من اراد ان يجمل القول فيما ظفر به الغزالي من النتائج الفكرية إثر تيهه في مفاوز البحث والطلب وإثر توغله فى دراسة مختلف المجارى الفكرية والتيارات الاعتقادية التى كانت تتجاذب العقول فى عصره تبين له انه يمكن له إرجاعه إلى أصل واحد : هو اكتشافه الحياة النفسية او الحياة الباطنة ونفاذه الى اعماقها واهتداؤه الى ما في هذه الاعماق النفسية من اسرار وحقائق ونواميس
ولا ريب عندى فى ان الغزالى إنما اكتشف هذا " العالم الغريب الخصب " الذي يحمله كلنا في نفسه اثر خروجه من بغداد تاركا وراءه التدريس واعباءه وشؤونه وإثر التجائه الى المنارة القريبة من جامع دمشق حيث اعتكف نحو عشر سنين !
وانه لمن اليسير ان نتصور ابا حامد فى خلوته باحثا مفكرا معتبرا متأملا ! . . ولا بد أنه أندهش غير ما مرة امام جمهور الصور والاخيلة والخواطر التى لا تنفك ترقص وتتعاقب وتنبجس وتغور فى ذهنه . ولا بد ان امرها لفت نظره مثلما تلفت بعض المناظر الطبيعية الانظار فتنهش العقول امام روعتها وسحرها ! ولا بد ان امر هذه العوالم النفسية حرك فيه الرغبة الشديدة فى تتبع اطوارها والتجسس وراء مظاهرها المستحيلة دواما وشؤونها المتجددة استمرارا ! ولا بد انه وجد هذه العوالم النفسية وما تنطوى عليه من أسرار وحقائق وخواطر وهواجس لا تقل روعة عن عوالم الطبيعة وعن سماواتها ونجومها وكواكبها وبحارها وجبالها وغريب نباتها وحيواناتها ولا تقل كذلك عنها عمقا واتساعا ! ولا بد انه قرر اثر هذا الاكتشاف للابعاد النفسية الانكباب عليها لسبر اغوارها بالعين اليقظى التى هى عينه وبالفكر الجوال الذى هو فكره وبروح النظام الذى امتاز به فى تفكيره .
فكان لا ينقدح في ذهنه خاطر ولا ينبجس فى قلبه إحساس ولا تتولد فى نفسه رغبة او نية الا كان " الجاسوس اليقظان " . لا تفوته شاردة ولا واردة ! وكان ينتبه لكل ما يجد في قرارة نفسه من الامور ويسجل كل ما يطرأ عليها من الطواري
ويدوى فى شعابها من الاصداء ثم ينظر بينها ويستنبط منها ما يجب استنباطه من شؤون ثم يحصيها ويبوبها ويتأمل فيها ويحللها ويفحص عن خفاياها وينتهى منها الى ما ينبغى الانتهاء اليه من خطير الحقائق او رائع المعانى !
وانك لتقرأ آثار الغزالي فتجد فيها انظارا نفسية جديدة كل الجدة او هي ان ذكرتك بما سماه المتصوفة بعلم " خواطر القلوب " او بما جاء به من الابحاث النفسية بعض من درسوا الفلسفة اليونانية من المفكرين الاسلاميين فهى تمتاز عنها بعدة امور .
ومهما يكن من امر فمما لا ريب فيه ان ابا حامد حرى بان يعتبر علما من اعلام البحوث النفسية فى عصر " بل قل إنه خطا بالبحوث النفسية خطوة حاسمة فاضاف الى ما قد اكتشف من قبل اكتشافات نفسية دقيقة وقوانين لم يمط عنها علماء النفس فى الغرب اللثام إلا فى القرن الاخير كقوانين توارد الخواطر او قانون حياد الميول من اغراضها الاصلية للتعلق باغراض جديدة . ومعلوم ان قوانين توارد الخواطر يعرى اكتشافها في الغرب الى الفيلسوف الانقليزي " ستوارت ميل " (1)
فالغزالي يلاحظ في إحياء علوم الدين : " ان اختلاج الخواطر لا يسكن " ثم يردف قائلا : "امواج الخواطر اعظم التطاما من امواج البحر" وهو لا يكتفى بذلك بل يحاول إماطة اللثام عن سر ارتباطها ببعضها او سر تعاقبها وتجاذبها أهو واقع حسب سنن وما هى ؟ فيقول : اعلم ان الخاطر ينتقل من الشئ الى ما يناسبه اما بالمشابهة واما بالمضادة واما بالمقارنة .
