الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 107الرجوع إلى "الثقافة"

العلم والمشكلات الحديثة

Share

يعتقد أكثر الفلاسفة أن القيم المطلقة ثلاث وهي : الجمال والخير والحق ؛ والعلم هو البحث المنظم عن الحق ، واخص مزاياه أنه يطلق العقول من أسر الأوهام ، ويقاوم التعصب للأفكار السابقة ، ويعين على النزاهة الفكرية والتجرد من الاثرة ، وهو من هذه الناحية مران عقلي صالح وغاية مطلوبة لذاتها ، وهو ليس من ثم في حاجة إلى سبب مادي ملموس ليبرر وجوده ويقضي بفائدته ، ولكن المعرفة قوة ، وإدراك طبيعة الأشياء واكتناء أسرارها يمنحنا سيطرة عليها وقدرة على تسخيرها والانتفاع بها ؛ فالعلم إذا يجمع بين طرفي الحق والقوة ، فهو من ناحية غاية في نفسه وفي عين الوقت وسيلة لغايات أخرى ؛ والعلم من

حيث هو غاية في نفسه يعني أكثر ما يعني العلماء والفلاسفة والمفكرين وأمثالهم من طلاب الحق المجرد والمعرفة الخالصة ؛ ولكنه من حيث هو وسيلة يعني كل فرد متحضر .

والحضارة الحديثة تعاني أزمات خطيرة ، وتعالج مشكلات تكاد تكون مستعصية ، وإذا تدبرنا أكثرها وجدنا سببها أن العلم قد طبق على شؤون الحياة تطبيقا غير محكم ؛ وقد اغدقت الاختراعات العلمية الخيرات على الناس ، ويسرت لهم الرخاء المادي بصورة تفوق تجارب الإنسانية الماضية ، وتسمو على ما كان يحلم به الإنسان وتناجية به الاوهام ؛ وقد ساقت إليه من ضروب المتع

وألوان المسرات وصنوف الهو ما لم يكن يطمح إليه ببصره ولا بدنيه الوهم إلى خاطره ؛ ولكي نقدر ذلك لتعد إلى ما كان عليه العالم قبل مائة سنة ، والذين ينتقدون الأحوال الحاضرة ، وبنادون على طريقة جان جاك روسو بالعودة إلي الطبيعة - إذا ثبت أن عقولهم سليمة وأعصابهم غير ملتائة ، أو أنهم جادون في دعوتهم ، وليست هي من قبيل التدلل علي الحضارة والولوع بالغرائب والمفارقات - لا يحتملون هذه العودة إذا ظفروا بها وظفرت بهم ؛ والطبيعة في العصر الحاضر قد ذلل عصبها إلي حد كبير ، وريض جاحها وامتنع خطرها ؛ ومتاعب الانسانية في هذا العصر مصدرها التقدم العلمي ، فقد سبق تقدمنا العلمي رقينا الاقتصادي وتفكيرنا الاجتماعي ؛ وهكذا شاءت الجدود العوائر أن لا تكون عطايا العلوم بريئة من العيوب ولا خالية من الشوائب ؛ وقد أحدث التقدم العلمي مشكلات جمة تزداد شدة وتفاقما على مر الأيام .

وأكثر هذه المشكلات حديثة وليس لها نظير في العصور السالفة ، لأن الاختراعات العلمية أوجدت ظروفا غير مسبوقة وليست على مثال متقدم ، وقد نقلت الانسان من أحوال مضت عليها مئات السنين إلى أحوال جديدة وآفاق غير مألوفة وأحاطته بقضايا طريفة وأزمات مستحدثة . وقد بدأ هذا التحول المعروف في عرف الاقتصاديين والسياسين بالثورة الصناعية منذ اختراع جيمس وات للآله البخارية في أواخر القرن الثامن عشر ؛ فقد كان استعمال البخار بمثابة تسخير خادم قوي لا يمسه اللغوب ولا يدركه السأم ، وفي وسعه ان يضاعف مجهوده . فهو اغرب شأنا من خارم مصباح علاء الدين ، وقد مكن ذلك أصحاب العامل والمصانع من زيادة الانتاج والاستغناء عن عدد كبير من العمال ، وقلب ذلك الاوضاع الصناعية والأحوال الاقتصادية ، وأوجد علاقات اقتصادية جديدة

