر علماء الطبيعة الحديثين - إنه من الممكن تشبيه نواة الذرة بنواة البرقوقة . ولكن التشبيه في هذه الحالة لا يكون من الدقة بمكان ، لأن نواة البرقوقة يبلغ قطرها نصف قطر البرقوقة أو ثلثه أو ربعه ، في حين أن نواة الذرة لا يزيد قطرها عن نحو جزء من عشرة آلاف جزء من قطر الذرة . ولك أن تتصور أنت أي حجم هذا الذي تشغله نواة الذرة إذا كانت الذرة نفسها صاحبة العشرة آلاف جزء - لا يمكن للعين أن تراها إلا إذا تكدست منها البلايين ! ولكن لا تنس قط أن هذه النواة هي التي تحطمت فوق رأس ( هيروشيما ) فأحرقتها ، وأن نواة أخرى انكسرت في سماء ( ناجازاكي ) فنسفتها وجعلت رقعتها غير صالحة للحياة لمدة ثلاث أرباع قرن كما يقولون !
على أننا ننشر دائمًا في بحثنا هذا ، ونستبق الكلام نحرك به لساننا لنعجل به ، فلنعد مرة أخرى إلى ما كنا فيه ...
عرفنا بالتقريب حجم الذرة وحجم نواتها . فلنتكلم الآن عن مادة هذه النواة : ما هي وما صفاتها ؟
يقولون إن النواة مركز لقوة كهربائية موجبة يتوقف وزنها وشحنتها على نوع العنصر الذي تكونه فهي خفيفة في الغازات وثقيلة في المعادن ، وشحنتها تزيد تبعا لوزنها . فالنواة الثقيلة شحنتها الكهربائية عظيمة جدا ، والنواة الخفيفة شحنتها أقل من ذلك .
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى حقيقة لعلها ليست آخر الغرائب في تكوين الذرة . فإن هذه النواة التي وصفنا حجمها فيما سبق ليست هي النهاية الأخيرة في تركيب المادة ،
وليست هي ( الجوهر الفرد ) الذي جاء ذكره على لسان العرب ، لأنها هي الآخرى مكونة من جزيئات أقل منها حجما بطبيعة الحال . وهذه الجزيئات نوعان : أحدهما يسمونه ( بروتونات ) ، والثاني كهيربات .
والنواة في أثقل الذرات - كذرات الراديوم مثلا - لها بنية معقدة جدا ، فإنها تحتوي على مقدار كبير جدا من هذه البروتونات والكهيربات . . اسمع لهم وهم يحدثوننا عن ذلك . إنهم يقولون إنهم أحصوا ما في نواة ذرة الراديوم من بروتونات فكان عددها ٢٢٦ ( ولاحظ أنهم لم يقولون من باب التسامح والتقريب مثلا إنها ٢٢٥ ) وأنهم عدوا ما فيها من كهيربات فكان عددها ١٣٨ ( لا ١٤٠ مثلا ! ) . ومثل هذا الحشد العظيم في نواة واحدة من شأنه ألا يترك النواة في حالة استقرار . ولذلك يحدث كثيرا أن ينفلت جزيء من هذه الجزيئات فينتثر عن النواة انتثارا . وتتكرر هذه العملية ويتتابع طيران هذه الجزيئات ، وعند ذلك يقول الناس عن المادة التي هذا شأنها إنها مادة ذات ( نشاط إشعاعي ) . فأشعة الراد يوم التي تنبعث من مادته بطريقة تلقائية نجد تفسيرها العلمي في هذه الكلمات . وهذه هي غاية العلم في هذا الميدان . أما أن يتدخل العلم بعد ذلك فيحاول مع المادة المشعة أن يجعلها غير مشعة أو يتدخل مع غير ذات الإشعاع ليكسبها خاصية الإشعاع فهذا ما لاقبل للعلم البشري ببلوغه . يقول الأستاذ أندريد ( ١ ) :
" لابد لنا من انتظار الذرات حتى تتهدم من تلقاء نفسها ، فلا شئ مما نستطيع تسليطه على عنصر شعاع يمكن أن يوقفه عن شعاعيته ، ولا شئ يمكن أن يجعل شعاعا ما ليس بشعاع . إننا نشهد الظاهرة ، ولا نستطيع لها إيجادًا أو تعديلًا ! " .
