الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 908 الرجوع إلى "الرسالة"

الغزالي وعلم النفس

Share

الأمراض النفسية

- ٨ -

في الإنسان قوة اختلف علماء النفس في تسميتها؛ فبعضهم  يسميها قوة الحياة أو القوة الدافعة أو إرادة القوة أو اللبيد، وهذه  القوة على كل حال تدفع الإنسان إلى الاحتفاظ بحياته وتحفزه إلى  أن يعني بأركان الحياة من الغذاء والسلامة وتخليد النوع. وفي

الأزمنة الغابرة كان سهلا على الإنسان أن يحصل على مطالبه  الضرورية المحدودة كما تقتضيه غرائزه وميوله. أما بعد أن تقدمت  الحضارة وأصبح المجتمع يقضي على الإنسان بالخضوع لآداب  وقوانين وعادات وتقاليد كثيرة لم يعد الإنسان قادراً على أن يطلق  الحرية لغرائزه ورغباته وميوله وأمانيه.

بل اضطر أن يقمع كثيراً منها ويكبتها في قرارة نفسه كلما  حاولت الظهور بمظهر لا يرتضيه المجتمع أو يضر بحسن مركزه  أو سلامته فيه، وبذلك قام في النفوس صراع شديد بين ما يتطلبه  المجتمع وبين ما يتطلبه الفرد. إلا أن كل رغبة تكبت وكل  غريزة تخمد لا تموت بل تنزل إلى قرارة النفس وتنحدر إلى أعماقها  المظلمة. وتبقى هناك حية عاملة في الخفاء تحرك المرء وتدفعه فتوجه  سلوكه أو تحدث له من العلل الشيء الكثير على غير علم منه  ببواعث هذا السلوك أو هذه العلل. وقد تحاول هذه الدوافع أن

لهو الحديث. وكان عباس ، وهو اسم ذلك الرجل - يتنقل بالجلوس من جد إلى هزل ، ومن غناء إلى عزف ، فيه جب ويطرب ، ولكن أمتع ما فيه كان الدعابة والنكتة : كانت  نكته على طريقة ( اشمعنى ؟ ) وكانت دعاياته من طريق التورية .  وكان يركب بهاتين الطريقتين أو بإحداهما ثلاثة من خلطائه  وخلصائه : فقيها أعمى وطحانا أعشى وفلاحاً أعور ، فلا يدرى  أحد منهم كيف يدفع عن نفسه . كان هؤلاء الثلاثة يبقون إذا  انصرف السمار، فيقلق الفلاح الباب، ويوقد الطحان النار ، ويهبي  الفقيه الجوزة، ويعد عباس القرص ، ثم يتعاقبون الغابة نفسا بعد  نفس . وكان عباس قد أخبرهم منذ اطمأن إليهم أن هذا هو  الحشيش الذي يفتق ذهن الغبي، وينطق لسان الأبكم، ويرهف حس  البليد ؛ وأنه هو الحشاش الذي تحفظ نکته ، وتروى حيله  ، وتطلب فتاواه . فلم يخامرهم شك في قوله ، لأنه هو نفسه الدليل  على صدقه ، فأقبلوا على المدخنة القذرة يأخذونها للشهيق والزفير،  ويتركونها للمال والشخير ، حتى أصبحوا مدمنين لا يطيقون صبر أعن  الحشيش ، ولا يستطيعون بعداً عن عباس . وكان لابد  للحشاشين الجدد أن يساجلوا في ( القافية ) الحشاش القديم  . فنجح الأعمى كل النجاح ، ووفق الأعشى بعض التوفيق ، وأخقق  الأعور غاية الاخفاق ؛ لأن غباء ذهنه كان أكثف من أن  يلطف ، وغشاء حسه كان أصفق من أن يرق . ولكنه كان قوى  الإيمان بالحشيش فلم يؤمن بالواقع . وأقبل المساء وغصت الحجرة  كعادتها بالشبان والأحداث ، فلهوا بالحواديت ، ثم تساجلوا  بالفوازير ، ثم تجاوبوا بالمواويل، ثم أخذ عباس يرسل النكتة بعد  النكتة فيقهقه لها الحضور ، ويرد عليه الفقيه والطحان فنبتلج  لردهما الصدور ، وتنصب النكت على الفلاح انصباباً فيحاول أن  يردها عن نفسه فيغفر فاء ، وبرعش رأسه ، ويهز بده ، ويحاول أن  ينطق فتنشب في حلقه الحروف ولا تخرج، ويتردد في صدره الصوت  ولا ينطلق ، فيسخر منه الجلوس ويتناولونه بالعبث المؤلم فلا يسمه إلا الانصراف . وفى أثناء الطريق تواردت على خاطره شبهات في قدرة الحشيش على حل العقدة من اللسان ، ولكنه دفعها بما فعل في الفقيه والطحان، وعزم أن يضاعف المقدار . فلما رجع إلى (غرزة) العباس بعد انصراف الناس كرر الشد ، وعمق النفس