ثم يعيد النظر كرة اخرى فيلاحظ ان بعض الخواطر تتوارد من دون ان يكون بينها لا مشابهة ولا مضادة ولا مقارنة . فيعجب لذلك ويقول : ينتقل الخاطر - احيانا من شىء الى شىء ولا يدرى مناسبته له . ولا يرضى الغرالى بهذا فيحاول الشرح فيقول : وانما يكون ذلك بواسطة او بواسطتين مثل ان ينتقل من شى الى شىء ثان ومنه الى ثالث ثم ينسى الثانى ولا يكون في الثالث والاول مناسبة فيكون النسيان في نظر الغزالي - هو الآفة التي قضت على المناسبة التي تربط بين الخاطر والخاطر
وليس لنا من تعقيب على ما اكتشف الغزالى من قوانين تهيمن على ما نسميه في عصرنا بتوارد الخواطر سوى ملاحظتين :
الاولى : هى ان الغزالى كان دقيق الملاحظة اذ ميز صنفين من ظواهر توارد الخواطر : صنفا ينتقل فيه الخاطر من شىء الى شىء لوجود مناسبة بينهما تكون اما مشابهة او مضادة او مقارنة . ونسمى هذه الخواطر المتجاذبة المشعور بها . وصنفا ينتقل فيه الخواطر من شىء الى شىء لا بمفعول مناسبة نسيناها - كما يقول الغزالى - بل بمفعول مناسبة غير مشعور بها ! ولا ضير على الغزالى اذ لم يقع اكتشاف اللاشعور فى ميدان البحوث النفسية الا فى القرن الاخير !
ولم يكتف الغزالى بتقنين توارد الخواطر بل ذهب الى ابعد من ذلك فلاحظ ان " ما يرى مقرونا بالشئ يظن ان الشئ ايضا لا محالة مقرون به مطلقا ولا يدرى ان الاخص ابدا مقرون بالاعم والاعم لا يلزم ان يكون مقرونا بالاخص " .
مثاله : نفرة السليم وهو الذي نهشته الحية - من الحبل المبرقش اللون لانه وجد الاذى مقرونا بهذه الصورة فتوهم ان هذه الصورة مقرونة بالاذى !
ويستنبط الغزالى من ذلك القانون الذى يسمى فى علم النفس الحديث بقانون حياد الميول عن اغراضها الاصلية الى اغراض جديدة فيقول : " المقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالكريه مكروه "
ثم يضرب الأمثلة على ذلك فيقول : " الانسان اذا جالس من عشقه فى مكان فاذا انتهى اليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره " يعني اصبح مميزا عن غيره .
بمثل هذا الروح العلمى الدقيق اقبل الغزالى على شؤون النفس يحللها تحليلا بارعا موفقا فى اكثر الاحيان فشملت نظرته ما نسميه اليوم مختلف جوانبها النزوعية والوجدانية والادراكية وسير بميله الشخصى وبفضل تأملاته الدقيقة واختباراته اليقظى اغوارها وتجول فى شعابها ودهاليزها وغاص فى انوارها وظلماتها وفى طهرها وخبثها ثم حرر لنا عنها صفحات رائعة ترضى فى اكثر الاحيان علماء النفس وترضى دائما رجال الاخلاق سيما عندما يحلل العواطف والميول والعادات وقوى الوهم والخيال ومختلف الانفعالات كالغضب والكبر والعجب والحسد والعشق والتقوى والايمان والخوف والرجاء والانس والصبر والتوكل والزهد
وتطالع تلك الصفحات فتجد الغزالي كالسابح الماهر في محيطه لا هو يخشى امواجه ولا هو يستنكف من الغوص فى اعماقه ! وتؤمن بأنه اذ يتحدث عن النفس وعن حياتها فانما هو يتحدث عن حقيقة هي من اروع ما خلق الرب في هذا الوجود ناهيك ان الوجود باسره ينعكس فيها . وهو اذ يصف النفس فانما يصف مركزا من مراكز النور له جهازه الدقيق الصنع وله سنته مثلما للكون جهازه وسننه !
وانت اذ تفهم هذا تفهم بالخصوص ان اعظم واجب يفرض على المكلفين إنما هو الاعتناء بمركز النور فى النفوس إن اطفأته كان الظلام وكان العمى وكانت الحجب وكان الخذلان وكان الضلال وان اعتنيت به وزكيته امكن لك ان تفهم نفسك وان تفهم الوجود وان تفهم مكانة الربوبية فكان بالتبعية الرشد وكانت النجاة وهذا بالضبط معنى الاثر : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " !
ونحن اذ ننتهى الى هذه القمة نفهم ما حدا بنا الى ان نقول - دون مجازفة - في بدء هذا البحث : " من اراد ان يجمل القول فيما ظفر به الغزالى من النتائج الفكرية ، اثر تيهه فى مفاوز البحث والطلب واثر توغله فى دراسة مختلف المجارى الفكرية والتيارات الاعتقادية التى كانت تتجاذب العقول والقلوب في عصره تبين له انه يمكن له ارجاعه الى اصل واحد : هو اكتشافه الحياة النفسية او الحياة الباطنة ونفاذه الى اعماقها واهتداؤه الاعماق من اسرار وحقائق ونواميس " !
فهذه الحياة الباطنة هى الاصل الذى سيتفرع منه كل شىء هى - على حد تعبير الغزالى - " سر من اسرار الله " وبها يتميز الانسان عن الحيوان .
ونحن لا نفهم شيئا من الاشياء الا بفضل ما سيكون له من الاصداء فى تلك الحياة الباطنة : فهى المرجع الاخير ولها فصل المقال فى كل حكومة على شرط ان نطهرها من كدوراتها وخبائثها وكانت النور الذى يحن دائما وابدا الى النور اي الى الحق ! وعلى شرط ان نحسن اضاءة الوجود ومفاصله بذلك النور ؛
وان نحن اردنا ان نعرف ما هى الفروع التى فرعها الغزالى من هذه الانظار النفسة قلنا :
١ - نظرية عن العقل وعن حقيقته وعن مدى دائرة سلطانه ٢ - نظرية عن الوجود وغزارة الوجود وروعة ابداع الخلق مما يدل على الجبروت الرباني .
٣ - نظرية عن مكانة الانسان في هذا الوجود وعن اختياره ولنلاحظ في الختام ان تلك النظريات الثلاث انما حررها الغزالى لتكون اركان الاشعرية كما يفهمها !
فالجو الفلسفى الذى تنفسناه فى مذهب الاشعرى هو الجو الذى نتنفسه اذ تقبل على آثار الغزالى ونطالعها والمبادىء والاصول التى شيد عليها الاشعرى مذهبه وكانت خلال اقواله والفاظه نستشفها احيانا بصعوبة " كضمير مستتر " ان سمحنا لانفسنا باستعمال اصطلاحات النحويين فى مثل هذا الميدان نجد الغزالي قد اكتشفها من جديد اثناء تيهه فى المفاوز الفلسفية والاعتقادية الا انه بذل مجهودات جبارة فوضحها وابرزها وقواها واخرجها من حيز اللاشعور الى حيز الشعور بفضل نقد فلسفى صارم شامل منظم الخطى والسير . فحيث كان الاشعرى يكتفى بجملة يؤكدها ويثبتها كهذه الجملة " العقل لا يثبت شيئا ولا يوجب شيئا " نرى الغزالى يأتى بنظرية نفسية برمتها يحلل بها العقل ويفكك دواليبه ويحدد له سلطانه ويبين مواطن قدرته ومواطن عجزه وضرورة تأييده وتأديبه حسب عبارته بالشرع ثم يأتى بمفتاح التأويل في مواطن كثيرة من مختلف تآليفه وخاصة فى احياء علوم الدين وفى الاقتصاد فى الاعتقاد!
ولئن كان حقا ان الغزالى يبدو - لاول وهلة أقوى شخصية من الاشعرى واوسع افاقا واعمق تفكيرا وارسخ قدما في الميدان الفلسفى فالاشعرى كان له فضل السبق في الاهتداء الى بعض الاصول والمبادىء وفى طريقة فهم الدين الفهم الجديد على ضوء الثقافة الاسلامية الجديدة ولذلك يبقى هو الاستاذ ويبقى الغزالي تلميذه
ولكن هذا التلميذ ليس ككل التلاميذ : فهو الذكى وهو الفاتح وليس من شك في ان الاشعري سيكون مدينا له بما بذل من جهود لحفظ الامانة بل لتزكيتها والدفاع عنها وتوضيحها وتقوية اركانها وتوسيع آفاقها .
ويتم على يد التلميذ ما لم يتم على يد الاستاذ : ان حشر جمهور المتصوفة فى صفوف السنيين وزبدة التصوف فى زبدة السنة الاسلامية فتنقلب " السنة المتصوفة " !