وافكارا غير مسبوقة ؛ وقد كانت هذه الثورة في بادئ أمرها مقصورة على بربطانيا ، فخفلت مصانعها ، وتدفقت الخامات إلي الجزر البريطانية من شتى الانحاء ، وأصبحت بريطانيا مصنع العالم ، ولكن هذه الأيام السعيدة لم تدم طويلا ، فقد أخذت دول أخري تتعلم الصناعة وتحذقها وتنافس بريطانيا ، وانتقلت المنافسة من أوربا وأمريكا إلى آسيا ؛ فاليابان والصين والهند التي كانت أسواقها مفتوحة على مصاريعها للمصنوعات البريطانية أصبحت ضمن منافي بريطانيا ، وبذلك ذهبت سيطرة بريطانيا الصناعية .

وقد كان لهذا الرقي الصناعي نتيجتان محتومتان ، فمن ناحية أخذت المصانع مخرج سلما ومصنوعات أكثر مما كان في الماضي لإشباع مطالب الإنسان المادية ، ومن ناحية أخري قلت الحاجة إلي استخدام عدد كبير من العمال ، وقد نشأ من ذلك مشكل متناقض مجيب ، وذلك أننا في بهرة الرخاء الوافر والإنتاج العقيم نلمح اشتداد الفاقة وتزايد الحرمان ؛ والخطأ هنا في التوزيع وأساليبه لا في الإنتاج وطرائقه ، وهذه المشكلة من أكبر مشكلات العصر الحديث .

وايست البطالة في العصر الحاضر مشكلة محلية موقونة ، وإنما هي الآن مشكلة عسيرة ، لا يخفف من وطأتها انتعاش التجارة ووفرة الأرباح ، وقد استفحل دواؤها وعز علاجها ، وهي لا تتلبث فحسب ، بل تزايد وتتفاقم لأنها ناشئة في الأصل من تقدم العلم وتطبيقه العملي الذي تزداد كغايته وتنمو مقدرته ويتسع نشاطه وتعظم براعته ؛ وقد تصدي لعلاجها الديكتاتوران المعروفان هتلر وموسوليني ، وأوهما أمتيهما أنهما سيأتيان بالمعجزات ، ويفجران الماء من الصخر ، وكان قصارى صنيعيهما أن يعالجا تلك الازمة بالأسراف في صنع الأسلحة وتهيئة امتيهما للحرب ؛ وما صنعاه لم يخرج عن كونه أكذوبة

اقتصادية قبلتها أمتاهما في صرعة من صرعات اليأس ، ونوبة من نوبات الحيرة .

وحل هذا المشكل لا يصلح له رجال علي طراز الديكتاتورين الهمامين ، داسهم إضمار السوء وتبييت الشر ونقض مبرم العهود والاستهانة بكل شريعة ؛ وإنما يتطلب أسمى العقول وأرجحها ، وبستلزم جدة في الرأي ونضارة في التفكير وصفاء في النفس ونزاهة في القصد ، ووضع مصلحة البشرية فوق كل اعتبار ، لا مصلحة شعب من الشعوب أو أمة من الأمم أو طبقة من الطبقات ؛ فكيف توزع هذه الفيوض الغامرة من الخيرات وهذا الانتاج الضخم الزاخر الذي يحيل العالم فردوسا أرضيا ؟ وكيف توازن بين الجهد والمنوبة ، وكيف تلبي حاجات الانسان المادية دون ان نسيء إلي نفسه وننقض بناءه الروحي وكيانه الاوبي ؟ هذه هي المشكلات التي لا مفر من مواجهتها إذا أردنا سلامة المجتمع الانساني ووقايته من الانحدار إلي الحمأة والتعثر في السير .

