إنه لحديث عجيب ذلك الذي يسوقه إلينا السائحون الأجانب ، الذين وفدوا علي مصر في القرون الوسطى ، وكان مصر ذات الرأس الاشهب تبعث من ارضها سحرا يجذب إليها الأفئدة ، فقد كانت دائما تجتذب رواد أهل الغرب وأهل الشرق على سواء ؛ وقد خلف كثير من هؤلاء ، الرواد كتبا دونوا فيها قصص رحلاتهم يصفون فيها عجائب البلاد التي رأوها ، وغرائب ما شهدوا فيها من نظم وعادات ومناظر ، وكان يحلو لهم ان يصفوا جيوشها وسلاطينها ، ورسوم دولتها ، ومواكبها الرائعة ، وأسرار قصورها العالية الأسوار ؛ وقد دونوا في تلك القصص نتفا من الأخبار نراها اليوم فتكشف لنا الستار عن أسرار كثيرة مما كان يخفي علي المعاصرين من أهل البلاد ، تلك الأسرار التي تعنينا اليوم في البحث التاريخي ، لأنها تكشف طائفة من الحقائق الخفية التي كان لها اثر عظيم في توجيه بعض الحوادث التاريخية .
ومن تلك الحقائق التي كشفها هؤلاء السائحون ، أن دولة سلاطين المماليك كانت تضم في صفوف جيوشها عددا عظيما من الأوربيين من مختلف الشعوب والأجناس ، وان من هؤلاء المماليك الأوربيين من بلغوا اعلي المراتب ، وصارت إليهم مناصب الإمارة ؛ بل إن منهم من اعتلي العرش سلطانا لمصر ، وكان كثير منهم يحتفظ سرا بديانته المسيحية في حين كانوا امام الناس مسلمين يتزوجون المسلمات ويعقبون منهن ذرية . وكثيرا ما كان هؤلاء الجنود الأوربيون يساعدون بقصد او بغير قصد على إثارة الثورات وتدبير المؤامرات الدولية ، التى كانت أحيانا تؤثر اثرا كبيرا في توجيه سياسة الدولة المصرية .
حاء سائح فرنسي إلي مصر في عام ١٣٣٦ للميلاد ، في
أيام السلطان محمد بن قلاوون واسمه ) ماندقيل ( ، وخلف كتابا في وصف رحلاته إلي مصر التي كانت عند ذلك أعظم بلاد الأرض وأعلاها مدنية ؛ فكان وصفه ينم عن أن عظمة مصر قد ملأته روعة بمظاهر غناها ومدنيتها ، وترف حياة عظمائها . وقد حكي لنا بعض تفاصيل من مظاهر الحياة التي كانت تسترعي نظره مثل قوله : إنه لما مثل بين يدي السلطان قبل له الأرض على العادة المرسومة ؛ بأن انحني انحناءة عظيمة ، ولمس بأطراف أصابعه سطح الأرض ، ثم رفع يمينه إلي رأسه وقبلها بشفتيه . ثم وصف في شئ من الدهشة ما رآه في حضرة السلطان من تقاليد تحيط العرش بهالة من الغرابة والروعة أمام ناظريه ، ووصف كيف كان السلطان يحدثه ويسائله عن تفاصيل الحياة والسياسة في دول الغرب ، وكيف كان يسوق إليه في حديثه نقدا دقيقا لبعض عادات أهل أوربا ومشاربهم الخلقية . فلما ظهر العجب على وجه الزائر من علم السلطان بتلك الأمور ، قال له السلطان ؛ إن أخبار الدول تتجمع لديه من رعاياه الكثيرين الذين كانوا يذهبون إلي أوربا من التجار ، الذين كان يبعثهم إليها ليبيعوا العروض الثمينة التي كان يتجر فيها من جواهر ومسك وعطور وبلسم - ذلك البلسم الثمين الذي كان لا ينمو في مكان في العالم غير حدائق السلاطين في ضاحية المطرية .
وكان أعجب ما عجب له الزائر أن السلطان كان يحدثه حديثا بليغا بلغة فرنسية فصحى ، وأن أربعة من المماليك السلطانية التي ذهبت تشيعه عند باب القصر كانوا يجيدون التكلم بهذه اللغة
بعد أقل من خمسين سنة من هذا التاريخ تخلف لنا كتابان كتبهما اثنان من أهل أوربا ، كانا فيمن قصد إلي مصر من جموع السائحين الذين كانوا يفدون عليها . وفي أحد هذين الكتابين خبر يستلفت النظر ، وهو أن السلطان برقوقا الذي كان يحكم مصر في ذلك الوقت
) سنة ١٣٨٤ للميلاد ( كان يونانيا ، وان اباه ظل في بلاده على دينه المسيحي حتي أصبح هو سلطانا ، فبعث إليه وأدخله في الإسلام
أما الكتاب الثاني الذي ألفه ) سجولي ( ففيه وصف طويل للسلطان برقوق نفسه ، يتغني فيه الكاتب بجمال هيئته وتأنقه وحسن أدبه ورقة شمائله . وقد جاءت في ذلك الكتاب بعض تفاصيل عن حياته ؛ فقد ذكر أنه كان يبدل ملابسه الثمينة في كل يوم ثلاث مرات ، فإذا ما خلع ثوبا وضعه أتباعه في خزانة خاصة لكى يهب السلطان منها خلعا لمن يريد تكريمه من قواده وأمرائه ؛ وقد رآه السائح يخرج مرة للصيد إلي سرياقوس ورأي خيمته العظيمة التي كانت تنقل على قافلة من الإبل لكي تضرب له حيث يحل ، فإذا ما نصبت كانت أشبه شيء بالمدينة تتخللها شوارع تقام فيها الأسواق لكي يشتري اتباع السلطان منها ما يحتاجون إليه . وقد وصف كذلك ما كان يتدفق على البلاد من الغني ، فقال إنه رأي قافلة أتت إلي القاهرة بعثها نائب الشام إلي سيده السلطان العظيم ، وكانت في مائة من الإبل تحمل أحمالا من الذهب والفضة وثمين الثياب ، وقد لبس سائق كل جمل ثوبا مما يحمله جمله ، فكان منظرها رائعا يأخذ بالألباب . واتفق عند ذلك ان كان الملك برقوق في رحلة من رحلات الصيد ، فأمر بأن تساق القافلة إليه في موضعه ، فلما بلغت رحابه فرق كل ما فيها على من كان معه من القواد والأتباع . وهذا السائح يذكر كذلك أن كثيرا من جنود مصر المماليك كانوا من أصول أوربية .