وطول النوبة . وفي آخر الليل استعمى وفاقه واختلس قطعة كبيرة من الحشيش ، وظل فى داره النهار كله يقتطع منها القطعة على قدر  حبة الفول ، ويذيبها في فنجان من القهوة المادة ثم يجرعها  . فعل ذلك مرتين ثم أراد أن يفعل الثالثة فلم يستطع . لقد أخذته  حال من الخدر الشديد فصار يأكل ولا يشبع ، ويشرب  ولا يرتوى ، ويتكام ولا يى ، ويضحك ولا يكف . وكلما رأى  أحداً من أهله أو من جيرته قال له بلهجة متلكثة متقطعة  متكلفة : إنت تمشى - اشمعنى ؟ زى الحمار ! أ. ا. آه !  أنت تاكل ، اشمعنى ؟ زى القول ! أه أه أه ! فينظر إليه  السامع مشدوها ولا يضحك ، فيرفع (المسطول) الصوت ، ويعيد  النكتة ، ويردد الضحكة ، ولكن المشدوه يظل واجماً لا ينطق .  وفي المساء تحامل الأعور على نفسه حتى بلغ مجلس اللهو ، ولم يكد  يدخله حتى قال بلهجة المنزل المسطول : أنت يا عباس | فأجابه  عباس مبتهجاً : اشمعنى ؟ فقال له : أعمى 1 أم أ. آه ! وانتظر هو  ماذا يقول الناس ، وانتظر الناس ماذا يقول عباس ، فاذا الناس  بسيخون ، وإذا عباس بصيح ! أهذه نكتة يا نصف أعمى ؟ ثم  انفجر بالنكات الساخرة في وجه الحشاش المخدوع حتى ألجأء  إلى الخروج خرج خزيان يهدى . وعاد إلى داره وهو يشعر أنه  الليلة خير منه البارحة ، لأنه قال على كل حال شيئاً . وكان قد  عرف من عباس أين يباع الحشيش فاشترى منه مقداراً كبيراً  وأخذ يذيب منه في القهوة ويشرب . وفي كل ساعة من ساعات  النهار والليل كان يرتقب وحى الحشيش فلا ينزل، وينتظر ذكاء الحشاش  فلا يقبل ، فيضاعف المقدار ويزيد الوجبات ، حتى هزل جسمه ،  وشحب لونه، واختل هضمه واعتل صدره، واضطرب عصبه، وساء  خلقه ، واعتراه الحمود ، ولزمه الوسواس، فصار لا يعمل في غيط ولا  بيت، ولا يفكر في زوج ولا ولد، وإنما كان أكثر يومه نائما، فاذا  أفاق هذى بالنكت الباردة والدعابات السخيفة . وفي غشية من  غشيات المخدر باح بالسر المكنون فقال وهو يضرب بيده على صدره : أنا الحشاش الأصلى لأنني أشرب الحشيش بالفنجان ، وعباس وصاحباه حشاشون مقلدون لأنهم يكتفون منه بالدخان !