فتأثير تطبيق العلم على شؤون الحياة إذا هوي أقوي أسباب أزمة العمال المتعطلين التي تطيح من هولها اكثر الأمم ؛ وعلاجها على طريقة الا كتفاء بالمصنوعات القومية وإقامة حواجز التعريفات والرسوم الباهظة ؛ أو من ناحية قومية خالصة ، لا تكفى بل يزيدها استعصاء .

والشكلة الفادحة الأخرى التي قذف العلم بها العالم الحديث ، هي مشكلة التسليح وخطر الحرب ، وهي مسألة تستوجب ان نفكر فيها تفكيرا أمميا دوليا ، فتوفر الثقة بين مختلف الأمم يخفف هذا العبء الثقيل ويراخي هذا الضغط الشديد ، ويمنع وقوع المآسي المروعة ، ويجنب العالم أهوال الحرب ، ولا ريب أن كل من كان يطرب ويبتهج لتقدم العلم قد صدمت الحرب القائمة آماله أشد صدمة ، وخبيت ظنونه ؛ فقد أظهرت هذه الحرب

يصورة واضحة أن المخترعات التي لم يكن يشك في عظيم نفعها يمكن أن يساء استعمالها فتصبح مصدر شر كثير ، وبلاء مستطير ، وآلة كيد وانتقام ، ووسيلة هدم وتخريب ، على مدى واسع وبخبث ودخل يفوق ما كان يحدث في الجاهلية الأولى . فكيف انقلب هذا النبع العذب تيارا جارفا لا يبقى ولايذر ؛ لقد تعب الانسان في بناء الحضارة ، واستلزم ذلك تضحيات كثيرة ومجهودات عنيفة متواصلة ، واستغرق طويل السنين ، فهل هو يعمل الآن علي هدم بنيامها وتدميرها ؟ وما علة ذلك ؟

إن العالم قبل أن تنضج حكمته ، وتتوحد كلمته ، وتسمو أخلاقه ، وتنام أحقاده وشروره ، قد ألقيت بين يديه وسائل يستطيع بها أن يعيد جنسه ويستأصل شأفته ، فإن لم ينتبه ضمير العالم من غفوته فكيف تتقي أخطار الحرب وتدفع غوائل تخريبها ؟

إن تقدم فن الحرب قد جعل قوة أسلحة الهجوم أكثر وأمضى من أسلحة الدفاع ، وذلك واضح في الطيران ؟ ولسنا نعلم ما عسى أن تتكشف عنه الحرب الحالية ؛ فأن بقية من الضمير أو الخوف من مقابلة العمل بالمثل تمنع الآن من استعمال جراثيم الأوبئة والأمراض الفتاكه والغازات السامة والخانقة ، ولكن من يدري ما يولده الاحراج والخوف من شبح الهزيمة ، واليأس من الانتصار ، في نفوس قوم تنكر فلسفتهم وجود الضمير ، ولا تعترف بالرحمة . وليس بينهم وبين الشر حجاز من دين أو عقيدة أو نخوة ؟

وقد سادت في السنوات الأخيرة فكرة الحكومة ((التيكنولوجية)) وهي ترمي إلي إلقاء مقاليد الحكم إلى أيدي الفنيين بعد سحبها من أيدي الساسة ؛ وهذا الرأي يرينا مقدار التخبط الذي أصاب العالم ، لانه من السهل أن تستكشف في السياسيين مواضع النقد ومواطن الضف ،

