الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 49 الرجوع إلى "الثقافة"

الغراب

Share

المعروف عن أدجار ألن يو ، هو أنه قصاص ممتاز ، وأن خياله يكاد يقطن عوالم الفناء ، ينقل لنا عنها ما يملأ النفس رعبا ؛ وفى الحق أننا لا نعرف من القصاص من هو أشد من بو أخذا بالنفس ، وإيلاما للحس ، وإلهابا للتصور .

وعلى قصصه غشاء ينم غالبا عن معنى رمزى يستطيع الممعن فيه الكشف عنه ، وهذا لون من الأدب يذهب إليه تفضيلى ، وذلك لأنى أتصور النفس البشرية دائما ككل مختلط معقد ، لا سبيل إلى تمييز ما يشغله من محس أو مدرك ؛ ونحن فى غالب الأحيان لا نرى فى نفوسنا إلا ما يشبه السديم ، وفى هذا السديم عادة من الغنى ما لا سبيل إلى تفصيله وتحليله مهما أعملنا فيه ذكاءنا ، إذ من الثابت أن كل مركب يعدو وحداته .

المكونة ، فالسبيل إلى أداء ما يختلط بنفس متجاوية الأصداء ما أحسبه يستقيم بغير الرمز والإيحاء ، فيه تحمل الوقائع المادية لون نفوسنا ، ونحن لا نؤمن للأدب بغاية أسمى من أداء ذلك اللون .

والوقائع المادية لا شك أغنى من كل معنى مجرد ، إذ كل قارئ يستطيع أن يحملها على أن تدع بين يديه ما يحسه خلفها من معنى ، وغنى الأدب لا يمكن أن يكون إلا غنى احتمالات ؛ ومن منا يستطيع أن يصل بوضوح إلى ما يتصل بأعماق نفسه .

قصص « أدجار بو » من هذا النوع ، يحسبها القارئ العجل هذيان محموم ، ولقد كان الرجل محموما بالفعل ، ولكن ذلك لم يمنعه من الخوض وراء أبعد المعانى يؤديها فى وقائع ما كان يستطيع بدونها استقصاء ، ولتلك الوقائع لون صبغتها به نفس « يو » المضطربة الجائشة الحزينة .

وليس بو فى ذلك نسيج وحده ، فالأدب الانجليزى على العموم ، وخصوصا الشعر فيه ، يمتاز عن الأدب الفرنسى بعماء مقاصده وكثرة أسراره ؛ وآداب البلاد الشمالية أمعن من الأدب الانجليزى فى تلك الخاصية ؛ ففى روايات ومسرحيات أبسن Ibsen ضباب كثيف ، يسبح فيه القارئ أو المشاهد ، وكأنه فى عالم مسحور ؛ وفى الأغانى الشعبية لبحارة مقاطعة بريطانيا بفرنسا من نسمات ما وراء الحياة ما يقود الخيال إلى ظلمات كثيفة ، ترقص لها النفس طرباً ؛ والنفس أحوج ما تكون إلى أن تنتزع حينًا مما درجت فيه لتتحرر من ملل الاطراد .

فى هذا النوع من الأدب جمال لا أستطيع أن أصفه

بغير أن أطلب عون حواسى ؛ هو جمال من يقنع بالوميض دون الوهج ، لعلمه أن خير الحمال ما نلمحه دون استقراء كالمرأة الجميلة تسلب حواسنا ما ا كتفينا باللمحة وما استترت صورها خلف رقيق الثياب ؛ وأى وجه أجمل منه عندما يختلط إطاره بما يلابسه من ظلام ؟ وأي وجه يثبت جماله لقاسى الضوء .

« بو » إذا قصاص وقصاص أصيل ؛ ولكنه إلى جانب ذلك شاعر ، وشاعر منقطع النظير ، ولقد يحسب القارئ لما يعلمه عن بو من انحلال فى الحياة أن شعره كالطائر الغرد تسكره حبات العنب فيغرد كيفما اتفق ؛ ولكن الأمر ليس كذلك ؛ فبو شاعر صناع ككل شاعر مجيد ، بل لقد تبلغ الصنعة عنده أبعد من الكمال ؛ وليس فى ذلك عيب ، وإنما العيب أن نظن أن أدبا ما يستقيم بغير الجهد الطويل .

