الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 254الرجوع إلى "الثقافة"

العيب الذى فينا :

Share

-٣- أوينا إلى منتدانا هذا المساء مبكرين ، وكان صاحبنا ((س)) آخر من حضر ، وكان خليقا بنا أن نتجنب إثارته ، لولا أن أحدنا تسرع فقال مجاملا :

- خيرا إن شاء الله . لقد ترقبناك طويلا !

ورد صاحبنا قائلا - الحق يا إخوانى أنى لست بالجليس المسامر هذا المساء ، ولقد كان خيرا لكم ألا ألقاكم .

وأخفينا ، كأننا على اتفاق ، ابتسامة أوشكت أن تقفز إلى شفاهنا ، فما كان صاحبنا يوما بالجليس المسامر ، وما عهدناه إلا كاليوم ، إنسانا ثائرا حانقا على الدنيا وعلى الناس وعلى نفسه .

وأسرع فاستأنف حديثه قائلا :

- تصوروا أننى كنت وشيك الذهاب إلى ما لا تحمد عقباه ، ولولا بقية من صبر وأناة تذرعت بها ، واحتملت ما احتملت لكنت الآن ، ألاقى ما يلاقيه أى آثم فى حق النظام والقانون .

وقلنا فى صوت واحد - والسبب ؟

وقال مسرعا :

- السبب أننى حاولت أن أكون حريصا على روح النظام والقانون . أحببت أن يفهم بعض الناس القانون والنظام كما وضعتهما الدولة ، ولكن التوفيق أخطأنى .

قلنا - لعله شططك المعتاد ؟

قال - إليكم ما حدث . أعلن فى الصحف أن الدولة قد وضعت نظاما تكفل به حماية الناس من جشع التجار وراعت فيه إقبال الشتاء ، فحددت أسعار الأقمشة ، وحددت يوما لهذا التحديد ، وقالت للناس منذ يوم كذا ، وهو اليوم ، ستشترون ملابسكم بأسعار تعرفها الدولة

وتعترف بها ...

لذلك استخرت الله واختبرت جيبى ، فوجدت فيه ما أشترى به ( بدلة ) أظهر بها على برد الشتاء ، وأستريح من لون ( بدلتى ) الكالحة الذى كدت أنساه ، وعزمت على أن أيمم وجهى شطر متجر معروف . وما كاد يصبح الصباح حتى كنت بين مئات يرقبون افتتاح هذا المتجر .

وفتح الباب وتزاحمت الجموع وكدت أختنق فاحتملت فى سبيل النتيجة ، ووجدت نفسى آخر الأمر داخل المتجر وقد تهافتت الناس تعاين وتنتقى ؛ ورأيت فيمن رأيت ضابطا قد تكاثرت على كتفيه أمارات الرقى والنفوذ تلمع فى وضح النهار ، وأخذت أقلب وجهى لأجد منفذا ، فإذا بالمحل يزدحم ، وإذا بالحالة تتحرج ويزيد الناس على طاقة الفضاء ، فيعمل البوليس عملا فى تخفيف الضغط ، وإذا بهذا العمل يكون إفراغ شىء مما فى بطن المحل ، وإذا بى أجد نفسى خارجا قبل أن اعمل شيئا غير أن أرى تهافت الناس وهذا الضابط العظيم ...

ويكافح الناس مرة أخرى ، وأجد نفسى داخل المحل ، فأرى نفس المنظر : تهافت الناس وهذا الضابط العظيم . فأشغل نفسى حتى يخف الضغط بتأمل ما حولى ، فإذا بهذا الضابط يشير إلى الثوب من القماش ، فلا يلبث حتى يكون أمامه ، ولا يمضى برهة حتى يكون البائع قد اقتطع منه بضعة أمتار ، ثم يشير إلى ثوب آخر ، فلا يلبث حتى يكون أمامه ، ولا تمضى برهة أخرى حتى يكون البائع قد اقتطع منه أمتارا ، حدث ذلك ثلاث مرات ، ثم وجدت نفسى مرة أخرى خارج المحل بين الجموع ... تخفيفا للزحام ...

ولثالث مرة وجدت نفسى داخل المحل ، ولثالث مرة رأيت نفس المنظر ، وكان عدد القطع التى اقتطعها الضابط قد بلغ قامته ، فقلت فى نفسى : لعل أخانا قد اكتفى ، فوقفت وراءه مترقبا انصرافه ، لكن الأمر لم ينته ، وزاد عدد القطع على عشرة ، فضاق صدرى ، وخشيت دفعة

أخرى أصبح بها خارج المحل للمرة الثالثة ، وعجبت لأمر هذا الضابط ، وليست به من حاجة لهذه الأقمشة الملونة ، فكيف يطبق هذا العدد من الألوان ، فتشجعت وتنحنحت ، ثم تشجعت ثانية فنطقت ، وقلت فى أدب :

- لعل سيدى قد انتهى

ونظر إلى سيدى هذا فى تعجب وقال فى استنكار :

- نعم ؟؟

وأثارنى استنكاره فقلت :

- أقول لعل سيدى قد انتهى من عملية التخزين ؟ وناديت البائع فى شجاعة قائلا :

- لقد اشترى حضرته ما يشاء فهات لى هذا الثوب . ولكن البائع - غفر الله له - نظر إلى فى استنكار وقال فى برود :

- حضرتك مش شايف أنى مشغول مع البيه ؟ وكدت انتهر البائع ، لولا أن أضاف الضابط فى تحرش ظاهر :

- يظهر أن حضرتك ما تفهمش فى الذوق والأدب .

