الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183 الرجوع إلى "الرسالة"

العيد المئوي لمعهد مصري جليل

Share

كان الاحتفال بالعيد المئوي للمدرسة الخديوية حادثًا فريدًا في تاريخ مصر الثقافي والاجتماعي ، فقد انقضت مائة عام كاملة مذ قام هذا المعهد الجليل ليعنى بالثقافة الإعدادية أو الثانوية ؛ وكان قيامه في سنة ١٨٣٦ في أبي زعبل مكان مدرسة الطب القديمة ،

ثم ألحق بعد ذلك بمدرسة الألسن الشهيرة التي كان مقرها مكان فندق شبرد الحالي ، والتي كان مديرها العلامة الشهير رفاعة رافع بك الطهطاوي ؛ ثم أعيد بعد ذلك إلى أبي زعبل ، ثم إلى بولاق ، ثم إلى العباسية ؛ واستقر أخيرًا في بنائه الحالي بسراي فاضل باشا بدرب الجماميز منذ سنة ١٨٨٨ ، أعني منذ ثمانية وأربعين عاما ، وأطلق على المعهد اسم " المدرسة التجهيزية "

إشارة إلى مهمتها في إعداد الطلبة للالتحاق بالمدارس العالية أو الخصوصية كما كانت تسمى في ذلك الوقت ؛ ثم أطلق عليها اسم المدرسة الخديوية أيام إسماعيل باشا ، وكان التعليم فيها داخليا مجانيًا حتى أواخر القرن الماضي

وقد أنجبت المدرسة الخديوية خلال عمرها الطويل الحافل ثبتًا باهرًا من العلماء والعظماء والزعماء في كل ضرب وفن ،

وزودت مصر الحديثة بمئات من أبنائها البررة الذين عملوا على تقدمها ، وشادوا نهضتها الحديثة ، وقادوها في مختلف نواحي حياتها العامة ، وسهروا على مصايرها وتسديد خطاها طوال هذه الحقبة المليئة بالحوادث والخطوب من تاريخها . والمقام أضيق من أن يتسع لتعداد هذا الثبت الباهر ؛ ويكفي أن نذكر أن صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا زعيم مصر المستقلة هو من خريجي هذا المعهد الجليل ، وأن أكابر رجال الدولة الآخرين الذين شهدوا الاحتفال بصفة رسمية كرئيس مجلس الشيوخ ،

ورئيس مجلس النواب ، ووزير المعارف كلهم من خريجيه ، وأن منهم أعلامًا ساطعة كأميري الشعر الحديث صبري باشا وشوقي ٨٠٣

بك ، وإمام الوطنية المصرية الشاب مصطفى باشا كامل وكان الاحتفال بالغ الروعة والجلال ؛ وقد بدئ في اليوم الأول ، وهو يوم الاثنين الماضي بإقامة حفلة رياضية شائقة في النادي الأهلي اشترك في مباراتها كبار الرياضيين القدماء من خريجي الخديوية ؛ وكان منظرًا شائقًا مؤثرًا أن ترى أولئك الكهول الذين شابت نواصيهم وصلعت رؤوسهم يرتدون ثياب اللعب القديمة فرحين جذلين ، ويلعبون متأثرين متحمسين ؛ ثم أقيمت في المساء بدار الأوبرا الملكية حفلة تمثيلية موسيقية ؛

وفي اليوم التالي أقيم الاحتفال الرسمي الكبير في سرادق فخم رحيب نُصب في فناء المعهد القديم ، واحتشد فيه آلاف من خريجي الخديوية ، وانتظموا جماعات يجمع بينها عهد التخرج ؛ وكان لقاء الخريجين بعد هذا البعاد الطويل مؤثرًا ، وكان بعضهم يعانق بعضًا في مظاهر من الحنان المشجى ، وألقيت في الاحتفال خطب رنانة ، اشترك فى إلقائها وزير المعارف ، ورئيس الوزراء ، ورئيس مجلس الشيوخ ، و ناظر المدرسة الحالي ،

وبعض الخريجين وبعد أن قام مندوب جلالة الملك بوضع الحجر الأساسي بفناء المعهد الجديد اختتم الاحتفال بمنظر بالغ في الطرافة والروعة ، إذ هرع المدعوون جميعا وفي مقدمتهم مندوب جلالة الملك والوزراء والعظماء والخريجون على اختلاف أعمارهم ومراتبهم إلى قاعات طعام معهدهم القديم ، وجلسوا جميعا يتناولون الشاي والفطائر على موائدهم الخشبية القديمة عارية كما عرفوها أيام الدرس ، فكان لذلك منظر مرح مؤثر معًا

اشترك في نشرتنا البريدية