والناظر فى شعر بو وفى لغته واجد آثار تلك الصنعة ، فهو إن وصف ساق إليك بأسماء الأصوات وأفعالها من الصور السمعية ما يهيئ لبصرك عوالم من الرؤيا فى حفل زاخر يأخذ بأصلب النفوس معدنا ؛ وهو يعطيك لون نفسه بشطرة يختتم بها مقطوعات شعره ، يكررها تباعا حتى تدمغ نفسك بلونها كدقات الفضاء المتتابعة . وهو قبل أن ينفض مكنون نفسه يهيئ له جوا كالاطار يزيد اللوحة بهاء . ثم هو فى شعره قصاص يمر بك من بسط إلى حوار ومن حوار إلى بسط ، فانتباهك دائما يقظ ونفسك معلقة بشفتيه .

وفى شعره من موسيقى اللفظ ما لا أظنه اتفق للكثير ؛ وللقارئ إن أراد أن يراجع شعره وقلمه بيده ليحصى تتابع الأحرف المختلفة فى البيت الواحد ، فسيرى أنها تنتظم مجموعات يقابل بعضها بعضا ، كما تقابل كل مجموعة منها فى جرسها لون المعنى المقصود إشراقا وظلمة ، وبسطا وانقباضا ، وذلك أن للأصوات المختلفة وقعا فى النفس يمكن بسهولة بعد مران قليل أن نصل إلي تمييزه ، وهو واجد فى أوزان

شعره طرقا للأداء تعجز عنها الألفاظ يجمع بينها من يدعى الشعر فى تفاعيل لا تمت إلى المعنى بأى سبب .

من خير قصائد بو قصيدته المسماة بالغراب ، بل هى خيرها ؛ وفى الحق أننى لا أعدل بها قصيدة أخرى فى أى شعر كان ؛ ولست أنا أول من أولع بها ، فقد ترجمها « مالارسيه » إلى الفرنسية ، كما ترجمها من بعده « بودلير » وحللها أجمل تحليل .

« الغراب » قصيدة رمزية ، فقد تصور الشاعر أن ذكرى حبيبة له واسمها « لينور » أتته فى ظلام الليل زائرة فى صورة غراب ضخم مخيف ؛ وهو فى تلك القصيدة يقص تلك الزيارة فى شعر اجتمعت فيه عبقرية ذلك الرجل .

ونحن اليوم ننقل إلى القارئ عن الانجليزية تلك القصيدة ، والقصيدة على مشقتها سهلة المأخذ ، فبإيضاح قليل تنفذ إلى أسرارها ؛ وأعز أمانينا أن يتمهل القارئ عند مقطوعاتها فسيجد عن صبره أجمل العزاء .

قال بو :      كان الليل المخيف فى منتصفه وقد قوست ظهرى فى عناء المتهافت فوق جملة من المجلدات الغريبة النادرة ، أستطلع ما بها من علم دارس . تمايل رأسى كمن فى سنة ، وإذا بدق فجأنى . دق سيد رفيق بباب غرقتى « إن هو إلا طارق يدق ببابى . هو ذلك ولا شىء غيره » .

آه . أذكر أوضح الذكرى أننا كنا فى ديسمبر الحالك القارس البرد ، والجمرات تطرز تباعا أرواحها فوق أرض الغرفة قبل أن نحتضر ، وقد نزعت نفسى بلهف إلى الصباح . عبثا كنت أحاول أن ألتمس فى كتبى مرجئا لما فى النفس من حسرة : حسرة من فقد « لينور » ، إذ تلك الحسناء المشرقة المنقطعة النظير التى تسميها الملائكة « لينور » لن يتردد اسمها هنا بعد اليوم .

لقد كان فى حفيف ديباج الستائر الخافت ما يملأنى رعبا ، رعبا خارقا ما شعرت بمثله من قبل ، فنهضت قائما لعلى أهدئ من ضربات قلبى ، وأخذت أردد : « إنه طارق يلتمس مدخلا إلى غرفتى ، طارق ليل يلتمس مدخلا إلى غرفتى . هو ذلك ولا شئ غيره » .

