لم تكد الحرب تنتهى فى أوربا وتنحصر الجهود الحربية الباقية فى ميدان بعيد منعزل فى جانب قصى من أطراف الدنيا حتى تحركت فى النفوس رغبة شديدة في التخلص من آثار الحرب وقيودها والرجوع إلى الأحوال الطبيعية التى كان عليها الناس قبل الحرب .
وتتراءى للأذهان صور مختلفة لتلك الأحوال السعيدة التى كانت تسود الحياة قبل الحرب والتى طال افتقادهم لها واشتد حنينهم للرجوع إليها . وجمهور الناس لا يشغلهم إلا جانبها الاقتصادى الخاص ، فهم يتصورون العودة للأحوال الطبيعية عودة الوفرة والرخاء ورخص الأسعار وحرية التداول ، وزوال الضيق والغلاء والسوق السوداء وتحكم تجارها فى رقاب الناس . وزعماء الاقتصاد يتصورونها عودة النشاط الاقتصادى العام وزوال القيود التى كانت
تحول دون إنقاذ المشروعات الاقتصادية وسهولة الاستيراد والتصدير وعودة الأحوال التجارية إلى الاستقرار ، وقيامها على الأسس الاقتصادية السليمة الخالية من الاضطراب والمغامرات . والمفكرون فى إصلاح الشئون الاجتماعية يرونها استئنافا للنشاط الاجتماعى الذى حصرته الظروف الحربية فى أضيق الدوائر ، ويرون العودة للأحوال الطبيعية وسيلة للنهوض السريع فى إصلاح أحوال الشعب فى شئون التعليم والصحة وتنظيم حياته العامة على أسس التعاون . ورجال السياسة يرون العودة للأحوال الطبيعية ، عودة للحرية فى العمل والقول واستئنافا للنشاط السياسى الداخلى والخارجى . وتمكينا للنظام الديمقراطى الذى حدته الاعتبارات الحربية بكثير من القيود
ويبدو أن العودة للأحوال الطبيعية التى يصبو إليها
الجميع ليست من الأمور السهلة التحقيق بالسرعة التى يرجونها .
فالجزء الباقى من الحرب على بعد ميدانه لا يزال يشغل جانبا كبيرا من اهتمام أمريكا وبريطانيا وهما الدولتان اللتان يعتمد عليهما العالم فى إعادة الأحوال الاقتصادية العالمية إلى مجراها الطبيعى وإمداد أسواق العالم بالمواد والآلات الضرورية لتجديد نشاطها . ووسائل النقل لديهما تستخدم فى أغراض تلك الحرب القائمة ولا تسمح إلا بالقليل لما عدا ذلك من الأغراض . ولا تزال جيوش الحلفاء معبأة حتى يتم انتصارها على العدو الباقى ، وبعد ذلك تسرح وتعود إلى أوطانها وهى عملية تقتضى زمنا وجهدا ، والجنود المسرحون بحاجة إلى كثير من الوقت والتدريب حتى يعودوا إلى أعمالهم ومصانعهم ويقوموا بالانتاج كما كانوا يقومون به قبل الحرب ، والمصانع المخربة تتطلب جهدا وزمنا لاعادة بنائها وتعديلها على أحدث الأساليب ، والمصانع القائمة باعداد معدات الحرب تطلب هى الأخرى وقتا وجهدا للتحول إلى اعداد مطالب السلم .
ويأتى بعد ذلك فى المقام الأول من جهود الأمم المتحالفة تعمير البلاد المجتاحة وتدبير وسائل الحياة الضرورية للأمم التى أصابتها الحرب بأكبر الأضرار . وهذا التعمير والبناء يستغرق جهود أمم الأرض زمنا طويلا .
فالذين يحلمون بعودة الأمور الاقتصادية سريعا إلى ما كانت عليه يخدعون أنفسهم . وخير لهم أن يوطدوا أنفسهم على احتمال شئ من الضيق والغلاء زمنا آخر غير قصير . وبالضرورة سيكون النشاط الاقتصادى العام كذلك محدودا . وقد يزيد فى الحد منه مشاكل النقد العالمى وديون الحرب واضطراب المعايير التى يقوم عليها التعامل الدولى ، وهى مشاكل تبدو عسيرة الحل . وإلى أن تتفق الدول على حل لها تبقى الجهود الخاصة لكل أمة محدودة .
والنشاط السياسى الخارجى سيظل كذلك رهنا بمبلغ نجاح النظام الدولى الجديد ، ونجاح هذا النظام متوقف على التفاهم الصريح بين الدول الثلاث العظمى بريطانيا وأمريكا
وروسيا والروح التى يقوم عليها هذا التفاهم . فان جنحت تلك الدول للنزعة السياسية القديمة ، سياسة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ ، وغلبت عليها الروح الاستعمارية فكل جهود الأمم الصغيرة فى تلك الحالة يجب أن تتحول للاعتماد على أنفسها وتدبير وسائل تعاون فعال يجعل منها قوة فعالة ، ويجعل من مجموعها جبهة مقاومة قوية تنبه تلك الدول العظمى إلى عقم تلك السياسة التى تصطنعمها . أما إذا غلبت عليها النزعة العالمية الانسانية وتجردت من الأثرة والأنانية ومدت أيديها إلى أيدى الدول الصغيرة لبناء عالم جديد يقوم على احترام حريات الأمم واستقلالها وتعاونها جميعا على ما فيه خير الإنسانية ، فان مجال النشاط السياسى الخارجى سيكون مجالا واسعا فسيحا لكل أمم الأرض .
بقى النشاط السياسى الداخلى ، وقد رأينا بوادره حين خطت الحكومة خطوة محمودة فأطلقت الحريات العامة فى غير شئون التموين والشئون التى تمس الأعمال الحربية . لقد ظهر هذا النشاط بصورة تنازع صحفى حاد بين صحف المعارضة وصحف الحكومة . وخرجت كثير من الصحف الرزينة عما عرفت به من ضبط النفس وتناول أمور الخلاف بالعرض الهادئ والجدل المنطقى الرصين . وهى ظاهرة يأسف لها كل غيور على الحرية حريص على مصلحة هذا البلد ، وهى إن دلت على شيء فعلى أننا لا نزال بعيدين عن النشاط السياسى المنتج الذى توجهه المصلحة العامة لا خدمة الأشخاص أو الأحزاب .
قد تكون هذه الظاهرة تنفيسا مؤقتا لعواطف مكبوتة ، وقد يكون اقتناع الفريقين بعدم جدوى مثل تلك المناقشات الحادة وأنها تسىء إليهما معا وتصور الأمة بصورة لا يرضاها وطنى لأمته ، حافزا لهما على إعادة النظر فى موقفهما ودافعا لهما إلى الرجوع إلى الأسلوب الهادئ ، وإلى تغليب المسائل العامة على المسائل الحزبية الخاصة هذا ما نرجوه ونتمنى أن يوفقوا جميعا إليه . والله الهادى لأقوم سبيل . (...)

