في يوم ١٢ يوليه عام ١٨٥١ وقع عباس باشا الأول اتفاقا بينه وبين المهندس العالمى روبرت ستيفن لإنشاء خط حديدي من الإسكندرية إلى القاهرة والسويس ، وبذلك يكون قد انقضى قرن كامل على مد أول خط حديدي في القارة الأفريقية بل في الشرق بأسره .
والحقيقة أن موقع مصر الجغرافي وهو الملتقي الطبيعي لقارات آسيا وأوربا وأفريقية جعل لها أهمية خاصة ومركزا تجاريا تحسد عليه . وورد اسم مصر في الكتب المقدمة باعتبار أنها طريق تجاري عالمى وأن فيها أهراء العلال ومستودعات الحبوب . وظلت مصر أجيالا طويلة وهي تملك طريقي التجارة بين الشرق والغرب . وأخيرا برزت عند فريق من رجال الأعمال في انجلترا فكرة اختصار الرحلة إلى الهند عن طريق الإسكندرية وأحد موانئ البحر الأحمر ، وظلت هذه الفكرة تشغل الأذهان وقتا طويلا إلى أن كتب النجاح لضابط بحرى هو الملازم توماس واجهورن ، فأنشأ ما أسماه بالطريق البري "أوفر لاند روت" وهو عبارة عن طريق يبدأ من القاهرة إلى السويس في الصحراء ، فكان القادمون من أوربا يهبطون الإسكندرية ثم يسافرون بالنيل إلى بولاق وبعد أن يقضوا في القاهرة يومين أو ثلاثة وبينما يفرغ البريد والبضائع في بولاق يستقلون مركبات الإمتيبوس تجرها الجياد إلى السويس ومنها يستقلون البواخر إلي الهند والشرق الأقصى .
وأخذت أهمية "الطريق البري " تزداد شيئا فشيئا حتى تحولت إليه تجارة الشرق ولجأت إليه الحكومات الأوربية في إرسال بريدها إلى الهند ، وبلغ متوسط عدد المسافرين بهذا الطريق هو عشرة آلاف مسافر سنويا . وأكبر محمد على المشروع لفائدته ، فأنشأ مصلحة حكومية خاصة هي " الأمرارية " تتناول الإشراف على حركة نقل المسافرين
والبضائع والبريد وأعمال السفن النهرية التي تجري بين الإسكندرية وبولاق ، فضلا عن إشرافها على حظائر الخيول في الطريق الصحراوي وحفر آبار ارتوازية .
في هذه الفترة كان الإنجليز قد فرغوا من مد الخط الحديدي بين ليفربول ومنشستر ، وهو أول الخطوط التي افتتحت للاستغلال التجاري ، فاتجهت النية إلى تعميم التجربة في مصر والاستعاضة بها عن الطريق البري .
ويبدو لنا أن تقدم المشروعات الصناعية في أوربا في خلال القرن الثامن عشر والتنافس الاقتصادي بين الدول قد أدى إلى البحث عن مواصلات سريعة لتصريف الإنتاج في ربوع الشرق بأيسر طريقة ، وكانت مصر هي حلقة الوصل بين الغرب والشرق فاتجهت الأنظار إليها لاتخاذها طريقا إلى الشرق .