عادت نفسى إلى التماسك فصحت فى غير تردد ولا مهل : « سيدى ، أو سيدتى ، بكل إخلاص أرجو عفوك أيها الزائر إذ كنت فى سنة ، وقد أتيت بكل رفق تدق ببابى ، تدق دقا متهافتا لم أكد أسمعه » . ثم فتحت الباب على مصراعيه فإذا به الظلام ولا شئ غيره .

أمعنت البصر فى الظلام ، وظللت فى مكانى فى دهشة المرعوب ، وقد انسابت إلى نفسى الشكوك والأحلام ، أحلام لم يجسر قبلى أحد أن يحلم بمثلها ، ولكن الصمت ظل مطبقا ، والهدوء لم يحركه قول ، إلا كلمة واحدة همس بها هى « لينور » همست بها دون أن يرتد إلى غير الصدى « لينور » ذلك ما كان ولا شئ غيره .

عدت إلى الغرفة ، ونفسى تحترق فى مكنونها ، وإذا بالدق يعود أقوى مما كان ، فقلت : إنه لا شك بالنافذة . هيا نرى من هنالك لعلنا نستطلع السر . لنهدأ أيها القلب حتى نستطلع السر ، إنها الريح ولا شئ غير ذلك .

فتحت النافذة على مصراعيها ، وإذا بغراب مهيب كغربان العصور الخالية يدخل الغرفة فى حركة وحفيف . لم يحينى أقل تحية ، ولا وقف ، ولا مكث بالمدخل دقيقة واحدة ، بل انطلق فى جلال الأشراف . انطلق إلى أعلى باب الغرفة . انطلق إلى التمثال النصفى « لبالاس » بأعلى

الباب . نزل به واطمأن فى جلسته ، ولا شىء غير ذلك .

ثم ساق ذلك الغراب الأسود خيالى الحزين إلى الابتسام ، بجلسته الكئيبة المتكلفة ، فصحت به : (( إنه وإن تكن حليقا أصلع ، ما أحسبك غرابا أيها الشبح المخيف . أيها الغراب العتيق المنطلق من شواطئ الظلام . خبرنى عن اسمك فى عالم الموت المظلم ))  فأجاب : (( هبهات ! )) .

ملأتنى الدهشة إذ سمعت ذلك الكائن الدميم ينطق بالجواب بهذا الوضوح ، وإن لم يكن لجوابه معنى ولا رابطة بالسؤال . إذ يجب أن نسلم بأنه لم يتح لإنسان قبل ذلك أن يرى بأعلى باب غرفته طائرا أو حيوانا نازلا فوق تمثال نصفى يحمل الأسم « هيهات » .

ولكن الغراب من أعلى التمثال الصامت لم ينطق بغير تلك الكلمة ، حتى لكأنه أسلم فيها روحه . لم ينطق بغير ذلك ولا حف بريشه ، حتى حرت فى أمرى ، ولم أجد إلا أن أقول : (( لقد ترحل عنى من قبل أصدقاء ، ولا شك أنه عند الصباح طائر عنى هو أيضا كما طارت جميع آمالى » . ولكن الطائر أجاب قائلا : « هيهات ! » .

انتفضت إذ جاء ذلك الجواب الفاصل يحرك السكون حولى قائلا : لا شك أن هذه الكلمة هى كل ما يملك من لفظ . حفظها عن سيد له . سيد نزلت به الأحداث بغير هوادة ، تطارده فى عنف أشد من عنف ، حتى لم يعد له من قول إلا تلك الكلمة ، وحتى استحالت آماله إلى أغنية تختتم مقاطعها تلك الكلمة « هيهات ؛ هيهات ! » .

ولكن الغراب استمر يسوق نفسى الحزينة إلى الابتسام ، فدفعت مقعدا وثيرا إلى أمام الطائر والتمثال والباب ، وألقيت بنفسى إلى ديباج المقعد ، وأخذت أنظم خواطرى

خاطرا خاطرا ، متسائلا عما يمكن أن يكون هذا الطائر العتيق ، وقد اجتمع به القبح والنحس والضمور ، ثم بما يعنى عندما ينعق باللفظ « هيهات ! » .

