الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 334الرجوع إلى "الثقافة"

العلم والفلم

Share

ينتهز العلماء كل فرصة تسنح لهم لدراسة جديدة يكسبون بها للعلم خطوات إلي الأمام ، ويفتحون بها آفاقا جديدة للبحث والدرس والتجريب . ومن اظرف ما عثرنا عليه في هذا الصدد ما ورد في مجلة Endcayour الإنجليزية بمناسبة فلم حديث طريف اخذ في احد مستشفيات لندن ، فسجل فتحا جديدا في استخدام الفن السنماتغرافي لتحقيق بعض الأهداف العلمية ، والاستجابة لطالب العلم واحتياجاته فهو يسجل لأول مرة في التاريخ حركات اللسان عند الإنسان في اثناء الكلام بواسطة الكمرا ، ومن ثم كان الفلم على جانب عظيم من الأهمية لا لمجرد ما فيه من ناحية علمية شائقة ، بل كذلك لما فيه من معاونة مباشرة في امور علاج النطق ، وقد لقي ترحيبا بنوع خاص من دوائر أسلحة الطيران كوسيلة لعلاج الطيارين الذين تلحقهم إصابات في الوجه ، وتقتضى محاولة إعادتهم لحالتهم الطبيعية تعليمهم النطق من جديد تقريبا .

وضع هذا الفلم على أثر عملية جراحية اجريت لمصاب في وجهه واستلزمت قطع جزء من خده كشف عن اللسان للعيان ، واظهر حركاته داخل الفم ، فسرعان ما اتجهت أفكار الباحثين إلى انتهاز هذه الفرصة النادرة ، واخذ فلم أو شريط سينمائي لحركات لسان هذا الرجل ، وهو ينطق بجميع المقاطع والحروف على اختلاف انواعها ، وقد أعدت لهذا الغرض مجموعة وافية من الكلمات والجمل والعبارات التي تستوعب معظم ما في اللغة الإنجليزية من أصوات ومخارج ، قام على إعدادها نفر من الإخصائيين النابهين ، فجاءت آية في الإحكام وحسن الاختيار

ولم يكتف العلماء والفنانون الذين قاموا على إخراج الفلم بتسجيل الحركات وحدها ، وإنما  سجلوا الاصوات

أيضا ، أي أنهم أخذوا فلما ناطقا حتى يتيسر جعل تحليل حركات اللسان مصحوبا بتحليل الأصوات ذاتها . ومعلوم أن في الاستطاعة عرض الفلم بطريقة بطيئة يكون فيها إبراز وإظهار لتحصيل الحركات ، ومثل هذا يشاهد على الشاشة أحيانا في تحليل حركات الملاكمين والسباحين ، والحصان وراكبه إذا تعثر الحصان وسقط الراكب ، وغير ذلك من المناظر الطريفة الممتعة .

ولما كان اللسان هو العامل الأساسي في إحداث الفروق الصوتية التي تميز الأصوات الدقيقة بعضها عن بعض ، فإن دراسة حركاته أثناء الكلام لا غني عنها لمن يريد أن يفهم الأداة الحركية للكلام فهما تاما ، ولقد كان للحقائق التي كشف عنها هذا الفلم صدي كبير ، وأثارت اهتماما عظيما عند كافة العلماء ، إذ غيرت من المعتقدات القديمة التقليدية عن مواضع اللسان عند النطق بمختلف الحركات . وقد بين الفلم أن الشكل العام الذي يتشكل به اللسان وحركاته جملة واحدة بالنسبة لفجوة الفم ، هي التي تتحكم في نوع الصوت الذي يخرج . وقد كانت هناك سلسلة من الأصوات المتشابهة حسب العلماء أنها تنشأ عن خفض طرف مقدمة اللسان ، ولكنه تبين من الفلم أن إخراج مختلف أصوات هذه السلسلة يتم عن طريق رفع اللسان عند وسطه ) أي جعله على صورة سنام بارز ( ، وكم من مقاطع متشابهة كان يظن أنها تنتج عن حركات للسان متشابهة أيضا ، قد تبين أن بعضها يقتضي إحداث حركة ضئيلة لطرف اللسان ، بينما تحتاج شبيهاتها إلي حركات كبيرة للسان كله .