وكان محمد على الكبير في مقدمة المحبذين لمشروع مد خطوط حديدية تصل الإسكندرية بالسويس ، فقد كان حقا طالما داعب مخيلته وأمنية تتفق مع رغباته السامية ، فيجعل من مصر قاعدة لتصريف الإنتاج الصناعي الأوربي . وأعطيت مناقصة " لبيت جالواي " في لندن للإشراف على ابتياع مهمات الخط الحديدي المقترح مدة مع البحث عن مساهمين يمدون المشروع بالمال ومفاوضة الحكومة البريطانية في الترخيص لها بالنقل على الطريق في مقابل ثلاثة بنسات عن كل رسالة تنقل إلى الهند وبالعكس . وفي صيف عام ١٨٣٥ وصلت إلى ميناء الإسكندرية أول رسالة من الهمات والأدوات والقضان والقاطرات والمركبات . وهنا برزت مشكلة سياسية عرقلت تنفيذ المشروع ... كانت الزاحمة السياسية بين كل من فرنسا وانجلترا للسيطرة على مرافق المواصلات إلى الشرق قد قويت . وخشيت فرنسا أن يعرقل مشروع مد السكة الحديدية نيتها المبيتة فى حفر
قناة تصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر . وكانت حجة فرنسا التي تقدمت بها إلى محمد على أن منح امتياز خط القاهرة - السويس الحديدي للانجليز فيه مضار وأخطار كثيرة ، فهو ان يعود بأرباح على خزانة الدولة ، وأن معناه وضع عنق مصر تحت أقدام إنجلترا . إذ أن الأنجليز سوف يطالبون في المستقبل بامتيازات أشد خطورة كالسماح بمرور الجيوش البريطانية المتجهة إلى الهند بوساطة هذا الخط ، فضلا عن أن المؤسسات التي ستصحب المشروع كالمحطات والمصانع وورش الصيانة ومحازن الفحم ستكون انجليزية محتة ، فضلا عن أن المشروع من الناحية الاقتصادية قد لا يأتي بربح أكثر من واحد فى المائة من رأس المال .
وكان رد محمد علي فى النهاية : أن مصر ليس عندها المال الكافى لتقوم وحدها بإنشاء الخط الحديدى وأن الخط غير ضرورى فى الوقت الحاضر .
أما المهمات التي وصلت إلي الإسكندرية فظلت متروكة على أرصفة الميناء نحو خمسة عشر عاما إلى أن علاها الصدأ . وبقيت الطرق الحديدية فى مصر فى مقدمة المسائل الحيوية التي تعيرها انجلترا اهتماما بالغا ، وتتحين الفرص لتنفيذها ، على حين كانت فرنسا تحبذ مشروع حفر القناة مع محاربتها طريق السويس الحديدي .
وكانت وفاة محمد على فرصة طيبة لا تجلترا التي لم تتوان عن توطيد علاقتها بالوالى الجديد وعرض خدماتها عليه بغية الحصول على امتياز مشروع إنشاء السكك الحديدية وتفويض سياسة فرنسا في مصر مع الحياولة دون تنفيذ مشروع حفر القناة .
وكان لكفاية مستر والم قنصل انجلترا فى القاهرة دخل فى الموضوع ... كان هناك شبه فتور بين عباس الأول وبين الباب العالي ، وحاول رجال الدولة العثمانية من ناحية أخرى أن يطبقوا على مصر القانون المعروف بقانون التنظيمات ، فاستعان مستر والم بوساطة سفير انجلترا في استامبول لكى يحمل الباب العالى على تغيير سياسته نحو مصر ومنع رجال الدولة العثمانية من التدخل في شئونها الخاصة ، والسعي فى تغيير نظام وراثة العرش ليئول إلى الهامي نجل عباس الأول . وانتهز القنصل الإنجليزى فرصة نجاح شطر من
مسماء ، فأخذ يزين للوالي الجديد مشروع إنشاء سكة حديدية أستغلها الحكومة المصرية وتستولى على إيرادها ، إلا أن عباسا الأول كان يخشى سطوة فرنسا ، فكلف مسيو ليموان أن يسأل فرنسا عن نوع المساعدة التى يمكن أن تقدمها فى حالة إنشاء خطوط حديدية فى مصر ، ولكن مسيو جيزوه وزير خارجية فرنسا مع اعترافه بالفوائد التى تنجم عن تنفيذ مثل هذا المشروع كان مهتما بفكرة حفر القناة تمهيدا لسيطرة فرنسا على طرق المواصلات إلى الشرق .
ورأى عباس الأول أن فرنسا تهتم فى الواقع بمشروع القناة أكثر من اهتمامها بمشروع الخط الحديدى فآثر الإذهان إلى مشيئة انجلترا والالتجاء إليها لتتولى بمعرفتها القيام بالمشروع .