وخرج من يدى زمام الأمر ، وزمام لسانى ، ورأيت نفسى خارج المحل . وتقدم أناس إلى الضابط يستعطفون ويلتمسون لى المعذرة ، على حين ظللت سا كتا لا أتكلم ، ولعله قد أجاب داعيهم أو داعيا آخر ، فقبل رجاءهم ونظر إلى الشرطى وصاح فى مروءة ظاهرة :

- أخل سبيله ، فلعل له من يعولهم ، ولعل هذا الدرس ينفعه !!

أما أنا فمضيت فى طريقى لاأدرى ماذا أفعل ؟ أأستأنف السير إلى حيث كنت أقاد لأشكو هذا الضابط ؟ أم أعود فأدفع نفسى للمرة الرابعة إلى داخل المحل لأنال الثوب الذى تحملت هذا العناء فى سبيله ، ثم انتهيت أخيرا إلى غير الرأيين ، فسرت إلى متجر آخر وكنت فى هذه المرة أسعد حالا ، فلم أجد زحاما يدفعنى إلى الخارج ، بل وجدت بائعا سمح الوجه يتلقانى ببشر وأدب .

قلت : أرنى ما عندك .

قال : إن ما عندى لن يسرك .

ودفع إلى بعدة أثواب قبيحة الألوان فقلت : أليس عندكم غير هذا ؟

فأجاب متنهدا :

- كان عندنا الكثير الرائع ، لكن ما العمل فى نهم الناس وجشعهم ، لقد التهموا كل ما لدينا من قماش جيد كأنما يأخذون زادهم الأخير ، وذكرت حادث الضابط فرددت دون قصد :

- ولم تسميه جشعا ؟ إنهم محتاجون لما يستر أجسادهم وتلك فرصة لن تعوض .

لكنه رد متأسفا : ليت الأمر كذلك ! لكنه الجشع ، والإسراف فى الاحتياط وليست الحاجة ، إنهم يغالون فى الاحتشاد للظروف فهم يشترون ويشترون خشية الغد ، ولا يدرون أنهم بعملهم هذا يقررون هذا الغد المخيف ، ويحرمون غيرهم ممن يحتاجون حقا إلى ثوب يواجهون به الشتاء ..

ولم تعجبنى نظرة البائع إلى ثوبى وهو ينطق بجملته الأخيرة ، لكننى مع ذلك تبسطت معه فى الحديث ، وخرجت دون أن أشترى شيئا . وانتصف اليوم فعدت إلى منزلى ؛ وحين خرجت بعد الظهر وجدت أغلب المتاجر قد أغلقت أبوابها لتتجنب ازدحام الناس مما يعرض السلع للتلف ، وهكذا أبت آخر النهار وأنا ألعن نفسى ، لأنها تفاءلت فظنت خيرا وسعت بى إلى ما رأيتم من متاعب .

وسكت صاحبنا قليلا فقال أحدنا :

- وعلى من اللوم فى القصة التى سردتها ؟

وقال صاحبنا :

- على من ؟ طبعا علينا نحن ، علينا كشعب لا تسىء إليه الظروف قدر ما يسىء هو إلى نفسه . أنظر أننى أرتاب فى فائدة ما اتخذت الدولة من إجراء للحد من الغلاء ؟ إننى إنما ألوم أمثال هذا الضابط ، وأمثال هذا البائع ، فالأول

يسىء فهم نفوذه،والثانى يسىء فهم ما رمت إليه الدولة ، فهى حين خلعت على هذا الضابط رداءه ومنحته نفوذه ، إنما فعلت ذلك لتيسر له سبيل واجبه فى حفظ النظام ورعاية القانون ، وحين فرضت على الأفراد طاعة أمثاله واحترام أوامرهم ؛ إنما عنت أن يستقيم الأمر ، فغاية الآمر وواجب المأمور هو النظام العام ، وإذا خرج الآمر عما هيىء له ، فقد خرج من منطقة نفوذه ، وسقط حق طاعته ، وإن أسرف فقد سقط واجب احترامه ، وهذا البائع كان يكون أحرص على النظام والقانون لو أنه رد هذا الضابط إلى صوابه وألزمه حدوده . فهذا عيب فينا يكلفنا الكثير من العناء ، واللوم

على البائع والضابط لن يخفف اللوم الواقع على هؤلاء الذين يسرفون فى الخوف والحرص،فيزيدون الأزمات تعقيدا ، أو يخلقون من ظل الأزمات أزمات، ويمهدون لما يخافون منه بإسرافهم فى الحرص على تجنبه .

أرأيتم من يسىء استعمال ما قصد به الخير إساءة هؤلاء السادة ؟ بل أرأيتم شيئا يدعو إلى الضيق كهذا الذى رأيته اليوم ؟ وبعد ذلك فأنتم تلوموننى وتزعمون أنى أسخط فى غير ما داع للسخط ، وأثور بغير سبب ؟ .

وتدرج صاحبنا فى تذمره فوقفنا بالحديث إراحة لأعصابه وأعصابنا .

اشترك في نشرتنا البريدية