الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الثقافة"

العناصر النادرة فى الهواء

Share

إن هذا الغلاف الهوائى المحيط بالأرض يموج بالأسرار ، رغم كل ما عرف الإنسان عنه إلي الآن . وإذا كان اكتناء هذه الأسرار من شأن العلم ، فإن من شأن الثقافة الإلمام بما قد انكشف للعلم بالفعل ، مما كان سرا بالأمس وأصبح اليوم واقعا معروفا ينتفع أو يعتبر به الإنسان

والإنسان لم يعرف جوهر تركيب الهواء إلا في القرن الثامن عشر على أيدي رجال مثل شيلة sheele، وبريستلى pristley ورثرفورد ruthertordوكافنديش Cavendish. ومكث الناس بعدهم أ كثر من قرن يعتقدون ان الهواء بعد تخليصه من قليل ثانى أكسيد الكربون الذي فيه وتجفيفه لا يتركب إلا من الفائزين اللذين سماهما لفوازيه lnvoishes بالأكسيجين والأزوت ، بنسبة الخمس في الحجم من الأول ، والأربعة الاخماس من الثاني ، أو بنسبة ٢١%٧٩ % لمن ريد أن يكون أقرب إلي التحقيق

لكن كافنديش كان أقرب العلماء جميعا إلي الكشف عن ان الهواء الجاب المنفي يحوي غازا آخر غير الأزوت والأكسجين

فقد شاهد أنه إذا مزج مقدارا من الهواء بما يكفي من الأكسجين ليتحد بجميع الأزوت بواسطة الشرر الكهربائي ، ثم تخلص من ناتج التفاعل ، وتخلص كذلك من الأكسيجين الزائد ، بقيت عنده فقاعة استعصت عليه فلم يستطع التخلص منها بوجه من الوجوه

وقد وصف كافنديش تجربته هذه للجمعية الملكية البريطانية سنة ١٧٨٥ ، ونوه بفقاعة الغاز التي تخلفت من الهواء وعجز الشرر الكهربائي أن يجعلها تتحد بالأكسجين . لكن هذه النقطة من تجربة كافنديش مرت لم يأبه بها أحد ، ومرت فقاعة الغاز لم ينتبه أحد إلي أنها لا يمكن أن تكون من الأزوت ما دامت لم تتكيف تكيفه ولم تتحد بالا كسبجين كما اتحد . أما كفندين فإنه بعد أن أدي حق الأمانة العلمية بذكر القفاعة التي استمصت عليه ، لم يتبع الموضوع وراء هذا - فكان كمن أداء المطاف إلي باب وراءه سر عظيم فوقف عند الباب ولم يستفتح . وله العذر فإن استفتاح باب سر تلك الققاعة كان يقتضي أولا تحضير أضعافها ، وتحضيرها وحدها استنقعه من كافنديش ومساعده ثلاثة أسابيع ، كانا يتناويان فيها إدارة الآلة الاحتكاكية لتوليد الشرر الكهربائى اللازم لتجربته . ولو لم تقعده هذه الصعوبة عن متابعة الموضوع لما استطاع أن يستنتج أكثر من أن الأزوت الجوي ليس أزونا صرفا ، وأن الهواء بحوي بجانب الأكسيجين والأزوت قليلا من غاز آخر يخالفهما في الخواص . أما ماهية هذا الغاز فلم يكن الأوان قد آن للكشف عنها ، فإن الوسائل العلمية اللازمة للوصول إلي سر فقاعة كفنديش لم تتيسر للعلم إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر

مر على تجربة كافنديش أكثر من قرن نسبها العلماء فيه ، حتى جاء اللورد ريملى استاذ الفلسفة الفطرية في المعهد الملكي بلندن وقام ببحوثه في كثافة العناصر الغازية ، والأذوت من بينها ، فوجد اختلافا بسيطا بين كثافة الآذوت الجوي والآزوث المحضر من المواد الكيمياوية لم يمكنه تفسيره وجد أن وزن اللتر من الآزوت الجوي . ١,٢٥٧١ من الجرام ومن الأزوت الكيمياوي ١.٢٥٠٧ من الجرام ، أي انه وجد الأزوت الجوي اثقل من الأزوت

الكيمياوي بنسبة ١:١,٠٠٥١ وهو فرق ضئيل يمر به أ كثرنا غير ناظر إليه يحسبه فرق خطأ في التجربة . ولكن لا كذلك حسب ريلي ، فإنه كان يعلم ان تقديره صحيح إلى الرقم الرابع العشري ، فالخلاف في الرقم العشري الثالث لا يمكن أن يكون إلا خلافا حقيقيا يحتاج إلى تفسير

