الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 259الرجوع إلى "الثقافة"

العيب الذى فينا :

Share

قال صاحبنا وقد تملكته ثورة غضب عنيفة .

- أيرضيكم هذا ؟

ودفع إلينا صحيفة أسبوعية فى يده مشيرا إلى مقال معين ، فأخذ أحدنا الصحيفة وقرأ لنا المقال .

وقال أحدنا :

- وما يثيرك فى هذا ؟ إنسان أبدى رأيا فرد عليه آخر فى شىء من العنف ؟

قال صاحبنا :

فإليكم الخبر . أما الإنسان الذى أبدى فهو رجل محنك بلغ من العمر حافة حلقته الخامسة ، محنك فى موضوع الرأى الذى أبداه ، إنه فنان والرأى الذى أبداه فى الفن ؛ وأما الآخر فهو فنان ناشىء قدم لونا من ألوان

الفن ، ورفق فى تقديمه وكوفىء على توفيقه بباقات الثناء قدمت له من كل من شهد عمله ، وتنبأ له الكثيرون ، وأنا منهم ، بمستقبل زاهر ؛ ومضت الأيام والناس تذكر بالخبر عمل هذا الناشىء فى الفن ويتوقعون خطوته الثانية فى كثير من التمنى والأمل ، فإذا العام يدور دورته وصاحبنا لا يعمل عملا ، ثم تعلن الصحف أنه وشيك أن يطلع على الناس بخطوته الثانية ، وتفيض فى جلال هذه الخطوة وفى روعتها . ويرى الناس خطوته الثانية فإذا به يرجع إلى الوراء ولا يتقدم ، وتليها خطوته الثالثة وهو أيضا يرجع إلى الوراء ، ويتبدد أمل الناس ويطغى بأسهم حتى ليظن بعضهم أن توفيقه الأول كان محض مصادفة .

وهذا المقال الذى قرأتموه يكشف السر عن فشل هذا الفنان الناشىء ، بل لعله يكشف السر عن عيب من عيوبنا الشائعة ؛ فقد رأيتم أنه يرد على شيخ محنك فى الفن لأنه أبدى رأيا يخالفه ، فيتهمه بالجهل والقصور ، ويتهجم

على الخبرة الطويلة معتزا بنزعة الشباب ونشاطة ، محقرا قيمة التجارب .

قلت : - كأنك لا ترضى عن حرية الرأى ؟

قال : - بل إنى أدعو إليها ولكننى أدعو أيضا إلى قوة الخلق ، فالمرحلة بعيدة بين حرية الرأى وما ترون ، إنه الغرور فى حالتنا هذه ، الغرور الذى يتملكنا ويصبغ تصرفاتنا إذا ما صادفنا بعض النجاح . إنها ليست حرية الرأى وإنما هو الغرور الذى يدفع شابا أن يسخر برأى خبير مجرب وأن يتغنى بالشباب ، وآراء الشباب ، وعزيمة الشباب ، وأين الشباب فيما يدعى وقد سبق ما حدثتكم عنه من فشله مرتين بعد أن أسكرته خمر النجاح مرة . وإنما اخترت هذا المثل الذى سقته لكم لأننى راقبت حال هذا الشاب منذ أول خطوة حتى اليوم . عرفته حين كان شابا ساذجا حييا متواضعا يقدم باكورة إنتاجه الفنى خجلا يترقب ؛ وعرفته حين وفق فلقى جزاء التوفيق كل الثناء وكنت ممن غمروه بالثناء ؛ وعرفته بعد ذلك يتغير كل شىء فيه ، فتختفى مسحة الحياء والتواضع من وجهه ويحل محلها كبرياء فيه من القحة أكثر مما فيه من الثقة والاعتداد . ولقد سمعته أكثر من مرة يتحدث فغالطت أذنى ، ذلك أن حديثه لم يكن حديث شاب يملؤه الأمل ، بل حديث عبقرى جبار قد وصل ، سمعته يحقر من أعمال غيره ويتحدث عن نفسه حديثا عجبا ، فهو يشيد بجهوده ويعدد مواهبه دون أن يتملكه الخجل من مدح نفسه .

عرفته إذ ذاك ، ثم عرفته بعد ذلك حين تهاوى وانحدر ولم يتهاو غروره ولم ينحدر كبرياؤه ، بل ظل على ما هو عليه ، ملأ الغرور عقله فلم يتسع بعد ذلك لعلم أو تجربة ؛ وأين تأوى المعلومات وليس لها مكان فى رأسه ؟ وأين تحل الخبرة إذا كان مكانها قد ملىء فى عقليته بالصلف والغطرسه ؟ وكلما حاول إنسان أن يرده إلى صوابه ثار فى

وجهه ورماه بالجهل ، ورماه بالحقد مستكبرا على النصح ، مستنكرا أن يوجد فى الناس من يرشده أو يوجهه ؛ هكذا فعل مع كل الناس من قبل ، وهكذا رأيتم اليوم كيف يرد على واحد أكثر منه خبرة وأكبر سنا ، فلا يناقش الحجة بالحجة ، ولا يصطنع الأدب الواجب لمن يملك الحق فى جانبه ، ولا يرعى واجب اللياقة الذى يفرضه بعد ما بينهما من سنوات فى العمر وفى الحنكة والدراية ، أترون فى شىء من ذلك ما يسمى بحرية الرأى ، أم أنه الغرور !

إنه داء من أدوائنا المستعصية ، نحس نتائجه كل يوم ، ونلمسها فى كل عمل رائع المطلع بارع الاستهلال ، لا يكاد يبدو بريقه حتى يخبو لهيبه وينطفىء نوره ، نلمسها فى كل كاتب أو شاعر أو فنان ناشىء ، نسمع باسمه مرة يختفى كأنه زبد لامع أخاذ ، عشرات من هؤلاء الناشئين الذين طالعونا يوما بسنا لم يكد يلمع حتى انطفأ قد قتلهم الغرور وكانت ترجى لهم حياة موفورة ، كلهم هذا الشاب الذى قدمت لكم صورة من عقليته ...

وسكت صاحبنا على مضض ، وكأنما يريد الإفاضة فلا يطاوعه لسانه ، أو لعله أشفق بنا وبنفسه من هذا الوجوم الذى علانا ، فلم تملك معه إلا أن تجاريه فى السكوت ...

اشترك في نشرتنا البريدية