ولكن الحقيقة التي لا تجدي المرأة فيها أن السياسة صفات مختلفة اختلافا غير يسير عن الصفات التى تجعل الانسان صالحا لمتابعة البحوث العلمية ؛ وليست هناك فائدة كبيرة لتجتني من وراء نقل قوم من الميدان الذي يتقنونه إلى الميدان الذي يجهلونه ويتطلب صفات مختلفة . وحقيقة أن العالم قد ألف أن ينظر إلي الأشياء نظرة مجردة خالية من الغرض ، وهذه صفة نافعة في المسائل العامة وليست بالقليلة القيمة ، ولكن سرعة توالي الحوادث وتبدل المواقف ستذهله وتضل رأيه ، وسيعجز عن سير أغوار وعواطف الجماعات ومشتبك المصالح القومية والعلاقات الدولية .

ولقد زاد تقدم العلم بعض الجرائم الاجتماعية ، ولكن معالجتها من الأمور الميسورة ، والنقص الجوهري هو أن التقدم الأخلافي لا يزال متخلفا عن التقدم العلمي ، والعمل على التقدم الأدبي هو طريق العلاج ودفع الخطر .

إننا لا نستطيع أن نلوم العلم لكثرة الانتاج إلا إذا لمنا الطبيعة على وفرة المحصول ؛ وليس الخطأ فيما ييسره العلم من أسباب الراحة ووسائل الرفاهية ، وإنما في النظام الاجتماعي الذي يحول دون التوزيع العادل . والمشكلة الآن هي أن تلائم بين نظامنا الاجتماعي والاقتصادي والظروف الجديدة التي أوجدها تقدم العلم والاختراع ، لأن اشتداد البؤس وكثرة الحرمان مع وفرة الخيرات وكثرة الإنتاج دليل واضح على وجود عيب دخيل في النظام الاجتماعي والحالة الاقتصادية .

ولقد كانت الحضارات القديمة تسقط في غالب الحالات بسبب الغزو الخارجي والغارات التى تشنها الأمم القوية من الوجهة الحربية على الأمم التي انهكها الترف وأضعفتها الحضارة ؛ وكان يظن أن الحضارة الحديثة ستفلت من مثل هذا المصير لما في يدها من أسلحة قد زودها بها العلم الحديث ؛ ولكن الخطر الذي يعترض المدنية الحديثة

ليس من الأمم التي تستعمل معدات حربية قوية ، وإنما من الأمم التي اقتفت في إبلاغ هذه المعدات مرتبة عالية من الإجادة والإتقان ، فالعلم الحديث بدلا من أن يدفع عن الانسانية شر العدوان أصبح سببا من أسباب إعداد وسائله وتمهيد السبيل لوقوعه .

وقانون الغابات والأدغال هو قانون الاعتراف بالقوة وحدها والقضاء على الضعيف وفقدان الشعور بآلام الغير وعدم تقدير القيم السامية ؛ وقد تغلب الانسان في معركة تنازع البقاء لأن ذكاءه وبناء جسمه مكناه من السيطرة على الأشياء ومغالبة الحيوانات التي كانت تستطيع إبادئه ؛ وخلال ذلك تهذبت غرائزه بعض التهذيب ، واتسعت دائرة عطفه من الأسرة إلى القبيلة ، ثم ترقت إلي الوطن والقومية ، وهي تصل إلى أسمى المراتب عندما تشمل العالم بأسره والإنسانية جميعها ؛ وكل أمة تقصر عملها على طلب السيادة وابتغاء المجد مدفوعة إلي ذلك بأسباب وهمية وتحريضات إجرامية ، تعوق حركة التطور ، وترجع بالعالم إلى الوراء ؛ وصيانة الحضارة تقتضي أن تتعاون الأمم جميعا على حل تلك العقدة التى أوجدها العلم بتمكينه الانسان من السيطرة على قوى الطبيعة والإنتاج الكثير والأفتنان في صناعة الأسلحة الفتاكة . وخلاص الانسانية موقوف على التوفيق بين المثل العليا الأخلاقية ونتائج البحث العلمي الحديث .

اشترك في نشرتنا البريدية