قرأت فى مجلة أسبوعية كلمة لأحمد حسنين باشا عن الحياة الأدبية فى مصر ، قال فيها . إنه لا يوجد فى مصر نقد ولا نقاد ؛ وكان شاهده على هذا الرأى كتابه عن الصحراء الذى صدر منذ عشرين عاما . فهو يقول إنه حين أصدر هذا الكتاب وتوقع أن يسمع رأى الناس فيه ، لم يلقى إلا الورود تنثر عليه من كل ناحية ، وعند ذلك آمن بأنه لا يوجد نقاد فى مصر .
وكانت هذه الكلمة موضوع حديثنا ليلة الأمس فتناولها كل منا بالتعليق .
قال واحد - أذكر أنى قرأت هذا الكتاب وأعجبت به إذ ذاك كل الإعجاب ، وما يخلق بكاتب أن يتشكك فى قدر كتابه ، فيحسب إجماع الناس على الإعجاب به دليلا على ركود النقد أو انعدامه . . .
وقال آخر - إنى أعرف هذا الرجل ، وأعرف فى خلقه القويم سيطرة كاملة على قلبه ولسانه ويده ، وما أظن أنه قال هذا القول إلا وقد أحس فى كتابه ناحية جديرة بالنقد فهاله أن يراها هو ولا يراها الناس .
وقال ثالث - أما أنا فلا أعرفه ، وإنما أعرف أن فى كل كتاب جزءا ناقصا ، وأن إتمام هذا الجزء هو عمل الناقد ، وأن حياتنا الأدبية ازدهرت حينا وانتعشت أيام كان أعلام الأدب والنقاد يشرعون أقلامهم ليناقشوا كل شاعر أو كاتب الحساب ، ثم تلا ذلك ما نحن فيه ، عهد نثر الورود ، حتى ألف الكتاب ذلك ، وحتى ألفة القراء ، وأصبح نقد الكتاب يعد عملا عدائيا ، والتقريظ زكاة أدبية أداؤها فرض وإهمالها إخلال . . .
وكان صاحبنا (( س )) صامتا طوال هذا الحديث ,
فعجبت لأمره وقلت له :
- ألا رأى لك تبديه فيما نأخذ به من جدال ؟
قال - وأى رأى وفى قولة هذا الرجل العظيم كل ما يعتلج فى النفوس الأبية من ألم لما يسودنا ويغمر حليتنا من رياء ؟ أليس صاحبكم يعبر عن ثناء الناس بنثر الورود ؟ إنه ليعرف ما للورود من عرف ذكى ، وما للونها من جمال . لقد اشم ذلك العرف واستمتع بصره بذلك الجمال ، لكنه أقوى حساسية من غيره ، فاشم فى عمله وراء العرف شيئا ليس من الزهر ، ونفذت بصيرته فرأت وراء الجمال نقصا وعيبا ، ولقد قال أحدكم إنه رجل يحكمه خلقه القويم ، لذلك ساءه أن يرى فى نفسه ما أخفاه عنه الناس .
إن هذا الرأى يا إخوانى ليس حكما أدبيا خالصا ، إنه حكم أخلاقى أيضا ، إنه صرخة صادقة الباعث ، صادقة الغرض ؛ فنحن لا نشكو من شئ قدر شكوانا من نثر الورود ، من الرياء الذى يحلل أخلاقنا . تعالوا معى أيها الإخوان نحل جولة فى أى مجتمع : هذه جماعة يتوسطها سيد ملحوظ المكانة مرعى الجانب ، وهذا السيد إنسان له عقل وله هوى ، وقد يغلب عقله هواء غالبا , وقد يغلب هواه عقله مرة لها ما وراءها ، فماذا يكون موقف الناس منه ؟
أما الذين قبلنا فكانوا يقولون للمحسن أحسنت ، وللمسيء أسأت ، أما جماعتنا فهى تتخذ (( أحسنت )) هذه شعارا ، تقولها للمحسن وللمسيء ، وهى تعرف اساءة المسيء وتتحدث عنها وراء ظهره ، وهى تضفى عليها من السوء ما ليس فيها ، لكنها أمامه لا تقول إلا أحسنت .كل جماعة فى مجتمنا تفعل هذا ، وفى كل طبقة نفس هذا ، فى الجهلة والمتعلمين .
كنت أزور صديقا من ذوى النفوذ ذات يوم فإذا
به يناقش فريقا من عماله فى شأن من الشئون ، فأبدى واحد منهم رأيا بادى الصواب ، وبدا على وجوههم الارتياح ، لكن صديقى هذا تكلم وأدلى برأى آخر ، وكان رأيه بادى الخطأ ، فسكت أنا لأكفى نفس مؤونة التدخل فيما لا يعنينى ، وانتظرت أن يرد صاحب الرأى الأول صديقى إلى الصواب ، أو أن يناقشه غيره من العمال ليدلوه على الخطأ ، فما راعنى إلا موجة من الإعجاب تغمر الجميع ، فإذا هم متحمسون لرأى صديقى وكأنما فيه من الصواب ما يثير الأعصاب ، وإذا بالأمر يدبر على هذا الرأى الخاطئ .
وجلست لحظة شاردا حتى انصرفوا ، فنظرت إلى صديقى ونبهته إلى خطأ رأيه , فإذا به يضحك ويضحك , ويسخر من اعتراضى وقد تملكه إيمان عجيب بصواب رأيه ، إيمان لم ألمسه منه حين أدلى برأيه أول الأمر . . .
نثر الورود ! إنه داؤنا الفتاك يا أصدقائى ، نثر الورود فى سبيل المخطئ ، فيزيد ضلالا ، وما ضلاله إلا إيمانه بصواب ما يقترف ، فإذا ما استفحل ضلاله ومسنا الضر منه كنا أحد رجلين ، مراء ضيق الطاقة فى الرياء له بقية من صراحة ينفض عنها التراب ، وعراء واسع الحيلة يتخفف من حمل ريائه بنثر أشواكه خلف الورود ؛ أما الأول فما أحسب أن الشر إذا تضخم توقفه
نزوة خير عارضة ، فهو فاشل إذن ! وأما الثانى فما ينفذ الخير الشر أبدا ، وما هو بقادر إلا على أن يضيف إلى رذيلة الرياء , رذيلة النم والاغتياب . . .
كم من مخطئ ناشئ انقلب إلى آثم غريق فى الإثم بفضل ما نثر فى سبيله من ورود ؟!
وكم من صالح الطوية سليم دواعى النفس سار فى الشر عن غير قصد ، وكان خليقا به أن يرجع لولا أن زين له من حوله سبيل الخطأ بنثر الورود ؟ ! .
إنه الرياء الذى شكا منه صاحبكم العظيم ، ما أشكو منه أنا وما يشكو منه كل إنسان ، السادة والأتباع ، الحكام والمحكومون ، كلنا يشكو هذا الداء ، وكأننا ينثر الورود فى سبيل الغير ، ليحظى بالورود يوما فى سبيله ، حتى لقد أضحت حكمة زماننا الذهبية (( شيلنى واشيلك )) ! وإنى لأخشى يوما أن تسقط اعمالنا على رؤوسنا ، فلا ندرك ثقلها إلا حين تقعدنا عن السير . . .
وسكت صاحبنا ، وغمرتنا موجة من الإعجاب بما قال ، ولم نملك إلا أن نبدى له هذا الإعجاب ، ولكنه نظر إلينا حذرا وقال .
- وماذا أيضا ؟ أتنثرون الورود ؟ ! . . . . . .