ولا يزال كثير من المثقفين ينظرون إلي الفلم باعتبار انه وسيلة من وسائل الترفية والتسلية ، ولذلك ينتظرون أن تكون الأفلام المعتمدة مما لا يحتاج في تتبعه إلي مجهود عقلي محسوس ، ومن ثم لا يترك اثرا يذكر عند مشاهده

ولا شك في أن نزعة كهذه إن صحت تعتبر عيبا من عيوب الثقافة الحديثة ، من واجب العلم أن يعمل على تلافيه ومعالجة الحال بمجهود إيجابى على أنه من المشكوك فيه ان هذه النزعة تمثل الواقع الغالب علي الناس ، فان نسبة وإن لم تكن كبيرة من رواد السينما ترحب الآن على ما يبدو بالأفلام التي تمد مشاهديها بالمعلومات النافعة ، كما أن المستنبرين من أصحاب السينمات أنفسهم قد أصبحوا يدركون أن هناك حاجة تدعو إلي تضمين برامج العرض عندهم نسبة ما من الأفلام التي يستجيب لها الفهم والذكاء ، بدلا من الأفلام التي تغزو العواطف وتستجيب لها المشاعر . وإن النجاح الذي صادفه كثير من الأفلام التي تمثل الحقائق والوقائع الصحيحة ، والحوادث التاريخية ، لدليل لاشك فيه على أن الأفلام التعليمية التي تمد مشاهديها بالمعلومات النافعة يصح بل يجب أن يكون لها وجود ، وان تحتل مكانا هاما في جميع البرامج ، حتى التي يقصد فيها إلى الترفيه عن الجمهور وتسليته .

على أن الذي يؤسف له انه لم تبذل جهود صادقة ولم تظهر محاولات جدية لإخراج أفلام علمية بالكثرة الوافية تكون على جانب من البساطة ومن التشويق الذي لا بد منهما لجعل الفلم مفهوما بغير كبير عناء ومصدرا للمتعة العقلية واللذة الذهنية من جميع افراد الشعب ومن عشاق السينما وروادها . وذلك لأن إدراك الناس لأهمية الفن كعامل فعال في بسط العلوم ونشرها لم يقو وينتشر بسرعة إلا في السنوات القليلة الأخيرة وقد لقي أثناء لحرب دافعا وحافزا قويا لما كانت تدعو اليه الضرورة من آن لآخر من تحذير المحاربين وتعليمهم او تحذير الجمهور وتعليمه في الشئون المتعلقة بالحركات الحربية ، أو بحماية النفس ، او بتحسين امور الحياة ووسائل العيش وتهدئة النفوس وتطمينها وتوفير اسباب سعادتها . ومن ابرز العلامات الدالة على التقدم في هذه الناحية تكاثر الهيئات

التي تخرج الأفلام العلمية ، فقد ظهر منها في بريطانيا في إبان الحرب نحو المائة ، وقد تكون منها حديثا اتحاد أهلي واحد كبير .

وإذا أردنا أن نعرف الفلم العلمي قلنا إنه هو الذي يحقق ما يأتي : ) ١ ( عرض الظواهر أو الحوادث عرضا واقعيا يسمح بالملاحظة والدراسة ) ٢ ( فحص الظواهر أو الحوادث وتفسيرها بكيفية تبرزها وتصورها كأنها جزء من كل متماسك معقول ) ٣ ( إظهار أن كل درس وعرض وتفسير كهذا على اعتبار انه وسيلة لدرس الحقائق وتدبرها أمر يتيسر لكل إنسان استخدامه والاستفادة منه في أن يحيا حياة أرقي وأجدي .

ولقد أبدي أحد المحاضرين القديرين مرة الملاحظة الأتية : إن سر النجاح في المحاضرة يرجع إلى افتراض المحاضر ان مستعميه ليس لهم ادني معرفة سالفة بالموضوع الذي يحاضر فيه . وافتراض من هذا النوع لامعدي عنه إذا أريد النجاح للأفلام العلمية التي توضع وتبتكر لرواد السينما من عامة الشعب . فكمية المعلومات التي يتضمنها الفلم يجب ان تختار بقدر وحذر وفطنة ، فيكتفي برسالة قيمة واحدة يضمها الفلم الواحد ، فإنا إذا ضمنا أن نتفهمها ونهضمها ونتذوقها نسبة كبيرة معقولة من مشاهدي الفلم جاز لنا ان نعتبره ناجحا وان نهنيء واضعه . وتنشأ إحدي الصعوبات في هذا الصدد من ان رجال العلوم الذين يهتمون بإخراج الأفلام قد يعجزون عن إدراك الحقيقة الهامة ، وهي ان المصطلحات والصور والتخيلات العلمية غريبة كل الغرابة وبعيدة إلى حد كبير عن عقل المواطن العادي

ويجب أن نؤكد هنا أنه لا يكفي أن يكون غرضنا من الأفلام العلمية حمل الرجل العادي على تقدير ما تستطيع العلوم أن تفعله من أجله ، فهناك فوق هذا ، الهدف الأسمي الذي هو تبصير العامة بالطريقة العلمية وتقريبها لهم ،