وبحسبنا الآن ما عرفناه عن نواة الذرة لنقول كلمة أو كلمتين عن باقي أجزائها ، وهي الألكترونات .
وأول ما نود أن نلفت إليه النظر في موضوع الالكترونات أنها تختلف عددا من ذرة إلى أخرى . فمن المواد ما تتكون ذراته من نواة حولها ألكترون واحد كالأيدروجين - وهذه هي أخف الذرات جميعًا لأن نواتها تحمل أصغر الشحن الكهربائية ، ومنها ما تتكون ذراته من نواة حولها ألكترونان كالهيليوم ؛ ومنها ما يكون له حول نواته ثلاثة ألكترونات ، وهكذا . وكنا قد ذكرنا أن هذه الالكترونات تدور حول النواة في نظام يشبه دوران الكواكب حول الشمس ، وقد آن الأوان لأن نصحح ما في هذه العبارة من خطأ لنجعلها اكثر انطباقا على الواقع ، فإن السيارات تدور حول الشمس في مدارات تقع كلها في مستوى واحد على وجه التقريب ، في حين أن الألكترونات تدور حول النواة في مستويات مختلفة متعددة الاتجاهات .
ولعلنا لم ننس بعد أن النواة في كل ذرة تحمل شحنة كهربائية موجبة ، وأن قوة هذه الشحنات تختلف من نواة ذرة إلى نواة ذرة أخرى . أما الألكترونات فإنها تحمل شحنات كهربائية سالبة ، ثم إنها متساوية الأوزان ؛ ولا خلاف بن الألكترون في ذرة معينة والألكترون في ذرة أخرى إلا من حيث العدد كما بيننا .
ولما كان نوع الذرة يتوقف على تكوين نواتها وعدد ما فيها من بروتونات وكهيربات ، فقد حاول العلماء أخيرا أن يغيروا من تكوين الذرة . وذلك بضرب نواتها بوابل من جسيمات مكهربة ، فكانت النتيجة أن تطايرت بعض بروتوناتها ، وتحولت الذرة بذلك من نوع إلى نوع آخر . وتحقق آخر الزمان ذلك الحلم الأول القديم - حلم تناسخ العناصر أو تحويل بعضها إلى بعض . كما ثبت من هذه
التجارب أن الذرات لا تستعصى على الكسر ، وأنها ليست كائنات متميزة تبقي على حالها أبد الدهر . ولاشك أن الفطرة قد تصرفت كثيرا في بناء الذرات التي نعرفها الآن في صورها الحديثة ، وأنها لا تزال تتصرف في كثير منها - لا على سطح الأرض ، ولكن في أجرام النجوم حيث لا تزال عمليات التناسخ والهدم والبناء جارية على قدم وساق تحت تأثير الضغوط الهائلة والحرارة الشديدة التي تتأجج نارها في جوف تلك النجوم .
والآن وقد ألممنا هذه الإلمامة السطحية بمعنى الذرة ، وبطريقة تكوينها ، وبما تشتمل عليه من قوى كهربائية بعضها موجب ، وبعضها سالب ، وبما قد يطرأ على هذه القوى من تحلل وتناثر ، ومما قد يترتب على هذه العمليات من تفتت أو تناسخ ، نود أن نلفت النظر إلي حقيقة أخري قررتها نظرية النسبية : وهي أن المادة والطاقة اسمين لشئ واحد . وأن وزن الذرة وهو ناشئ من وزن النواة ذات الكتلة التي يمكن أن ينسب لها أي وزن ، إنما ينشأ من تجمع شحنة كهربائية عظيمة في حيز ضيق جدا ، وانه إذا تفتقت هذه الشحنة ، وتخلت عن الطاقة الكامنة فيها فإن وزنها يتلاشى . ومعنى ذلك أن النواة وهي ( مادة ) الذرة قد تتحول إلى ( طاقة ) إذا انطلقت شحنتها فلا يبقى منها شئ مادي .