وكان التفسير الذي خطر للورد ويلى هو ان الأزوت له صورتان إحداهما أكثف من الآخرى : فالصورة الأخف هي الأزوت الكيمياوي العادي المعروف أن جزيئه يحتوي ذرتين ، والصورة الآخر الاكثف فرض أن جزئيها يحتوي اكثر من ذرتين وانها توجد في الأزوت الجوي . هكذا ظن ريلي ، لكنه اراد ان يشرك العالم الكيمياوي معه في الرأي ، فنشر في سنة ١٨٩٣ خطابا في مجلة الفطرة (Nature) يستفتي الكيمياوين في ذلك الخلاف الذي وجده بين الكثافتين

واستجاب له من بين الكيمياويين الاستاذ وليم رمزي استاذ الكيمياء في جامعة لندن - وقد نال لقب سير بعد ذلك - فرأي ان الفرق بين الكثافتين راجع إلي وجود عنصر جديد في الآزوت الجووي كثافته أكبر من كثافة الأزوت

وفضل العلم على غيره من الوان الفلسفة ان الرأي فيه تمكن تحيصه بالرجوع إلي التجربة . هنالك ذكر هذان العالمان تجربة كافنديش ، وعجبا حين وجدا ان تلك التجربة هي كل ما في تاريخ العلم من دليل على تجانس الأزوت الجوي ، رغم ما فيها مما يشير إلي عدم تجانسه . عندئذ اتفق العالمان على إن بمحصا رأيهما في الموضوع بتجارب بجريانها لتحضير ذلك الغاز الكئيف ، كل بطريقته التي يختارها ، لتمتحناه بعد ذلك ، على أن يخبر كل منهما صاحبه مما يقع له .

فأما اللورد ريلى فاختار أن يحضر الغاز بإجراء تجربة كافنديش بالوسائل الحديثة . وقد فعل ، وحصل على مقدار مذكور من الغاز ، وقدر كثافته فوجد النسبة بينها وبين كثافة الأزوت النقي كنسبة ١:١.٤٢ تقريبا

وأما الأستاذ رمزى فكان قد لاحظ في إحدي تحارب محاضراته أمام فصله أن المغنزيوم إذا احترق في حيز محدود من الهواء لم يقتصر اتحاده على الأكسجين ولكنه يشمل الأزوت أيضا . فقر رأيه على الانتفاع بهذه الخاصة في تحضير الغاز الجديد من الأزوت الجوي ، وذلك بإمراره مقدارا محدودا من الأزوت الجوي مرات كثيرة على المغنزيوم المحمي . وقد فعل ، فوجد بعد سبعة ايام أن حجم الأزوت نقص فصار نحوآ  من ٠١/٨من الحجم الأصلي ، وان كثافته النسبية - أي بالنسبة إلي كثافة الإيدروجين المتخذة وحدة - ارتفعت إلي ١٦,١ في حين ان الكثافة النسبية للأزوت هي ١٤ ، فلم يبق عنده شك في أن الأزوت الجوي به غاز اكثف من الآزوت النقي . واستمر في إمرار الغاز بعد أن جدد المغنزيوم فنزل الحجم فصار نحو ١/١٠٠ من حجمه الأصلي ، وارتفعت الكثافة النسبية إلي ١٩,٩٤ في عشرة أيام ثم ثبتت على ذلك

لم يبق عند ربي ورمزي شك في انهما قد كشفا في الهواء عن غاز جديد ، فأعلنا كثفهما للمجمع العلمي البريطاني المنعقد في اكسفورد في اغسطس سنة ١٨٩٤ . لكن دعواهما لم تمر من غير نقد ، بل لقيت غير قليل من الاعتراض ، لأن الكيمياوين من ناحية وجدوا من البعيد ان يكون في الهواء غاز يبلغ نحو ١ % منه ثم لا يعثر عليه أحد في أكثر من قرن من ١ كتشاف تركيب الهواء ، ولان العالمين الكبيرين من ناحية اخري أسرعا في إعلان كثفهما قبل أن يبحثا خواص الغاز . وكان من أثر ذلك أن عادا إلي استثمار بححتهما بمقادير كبيرة من الغاز تمكنهما من بحث