وتعويدهم عليها ، وبث الروح العلمية في نفوسهم ، وهذا الهدف يتحقق بالفلم اسرع وآكد من تحققه بأية وسيلة أخري . وأثر الفلم عميق بصفة خاصة بالنسبة للصغار وللشبان ، فهو يفتح امامهم ابواب عالم جديد ملئ بالأمال ، ومع ذلك فالامر حتى بالنسبة لهؤلاء لا يخلو من صعوبات ومشكلات . على اننا نزداد علما بالتدريج بما يجب اتباعه وما لا يجب بالنسبة للأفلام البداجوجية

وتشير كل الدلائل إلي أن الهيئات التعليمية متوثبة لاستغلال الفلم في الأغراض التعليمية إلى اقصي حد بعد الحرب ، ورأينا ان الحماس لهذه الأفلام يجب ان يصحبه الحذر والمقدرة علي النقد . وسيجد مدرسو العلوم أنفسهم أمام صعوبة ومسئولية كبيرة في الحكم على مختلف أنواع الإفلام العلمية وأيها انفع واجدر بالرؤيا والتشجيع . وليس هذا بالأهر الهين ، فهو يحتاج إلى اخراج طائفة من الافلام التمهيدية التجريبية يقوم على وضعها وإخراجها مدرسو العلوم أنفسهم بالأشتراك مع رجال الفن السينمائي . ويجب أن يعقب إخراج هذه الأفلام بحوث تربوية تختبر في خلالها هذه الأفلام في طائفة من المدارس المختلفة وبشتي لطرق لإصدار حكم صحيح لها او عليها ، ولتوجيه الاخراج في الاتجاه الصحيح المقطوع بفائدته كنتيجة لتلك البحوث .

وما أجدرنا نحن هذا في مصر بأن نعير هذه المسألة شيئا كبيرا من عنايتنا ، ونوجه إليها طائفة ممتازة من رجال التعليم عندنا ، ونمهد لهم سبيل اتقان هذا الفن وندربهم عليه من الناحية السيكولوجية ومن الناحية العملية ، سواء كان ذلك في اختيار الآفلام أو اخراجها أو اختيار أثرها في النفوس أو طريقة عرضها ، إلي غير ذلك من النقط التي يجب دراستها وبحثها من وجهة نظر الشعب المصري وما يصلح له بصفة خاصة .

أما في الكليات والجامعات فسيكون للفلم قيمته وأثره العظيم في البحث العلمي وفي التعليم معا . فالأفلام التي تسجل

العمليات الطبيعية ) كفلم حركة اللسان الذي أشرنا إليه في أول المقال ( وتسجل كذلك التوضيحات التجريبية إن هي إلا طريقة من الطرق التي تقرب الطلاب إلي أقصي حد من الحقائق المتصلة بموضوعاتهم وتجعلهم متتبعين باستمرار لأحدث التطورات فيها . كما أن الفلم يمكن أن يستخدم في إيضاح التجارب العملية التي تحدث في معامل المصانع على نطاق واسع ، فتثير في نفوس الطلاب اهتمام خاصا حين تبين لهم ان كثيرا مما كان يتراءى لهم في الدراسة العادية ذا صفة اكاديمية محضة فيه جفاف وثقل ، له تطبيقات عملية محددة في عالم الإنتاج .

وفي مجال البحث العلمي قد ظهرت قيمة الفلم بالفعل ولا سيما فيما يتصل بالدراسة الدينامكية للمادة الحية ؛ فالفلم باعتبار انه وسيلة للتسجيل الدائم يعيننا على دراسة وتحليل الظواهر التي تحدث في ازمان قصيرة جدا وتتغير أو تتلاشي بسرعة كما قدمنا . فبواسطة الاسراع او الابطاء في عرض التسجيل نستطيع أن نضمن إدراكا اوفي للعمليات المتصلة التي لا تستطيع العين إدراكها في الطبيعة على حقيقتها نظرا لتغيرها السريع .

ومن المسائل التي درست بنجاح عن طريق السينما الدورة الدموية في الجنين الحي بعد تكوينه وهو في بطن أمه ، وغير ذلك من الظواهر الهامة . وليس من الغريب ان يكون الفلم خادما امينا مخلصا لعلم الحياة ، فإن نشأته الاولى جاءت عن طريق حب الاستطلاع البيولوجي حين تحكمت الرغبة الملحة سنة ١٨٧٢ في معرفة ما إذا كان الحصان وهو يركض يرفع أرجله الأربع معا في لحظة واحدة عن الأرض . وعندئذ صور حصان وهو يركض مسرعا بواسطة ٢٤ آلة فتغرافية على التتابع . وقد تضمنت هذه العملية العنصرين الأساسيين في الفلم : الا وهما التحليل عن طريق إعداد صور فتغرافية متلاحقة بسرعة منتظمة ، والتركيب المناسب لهذه الصور حتى تعرض على الشاشة كما نراها اليوم

اشترك في نشرتنا البريدية