إن جغرافية هذه الأقطار الداخلية لا تقل أهمية عن جغرافيتها الخارجية. وعندما أتكلم عن البلاد العربية الشمالية أعني (سورية وشرق الأردن وفلسطين والعراق. والنصف الشمالي من جزيرة العرب) فإذا ألقينا على خريطة هذه البلاد نظرة نجدها تشكل مثلثا رأسه حلب يخترق ضلع المثلث سورية وشرق الأردن
وفلسطين وشمالي الحجاز، كما يخترق الضلع الآخر العراق حيث ينتهي برأس الخليج الفارسي، وتمتد قاعدته من البحرين حتى المدينة المنورة. أما قلبه فهو الصحراء. إن القسم الأهم من تاريخ هذه الأقطار يرتكز على هذا التكوين الجغرافي الخاص فضلا عن كون الصحراء فرقت هذه البلاد، فقد وضعت سورية والعراق على اتصال بالبلدان الخارجية (استعمل الآن كلمة سورية لأعني الأقطار المعروفة الآن بسورية وفلسطين وشرق الأردن) ، وهذا ما جعل هذين القطرين عرضة للمؤثرات الخارجية، وبقيت حضارة نجد والحجاز - فقط - حضارة عربية محضة. وكانت نتيجة هذه الحضارات المتباعدة أن نرى الحجاز ونجداً عربيتين في حضارتهما، بينما نرى أن أوربا وبلاد فارس والأناضول ومصر قد أثرت على حضارتي جانبي المثلث الشماليين.
