هل يعلم أبناء هذا الزمان الذين يشهدون العمليات الجراحية الكبرى تتم دون ان يحس المريض الما ، انه قد أتى على الناس حين من الدهر كانت أيسر العمليات مصدر آلام مبرحة تشق على أشد الناس جلدا ؟
لقد كانت عملية بسيطة كخلع ضرس ، او جبر كسر ، أو تقويم ساق منحرقة ، تقتضي أن يشد وثاق المريض ويمسك به أعوان الطبيب الأشداء ، ويعلو صراخه الباكي حتي يدركه الاعياء
وكم عمد الأطباء إلي تهويل الأمر على مرضاهم واخبارهم بغلغلة ووحشية بتفاصيل ما سيجرونه عليهم حتى يدركهم الفزع ويقعي عليهم فرقا وخوفا . فيجرون عليهم عملياتهم وهم في غيبوبتهم .
وكم كان الأفزاع وحده وسيلتهم في علاج مرضاهم ، يروي عن طبيب ايقوسي في النصف الأخير من القرن الماضي انه جاءته مريضة تكاد تموت بسبب شئ يعترض حلقها فيمنعها أن تأكل أو تشرب ، ولا تكاد معه أن تتنفس ، فقام الطبيب إلى عصا من الحديد ، والقى طرقها في نار شديدة حتى حميت وابيضت من الحرارة ، فأخذها وتحرك نحو سرير المريضة ، وناداها ان افتحي فمك أيتها المرأة ، ففزعت المرأة لهول ما رأت ، وصرخت صراخا مدويا مزق الحائل المسمم الذي اعترض حلقها وشفيت مما بها .
هذه وسائل الطب الجراحي إلي عهد قريب ، أن يجري العملية بمرأي ومسمع من المريض ، بعد أن يشل حركته بالقوة - وتصور مبلغ ما كان يقاسيه مثل هذا المريض وهو يرى مثلا بعض اعضائه يوضع في زيت يغلي ثم ينشر هذا
العضو بمنشار غير مهذب . أو أن يصل بالمريض إلي حالة من الهلع والفرع تدركه عندها الغيبوية ، فيجري عليه العملية وهو في اغمائه ، أو أن يصل بحمله على الإفراط في السكر إلي جعله في حالة من تبلد الحس تسمح بإجراء العملية عليه.
كان هذا كله قبل أن يصل العلم الحديث إلي كشف التخدير والترقي به إلي المنزلة التي هو عليها الآن .
وإنك ليدهشك أن يغيب على الناس سر التخدير ، فلا تعلم خصائصه إلا حديثا . ومع هذا فقد كانت بعض أنواع المخدرات معروفة منذ القدم . فهوميروس يذكر في شعره استعمال النبينتا ، وهو محلول الأفيون ، ويذكر هيرودونس المؤرخ اليوناني ان السيثانين كانوا يستعملون نوعا من القنب في القرن الخامس قبل البلاد . ويؤخذ من مخطوط صيني قديم ان الطبيب هوثو في القرن الثالث قبل الميلاد كان يخدر مرضاه بالقنب قبل ان يجري عليهم عملياته .
وفي القرون الوسطى كانت المدرسة الطبية الشهيرة في سولرنو جنوبي إيطاليا ، تعلم استخدام الاسفنجة المنومة وهي إسفنجة مشبعة ببعض العقاقير التي تجلب النوم . ويكثر شكسبير من ذكر الأشربة المنومة في رواياته .
واللودن الذي كان له الفضل في ان اوحي لديكونسي بعالم احلامه ، كان يستعمل في القرن الثامن عشر لتخفيف الألم .
ولكن غيبة الألم لا تكفي الطبيب ، وليست وحدها موضع اهتمامه ، بل يجب ان يكون المريض مسترخيا تمام الإسترخاء ، وقل من العقاقير قبل الاثير ما كان يكفل ذلك كل أثر العقاقير القديمة أن تنقل المريض إلي عالم أحلام بكافح فيها مع هواجس وخيالات .
وقد كان الدكتور بيرسون في بيرمنجهام سنة ١٧٨٥ يستعمل الاثير في علاج ضيق التنفس ، ولكنه فيما يبدو لم ينتبه لقيمته التخديرية .
وكان للسير همفري داقي مدير الجمعية الملكية بلن فضل اكتشاف الغاز المضحك أكسيد الأزوتوز وخصائصه ، وثبت في سنة ١٧٩٩ : " ما ان كسيد الازوتوز يبدو كفيلا بازاحة الألأم الجسماني ، فمن المحتمل أن يكون استخدامه في العمليات الجراحية مفيدا " .
وقد سجل احساسه الشخصي تحت تأثير الغاز المضحك . وفي مارس سنة ١١٨٠٠ وضح وليام الي المحاضر في الكيمياء في مستشفى حي عمليا كيف ان الغاز المضحك يذهب الآلم . وكان السير استلي كوبر ، احد مشاهير الجراحين العالميين حاضرا ، ولكنه لم يهتم بالانتفاع بذلك . وقد كانت شهرته - كما كان الحال مع كل جراح ناجح في ذلك الحين - قامة على السرعة التي كان يجري بها عملياته ، كان يبتر ساقا مثلا في أقل من ثلاث دقائق ، لان المريض في وعيه لا يحتمل الألم طويلا .
وفي ١٨١٨ تمهل فارداي العالم العبقري - في تجاربه التي بفضلها عرفنا الكهربائية كما هي الآن ، والفلزات التي كشفت بالتحليل الكهربائي كالالومنيوم ، وعشرات غير ذلك من المكتشفات الهمة - وأعلن استنشاق الأثير يفقد الوعي والإحساس بالآلم .