خواصه بحثا بقطع السبيل على كل شك معقول . فاستطاع ريلي ان يحضر نحو لترين منه بنفس طريقته الاولى ، ولكن بجهاز اوسع يتسع لنحو خمسين لترا من الهواء . واستطاع رمزي أن يحضر بجهازه وطريقته مقدارا اقل من ذلك

وامتحنا خواص الغاز الذي سمياه بالأرجون ، وهي كلمة معناها " قليل الاتحاد "، وذلك لعدم تفاعله مع الأكسجين والمغنزيوم في تلك الظروف . فأثبتا عن طريق تقدير سرعة الصوت فيه ان جزيئه مكون من ذرة واحدة فقط . وهي تجربة بسيطة ، والحساب المؤدي إلي تلك النتيجة منها أبسط ، لكن لا سبيل إلي شرحهما الآن . وإذا كان جزيء الارجون مكونا من ذرة واحدة ، فلا يمكن ان يكون الأرجون مركبا ، وإذن فهو عنصر جديد كما ظن رمزي ، لا صورة جديدة للأزوت كما كان يظن ريلى

وامتحنا طيف الأرجون لينظرا أشبيه هو بطيف أحد العناصر المعروفة ؟ أم هو طيف جديد كما ينبغي ان يكون إذا كان الغاز عنصرا جديدا . فوجداه ذا طيف جديد فيه خطوط طيفية لا تنطبق على خطوط أي طيف آخر ، فجاء ذلك مؤيدا تمام التأييد لعنصرية الأرجون

وامتحناه من الناحية الكيمياوية فحاولا بكل سبيل أن يحملاء على الاتحاه بل لمواد الفعالة كلها ، كالصديوم والبوتاسيوم والكلور والفلور ، فلم يفلحا في حمله على الاتحاد بشئ . وكان حجم الارجون في كل تجربة يظل في اخرها كما كان في أولها لم ينقص منه شئ . وكان طيفة بعد كل تجربة هو عينه قبلها ، ثم يلحقه أدنى تغيير ، فأيقن العالمان انهما منه امام ظاهرة جديدة ، إذ لم يكن في العناصر قبل الأرجون عنصر هامد عديم الفاعلية بأبي ان يتحد بشيء مطلقا من العناصر الفعالة في جميع الظروف

ولما استوفيا من بحثهما ما استوفيا أعلناه أمام الجمعية

الملكية البريطانية في بنابر سنة ١٨٩٥ . وصار الأرجون بعد ذلك شغل جماعة من العلماء ؛ فهم من شغل نفسه بتحسن طريقة تحضيره ليجعلها أسرع وانجح ، وقد نجحوا في ذلك . ومنهم من جعل يدرس من خواص الارجون ما درس رمضاني وريلى ، فكانت نتائجه في صميمها كنتا ئجهما . ومنهم من جعل بدرس من خواصه الطبيعية ما لم يدرس رمضان وريلي . ومنهم من جعل يبحث عن نسبة الارجون في الهواء في بلدان مختلفة او على ارتفاعات مختلفة ، فلم يجدوا نسبته مختلف في الهواء إلا قليلا . ومنهم من جعل يبحث عنه حيث يمتص الهوا : في ماء النهر وماء البحر وفي الأسماك وفي النبات وفي الدم ، فوجدوه في كل ذلك . ومنهم من جعل يبحث عنه في الأحجار المعدنية فوجدوه في بعضها ، وفي المياه المدنية فوجدوه في كثير منها

وأخيرا لما اخترعت المصابيح الفلزية الكهربائية ، واكتشف بعض مخترعها ان وجود غاز غير فعال في المصبياح مما يزيد في عمر السلك لأنه يعوق تبخره ، بل مما يزيد في ضوء الصباح إذا كان السلك على شكل خاص ، لم يجدوا خيرا من الارجون يتخذونه لهذه الغاية . فهو منذ عام ١٩١٤ يحضر بكثرة من الهواء ليست في بعض تلك المصابيح

وفي مارس من عام ١٨٩٥ ، أي بعد نحو شهرين من إعلان الأستاذين ريلى ورمزي بحثهما ، كتب الأستاذ رمزى إلي الجمعية الملكية البريطانية ينبئها أنه قد كشف عن غاز اخر جديد . وتتابعت كشوفه حتى بلغ ما اكتشفه من إخوة الأرجون في الهواء اربعة غازات انذر منه اكتشفها في بضع سنين.

اشترك في نشرتنا البريدية