والخلاصة من كل ما سبق أن كل الأجسام وكل الطاقات إنما هي مسميات مختلفة لشئ واحد يظهر أمام أعيننا في مظاهر مختلفة . وينحصر علم البشر كله في دراسة هذه المسميات وظواهرها ، ثم يقف مكتوفا دون فهم حقيقة كنهها أو إدراك علل خواصها .
فالذرة ظاهرة من ظواهر قوة عجيبة هي قوة الكهرباء وها نحنن كشفنا مادة الذرة ووزناها ، وقسناها ، وحللناها ،
وعرفنا موجبها وسالبها ، وعالجنا كهاربها الخارجية ، ففصلناها عن أمها ونثرناها ، ثم اتجهنا إلى النواة نفسها فكسرناها وحطمناها . ولكنا وفقنا بعد ذلك أمام قوة الكهرباء نفسها - تلك القوة التي هي روح هذا الوجود - وقفنا أمامها نتأملها بأفواه مفتوحة ، وعيون شاردة ، لا نستطيع أن نعرف ما سرها وما كنهها ...
ويا ليت العلم البشري وقف بنا عند هذه الأسرار وحدها ، ونجح في فهم ظواهرها كلها ، فإنه أثبت عجزه حتى عن فهم تلك الظواهر .
ولقد قلنا الآن ما فيه الكفاية عن الذرة وتكوينها فلنعد إلى ما كنا بدأنا به هذه الكلمة ، حين لاحظنا أن العلم لا يمكن أن يخضع ( الألكترون ) ويدعي أنه درسه فأكمل دراسته إلا إذا عرف وزنه وشحنته ومركزه وسرعته . وقد نجحت التجارب التي أجريت للوصول إلى معرفة وزنه وشحنته فقدرها العلماء تقديرا جاء غاية في الإحكام ، وبقى بعد ذلك البحث في أمر مركزه وسرعته . وهنا وجد علماء الطبيعة أن آلاتهم لا تمكنهم من قياسهما معا في نفس الوقت ، وذلك لأنهم كلما أتقنوا قياس أحدهما ضل عنهم الآخر ؛ مثلهم في ذلك مثل من ينظر في منظار مكبر له عدستان ولواب لضبط المشاهد وتوضيحها ، فأنه كلما جعل إحدى عينيه أكثر تمكنا قل وضوح الجسم أمام العين الآخرى.
ولقد ظن علماء الطبيعة في أول الأمر أن العجز في ملكاتهم وفي أجهزتهم فمضوا يحسنونها وينقحونها وكادوا يستنفدون أموالهم وأعمارهم في السعى وراء هذا السراب ، لولا أن كان أحد علماء الرياضة يدرس هذه الظواهر أخيرًا بمعادلاته فوجد أن حاصل ضرب مقدار الخطأ الناشئ عن قياس الأبعاد في مقدار الخطأ الناشئ عن قياس السرعة أكبر من عدد ثابت دائمًا . وهذا معناه عندهم أنه كلما قل الخطأ في إحدي العمليتين زاد في الأخرى .
وكانت النتيجة العملية لهذا الكشف أن أوقف علماء الطبيعة محاولاتهم في شحذ حواسهم وتحسين آلاتهم لتلافي الخطأ في مشاهدة هذه الظواهر الأساسية للألكترون ، وأدركوا أنهم ارتطموا بالصخرة التي لا حيلة لهم في التغلب عليها ، وأن منطقهم الرياضي بلغ الغاية التي لا يستطيع أن يتجاوزها إلى ما بعدها .
فإذا كان العلم قد ارتطم بما أوقفه عند حده ، وهو ما يزال يبحث في سر الألكترون ، فمعنى ذلك أنه ارتطم بأول سر من أسرار الخليقة . فنحن الآن نعرف الألكترون ، ونعرف مكانته من الذرة ، ونستطيع أن نعرف قصر المرحلة التي وقف العلم عاجزا على بابها .
وسبحان عالم الغيب ، الذي لا يظهر على غيبه أحدا .