ولكن ذلك كله مر والناس لا يلقون إليه بالا كشأنهم في اكثر الحقائق العامة ، تقع تحت أذقانهم ليل نهار ، ولكنهم لا يدركون كنهها وقيمتها ، حتى يقيض الله لها من يظهرها ، فيعجب الناس كيف فاتهم إدراك ذلك مع هوان امره .
كان بعض المشعوذين الجوابين تحت تأثير غاز " داقي " المضحك ، يسمحون بان يوخزوا بالأبر دون ان يبدو عليهم
ألم لذلك . ووصل أحد هؤلاء إلي دانيلز قيل بجورجيا بالولايات المتحدة الامريكية في شتاء سنة ١٨٤١ ، فسمع بأمر الجراح كروفورد لونج الطبيب ، نبأته به فتاة من صديقاته وكان لونج اثيرا لديهن بفضل تطرفه ، وألحت عليه ان يفسر لها ذلك ما دام هو على علم بالكيمياء . ولم يكن الغاز المضحك ميسرا له ، ناتجه إلي إشارة فاراداي وجرب الاثير . وكان التاريخ بدون صفحة من اجل صفحاته وهو يستجيب لعبث فتاة.
واخذ الطبيب الشاب بعد ذلك يعرض على الفنيات كيف يستطيع بحث تأثير الاثير ان يتلقى وخزات إبرهن راضيا
وكان احد مرضاه يشكو نور ما في عنقه ، ففي مارس سنة ١٨٤٢ جعله يستنشق الأثير، وازال التورم دون ان يحس المريض الما، وكرر مثل هذه العمليات بنجاح إلي سنة ١٨٤٦ .
وكان لونج علي وشك أن يكتب بيانا بهذه الحالة ، ولكن اوقفه نبأ هز الكون وهشة ، وهو إجراء عملية خطيرة بطريقة تلفت الانظار ، قام بها الدكتور جون وارن الجراح بيوستون ، الذي كان يبلغ السبعين من عمره استخدم فيها الاثير ، وقد ارشده إلي ذلك ويليام مورتون طبيب الآسنان ، الذي ابلغه انه استطاع بالأثير ان يخلع الأسنان بدون ألم .
وبهذه العملية شعر الناس أن الالم قد انتهت نهايته وقد استخدم سمسون الآثير في أدنبرا في تخفيف آلام الولادة ، ولكنه لم يرتح له ، وظل هو وعدد قليل من الأطباء ، يجربون كل أنواع العقاقير ، أملا في العثور علي عقار يفقد الوعي . ففي إحدي الليالي كان يفتح قنينة من الكلورفورم ، وهي مادة اكتشفها الكيميائي العظيم ليبيج قبل ذلك بستة عشر عاما ، ولم يكن بقدر ان لها
تأثيرا مخدرا ، فما كاد يشم منها شمة حتى خر واقعا ، وريع بأصدقاؤه حيث وجدوه جامدا لا حراك به ، كأنما هو جثة ميت .
ولما افاق من غشيته علم أن سعيه قد بلغ الغاية . ولكن متاعبه الخاصة كانت في الواقع قد بدأت منذ ذلك الحين ، فقد تضافر منافسوه الحاسدون مع رجال الدين الرجعيين على مهاجمته . ولم يتغلب على خصومه إلا بفضل الملكة فكتوريا ، التي جربت من قبل الام الوضع ، وعلمت اي يد ينسبها للإنسانية من يخفف تلك الآلام ، فتولته بحمايتها ومنحته رتبة الفارس ، وجعلته طبيبها الخاص .
والآن أصبح التخدير بمنزلة رفيعة من الحدق والمهارة كالتي وصل إليها صنوء الطب الحراحي ، ولا ينقطع للكميائيين سعي للوصول إلي العقار الكامل الذي يؤدي مهمة التخدير أكمل اداء . وبفضل هذه القوى الجديدة التي تسمح للجراح بوقت اطول لأداء عملياته ، استطاع ان يقوم اليوم بعمليات كانت تعد فيما مضي من المعجزات .
لم يعد اليوم محل للخوف من العمليات الجراحية . فالمريض لا يحس ما كان يحسه من قبل من النزول إلي اعماق سحيفة من مجاهل مسكونة بالخيالات كما كان الحال حين يضغط القناع على وجهه . بل اصبح يعطي بدلا من ذلك حقنة من الافيبان (Eivpan)، وهي كفيلة بأن مجمل المريض في خمس ثوان لا يري ولا يحس شيئا مما يدور حوله من المعدات في قاعة العمليات ، أو يعطي المخدر العميق الذي يمكن الجراح من السيطرة التامة على المريض ويضح له في الوقت ما شاء .
وبعض المخدرات الحديثة كالسيكلوبروبين Cyclopro pan الذي ادخل سنة ١٩٢٩ يمنع حدوث الالتهاب الرئوي الذي كان كثير الوقوع عقب العمليات ، وهناك عقاقير
من شأنها ان تفقد الحس ولكنها لا تفقد الوعي ، وهذه قد تفيد في حالات لحالات الولادة فتكفي الوالدات الالم ، ولكنها لا تتدخل في العمليات العضلية المتصلة بولادة الطفل . وأشهر هذه المواد صورة معدلة من غاز " داقي " المضحك .
ويستعمل التخدير الموضعي في العمليات الصغيرة كما هو الحال في خلع الضرس .
وتخدير النخاع الشوكي يمكن "قطع" الاتصال ببعض اجزاء الجسم ، فيمكن وقف أثر الارتجاج الذي يحدث عقب إصابة بالغة أو حرق الخ .
وهكذا حق القول ان العلم قد تغلب نهائيا على الالم .