وتسامع الناس بالسر المفضوح فتحاموا الأعور حتي نفق من الخيال ، وقاطعوا الأعمى و الأعشى و الأعمش حتى هلكو بالسلال

في معرض الخير والتمييز في هذا غامض إلى أن يقول وأغمض  أنواع علوم المعاملة الوقوف على خدع ومكايد الشيطان. ولنر الآن  هذا التشبيه الجميل الذي وضعه الغزالي للعقل الواعي بالنسبة  للخواطر اللاشعورية أو رغبات العقل الباطن يقول - العقل  مثال حصن والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه  ويستولي عليه ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة  أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه، ولا يقدر على حراسة أبوابه  من لا يدري أبوابه. فحماية العقل عن وسواس الشيطان واجبة.

أما الأبواب التي يذكرها الغزالي أنها مداخل الشيطان إلى  العقل فهي الغرائز، يقول: من أبواب الشيطان العظيمة إلى العقل  الغضب والهم والطمع والحقد.

ويعجبنا تنبيه الغزالي إلى تأثير كبت الرغبات الغريزية  في اللاشعور كبتاً يحدث مرضاً عصبياً أو تسامياً، ويعجبنا أيضا  من الغزالي هذا السؤال الذي طرحه على نفسه ليجيب عليه وهو  هل يتصور أن ينقطع الوسواس بالكلية عند الذكر أم لا.

لاشك أن الغزالي عرف جيداً أن الرغبات الغريزية المكبوتة  في اللاشعور لا تنقطع عن العمل بل تظل تعمل في صميم النفس  وقرارة العقل الباطن أعمالاً تسبب أمراضاً نفسية وعصبية منها  الوسواس، أو تسبب تسامياً تنفس به النفس ألم الكبت ومضاضة  الحرمان. ويجمل بما أن نورد هنا ما يقوله الغزالي جواباً عن هذا  السؤال يقول:

إن العلماء المراقبين للعقول من صفاتها وعجائبها اختلفوا  في مسألة انقطاع الوسوسة بالذكر؛ فقالت فرقة: الوسوسة تنقطع،  وقالت أخرى: لا ينعدم أصل الوسوسة ولكن تجري في العقل  ولا يكون لها أثر لأن العقل إذا صار مستوعباً للذكر كان محجوباً  عن التأثر بالوسوسة، وقالت فرقة لا تسقط الوسوسة ولا أثرها  ولكن تسقط غلبتها على العقل. والوسواس أصناف فقد يكون  بتلبيس الباطل ثوب الحق، وقد يكون بتحريك الشهوات،  وقد يكون بمجرد الخواطر.

ومن هذا يتبين لنا جليا أن الغزالي يعرف جيداً أن الوسوسة  مرض نفسي لا يزول بذلك النوع من العلاج وهو الذكر، وكل

ما يفعله الذكر في هذه المشكلة النفسية أو الوسوسة هو تخفيف  وقعها وتقليل شرها. ونحن نرى الغزالي في هذه القطعة محللا نفسيا أكثر منه واعظاً دينيا أو عالماً أخلاقيا.

وكأن الغزالي قد عز عليه أن يعرف أسرار النفس البشرية  ولا يعرف العقد النفسية أو المركبات العاطفية فقد وضع يده على  هذه العقد والمركبات وضع الخبير العارف قال - إن القلب  تكتنفه الصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال  من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من  كل جانب.

فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده  فتغير وضعيته، فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك  وصرفه عنه، وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره،  وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره. فتارة يكون متنازعاً  بين ملكين وتارة بين شيطانين وتارة بين ملك وشيطان. وأي  قول أبلغ في وصف العقد النفسية والمركبات العاطفية من هذا  القول وسنبسط هذا الموضوع في المقالات القادمة إن شاء الله.

اشترك في نشرتنا البريدية