وقد تخلف لنا وصف رحلة أخرى كتبها السائح فلكس فابر ( الذي زار مصر في سنة ١٤٨٠ ، وكان السلطان عند ذلك هو الفارس قايتباي صاحب الجيش المنتصر ، والعمارة البديعة ، والفن الرفيع . وكان فلكس فابر صاحب نظرة عظيمة نافذة ، فكان لا يدع شيئا تقع عينه عليه بغير أن
يدقق في استقصاء علمه . وقد بين في كتابه كيف كان أكبر موظفي القصر من أصل أوربى ، وأفاض في الحديث عن أحدهم الأمير تنجيربيردي الترجمان الاكبر للسلطان ، فصور له صورة حية عجيبة لا يخلو ترديدها هنا مما يبعث على الأهتمام
كان نتجربيردي هذا كما يصفه ) فلكس فابر ( في أول أمره قسيسا كاثولوكيا ، ثم أسلم بعد ذلك واتصل بسلطان مصر وصار ترجمانه الأعظم ؛ وكان يتولى شئون الأجانب في مصر وجعل داره مكانا عرفيا للنظر في شئونهم .
وكان يبتهح للزوار الأوربيين أن ينزلوا عنده ، إذ كان هو الموكل بحمايتهم ، وكان يستولي منهم نظير نزولهم وحمايته لهم أجورا تبلغ أحيانا مبلغا فادحا . وقد نزل ) فابر ( في فقصر هذا وشهد منه ما أخافه ، فأراد أن يخرج فيقيم في مكان اخر ، ولكن تنجيربيردي تنكر له عند ذلك وهدده وأغلظ له في القول حتى حمله على البقاء عنده خوفا من بطشه ولا يملك من يقرأ هذا الحديث إلا أن يعجب بمقدرة الكاتب التي أثبتها في كتابه ، فهو أشبه الأشياء بحديث القصص العتيقة .
وكان في قصر تنجيربيردي هذا موضع لسجن الأجانب . يصفه فلكس فابر وصفا دقيقا حيا ناطفا ، ووصف من كان فيه من الأجانب الذين كان الترجمان الأعظم يتخذهم تجارة له
وتحدث فلكس فابر عن جيش المماليك فذكر أن الكثيرين من جنده كانوا في ذلك الوقت من المسيحيين ، وقد شهد أنه رأي عددا منهم يأتون سرا لتأدية الصلاة المسيحية مع بعض القسوس ، ويطلبون منهم مباركة اطفالهم وتعميدهم ، مع انهم من نسل زوجاتهم المسلمات ؛ وقد عرف ) فابر ( اسرات بعضهم ، وكان فيهم عدد كبير من أولاد الأعيان في البلقان والمجر والمانيا ؛ وهو يعلل ذلك بأنهم اسروا في حروب سلاطين الترك مع المسيحيين ، فأرسلهم سلطان
الترك إلي مصر ليباعوا إلي سلطان مصر ليجعلهم جنودا في جيشه على ما جرت به العادة
وقد جاء بعد ذلك بقليل الفارس الألماني ) أرنولد دى هارف ( في سنة ١٤٩٩ ، وكان متخفيا في زي تاجر ولعله كان يقصد التجسس عن احوال مصر لبعض أمراء أوربا . وقد رأي الملك الشاب أبا السعادات محمد بن قايتباي الذي كثر في عهده الاضطراب ، وثارث الثورات ؛ وكان عمره ، لا يزيد على ستة عشر عاما ولكنه كان شديد الذكاء له علم بماكان في أوربا في عهده من أحوال السياسة . ولقد سأل السلطان هذا السائح عن تفاصيل كثيرة عن ملك فرنسا ، وحاول أن يعلم منه شيئا من اسراره الحربية ، فسأله عن عدد جيوشه وعن آخر
فتوحه ؛ وكان الفارس يجيب بسلسلة من الاكاذيب لانه لم يجرؤ على أن يمسك عن الإجابة . والفارس دي هارف يذكر كما ذكر غيره من قبله ان جنود مصر كانت على الاكثر مستمدة في ذلك الوقت من المسيحيين ، وقد عرف السائح اثنين من هؤلاء الجنود المسيحيين ، كان أحدهما من أسرة في مدينة بال والآخر من أسرة في دانزج
هذه الحقائق التي يسوقها هؤلاء السائحون في كتبهم تفسح المجال لكثير من الخواطر وكثير من الفروض . فلعل التاريخ السري لدولة سلاطين مصر كان اقرب إلي الحقيقة من ظاهر الحوادث التي تنطوي عليها سجلات التاريخ