وظللت مستغرقا فى أحداسى دون أن أفوه بمقطع واحد أمام هذا الكائن ، وقد أخذت عيناه ترسل إلى أعماق قلبي لهيبا من النار . وازددت استغراقا وقد طرحت رأسى إلى ظهر المقعد ، الذى يكاد ضوء الصباح ينهب ديباجه ، ترى هل ستعود فتتكئ إلى هذا الديباج والضوء ينهبه . « آه ! هيهات ! » .

ثم لاح لى أن الهواء قد ازاد كثافة مما يتطاير فيه من عبيق مبخرة لا أراها ، مبخرة تلوح بها ملائكة أسمع وقع أقدامها على أرض الغرفة المنتثرة زهرا . وصحت : « أيها البائس ، لقد أرسلت لك السماء بردا وسلاما لتسلو عن ذكرى ( لينور ) ، تمتع بما أنت فيه ، تمتع به بكل قواك وانس ( لينور ) ! » وإذا بالغراب يصيح : « هيهات ! » .

فرددت : « أيها الرسول ، رسول الشر . أيها الرسول ، طائراً كنت أم شيطانا رجيما ، سواء أساقتك إلى أرواح النواية ، أو حملتك قوة العواطف - أيها الطائر الحزين بوحدته - وإن لم يفقد بأسه ، بتلك البيداء المسحورة - بهذا البيت الذى أوى إليه الذعر - قل لى وايم الحق . قل لى أضرع إليك . أما هناك من بلسم في واد من الوديان . قل لى وربك . قل لى أضرع إليك » . فأجاب : « هيهات ! » .

فعدت قائلا : « أيها الرسول ، رسول الشر ، طائرا كنت أم شيطانا رجيما ! بحق تلك السماء التى تحنو

علينا . بحق الله الذى نعبده ، أخبر نفسى المثقلة بالحسرات ، أخبرها عما إذا كانت ستستطيع يوما ما - فى جنة الخلد النائية - أن تقبل حسناء مقدسة تسميها الملائكة ( لينور ) ؟ » فصاح الغراب : « هيهات ! » .

« لتكن تلك الكلمة فراق ما بينى وبينك ، طائرا كنت أم صديقا - هكذا صحت به وقد نهضت قائما - عد إلى العاصفة فى عالم الموت المظلم . لا تترك أى ريشة من ريشك الأسود تذكارا لما فاهت روحك به من كذب . اترك وحدتى غير معتدى عليها - غادر التمثال من أعلى بابى - انزع منقارك من صدرى ، ونح عنى شبحك المخيف » . فصاح الغراب : « هيهات ! » .

وظل الغراب جالسا لا يحرك ساكنا - نعم لا يحرك سا كنا فوق تمثال « بالاس » الشاحب . فوق باب غرفتى ، وقد لاحت فى عينيه صورة شيطان يحلم والضوء ينهال عليه كالسيل فيلقى بشبحه على الأرض . وأما عن روحى فهى سجينة فى ذلك الشبح الملقى علي الأرض . أتراها مفلتة منه ؟ « هيهات » .

وفعلا لم يفلت بو من حسرة الذكرى ، فقد فقد زوجته وهى بنت عمه Virgine Cleman ، وحاول التعزى عن فقدها فلم يستطع ، حتى عزم أخيرا على التزوج بغيرها ؛ وفعلا اتفق وأهل خطيبته ، وجاءت ليلة الخطبة ، وإذا بو المسكين يعثر فى طريقه ببلدة « بلتيمور » بحانة دخل إليها ولم يغادرها إلا ليلقى بنفسه على قارعة الطريق لا حراك به ؛ وفى الصباح وجده أصهاره ميتا ، والله يعلم أن لو واتانى الشعر لقلت فيه ما قال شينيه Chenier فى « حسناء تارانت »

مات « بو » فى الأربعين من عمره سنة ١٨٤٩ .

اشترك في نشرتنا البريدية