وفى خريف عام ١٨٥٠ وفد على مصر روبرت ستيفن نجل مخترع السكك الحديدية بقصد النزهة والسياحة ، أما فى الباطن فلتقديم مشورته الفنية إلى الوالى بشأن الخطوط الحديدية المقترح مدها ، كان من رأي ستيفنسن أن يبدأ الخط الحديدي من القبارى إلى القاهرة فالسويس لعدة أسباب . منها : ان المواصلات بالنيل ليست علي ما يرام ، فالنهر لا يصلح الفلاحة إلا مدة خمسة أشهر فى السنة والسفن التى تجرى فى عرضه لا تزيد حمولتها على خمسين طنا ، فضلا عن أن البدء بمد الخط من الإسكندرية يسهل نقل المهمات والأدوات والقضبان إلى داخل البلاد .
ومن الطريف أن تذكر أن المباحثات كانت تجرى بين عباس الأول ومستر والم وستيفنسون سرا فى الليل فى قصر الوالى الواقع بناحية " الدار البيضاء " على طريق السويس الصحراوي ، وكان الغرض من التكتم فى هذه المباحثات ألا تتسرب إلى فرنسا فتكون سببا فى عرقلة المشروع ، إلا أنه على الرغم من تلك الحيطة فقد اتصل بقنصل فرنسا بعض التفصيلات المتعلقة بالمشروع فاحتج على ذلك ، غير أن عباسا الأول أكد له أن إدارة السكك الحديدية ستكون مصرية ولن تمتد إليها الأيدي الإنجليزية إلا فى الأعمال الفنية البحتة ، وأن الترانسيت والبريد لن يعطى امتيازهما لدولة ما أجنبية، وسافر نوبار باشا فى خلال ذلك الوقت إلى لندن حاملا
(البقية على الصفحة التالية)
معه العقود الرسمية للمشروع للتصديق عليها والإشراف على شراء وشحن المهمات والأدوات والقضبان الحديدية . وبادر عباس الأول بأن أصدر أمرا بتعيين الحاج عبد الله أغا الإنجليزي فى منصب مدير عام السكك الحديدية المصرية . وفاء لوعد قطعه على نفسه ، فقد كان عبد الله أغا يعمل مترجما فى القنصلية الإنجليزية فى القاهرة . وكان بطبيعة عمله يشهد المحادثات التي تجري فى قصر " الدار البيضاء " ويقوم بمهمة الترجمة ، واستطاع أن يظفر بثقة الباشا وأن يحصل منه على وعد بأنه لو تحسنت الأحوال بين مصر وتركيا ونفذ مشروع السكك الحديدية فإن الباشا يعده بمكافأة ، فوعده بتعينه أول مدير للسكك الحديدية ، ومنحه رتبة أميرالاي ووهبه هبة قدرها ألفا جنيه وقصرا فى الحفية .
وفى أول سبتمبر عام ١٨٥١ وقف ستيفن فى منطقة
القبارى ومعه طائفة من المهندسين الأنجليز تحيط بهم جموع العمال والفلاحين والجنود ، وضرب بيده المعول الأول فابتدأ العمل فى الحال ، وما أتى شهر إبريل عام ١٨٥٣ حتى كان الخط من الإسكندرية إلى كفر الزيات قد فرغ من مده وسارت عليه القطر بانتظام .
هذه هي المرحلة الأولى من مراحل إنشاء السكك الحديدية في مصر ، وهي مرحلة كانت محفوفة بالصعاب والعقبات من سياسية إلى اقتصادية ؟ ولكن على الرغم من ذلك فإن من المآثر التى تفخر بها مصر أنها رابع دولة فى العالم وأول دولة فى الشرق استخدمت القطار ، وهو رسول المدنية ورمز الحضارة ودليل الرقى والعمران ، يصفر فيبشر الناس بقوة العلم ومجد الانسان ، ويجري فيحمل إليهم شتي الأرزاق والخيرات .
