ليست تهمني الأخلاق التقليدية فى أوضاعها الشكلية التى تتبادر إلى أذهان العامة أو أشياءهم عند ذكر كلمة الأخلاق . ولست أتصور الفضيلة فى هذه الأوضاع المتعارففة ، فالباعث على هذا العمل أو ذاك هو موضع التقدير لا العمل نفسه
فالذى يجتنب الشر مثلا لأنه يخشى عذاب الآخرة فحسب لا يرتفع مستواه الخلقي في اعتقادى عن الدين يجتنبون الجرائم لمجرد خوفهم من قانون العقوبات ، فالمسافة قصيرة بين من يخاف عذابا مجهولا ومن يخشى عقابا معروفا ، بل ربما كان المجهول مهولا ولا مخوفا اشد من المعلوم ، وأكثر ردعا للنفوس الشريرة !
وعندى ان الرجولة الصحيحة وفضائلها الذاتية كالمروءة والنجدة والعطف والاعتداد بالكرامة والإبثار ومحمل التبعات ،
والأنوثة السليمة وفضائلها الكامنة من حياء ورحمة وتضحية . وكذلك الفضائل المشتركة كحساسية الضمير وسمو النفس وطهارة الإحساس ونظافة القاموس الشخصى بترفع الأذن واللسان عن الاستماع والنطق بالمعاني النازلة والتعبيرات الفاحشة والالفاظ المرذولة . كل أولئك وأمثاله من صميم الأخلاق
بل إن الذوق الراقي ، وتذوق الجمال ، والحس المرهف ، من صميم الأخلاق . لان النفس الإنسانية لا ترتفع لتقدير الجمال فى المنظر الجميل أو اللحن الجميل أو الوجه الجميل حتى تكون قد خطت في مدارج الرقي الإنساني ، والتهذيب العقلي والنفسي خطوات تضمن لها مستوى راقيا من الخلق السليم
وليست الفضيلة عملا سلبيا بالامتناع عن الرذائل المتعارفة ، ولكنها فى صميمها أعمال إيجابية أو شعور يدفع إلى أعمال إيجابية . فحسباتنا الرجل الذي لا يعمل كذا ولا كذا من الرذائل المشهورة رجلا فاضلا هو خطأ فى تصور الفضيلة وغبن لها
كما أن هناك نقائص لا نعيرها حقها من العناية في تقدير الناس لدينا ، فحلائق : كالحقد أو الشمائة أو نضوب العطف الإنسانى وبلادة الإحساس بآلام الناس ، او عدم الترفع عن الملق والرياء ، أو سرعة اليأس والعجز عن مواجهة التبعات ، هي من صميم الرذائل الإنسانية ولو لم يأت صاحبها رذيلة إيجابية واحدة
وكل ما يعمل لهدم فضائل الرجولة أو فضائل الأنوثة أو فضائل الجنس الإنساني المشتركة التى سبقت الإشارة إلى بعضها إنما هو عمل شرير تنبني مقاومته لأنه عدم للخلق وللمجتمع
وإذا نظرنا إلى الأخلاق من هذه الوجهة أمكننا أن نقدر أن الغناء المريض - وأغلب ما يذاع فى هذه الآيام كذلك - هو أكبر معول بهدم بناء المجتمع المصرى ويحطم الخلق الشخصى ، لأنه يحارب فضائل الرجل وفضائل المرأة وفضائل الجنس كله على الوضع السالف . ولما كنت لا ابتغى تجريح اشخاص بالذات من المؤلفين أو المطريين والمطربات ؛ فإني اكتفى بالإشارة إلى بعض الأغاني المتداولة فى هذا السياق
لا يمارى أحد فى أن الرجولة وكل فضائلها تتأذى أشد التأذى من أغنية مثل : " يا لوعتي ياشقايا . يا ضنى حالى " أو " راضى بلومه وكلامه . ولو انى مظلوم معاه " او " الهوان وياك معزة " أو " ميلت بختي في الحب يختى "
ولا شك أن الأنوثة وكل فضائلها تخدش أشبع الخدش من أغنية مثل : " يا حبيبى الحقني شوف اللى جرى لى من نار حبك " أو " إمتى أنول وصلك وأقول : راح العذول مالوش أثر " وان فضائل الجنسين جميعا تشمئز من أغنية مثل " تعالى بين أحضاني "
وليست الألفاظ وحدها فى مثل هذه الأغاني هى التى تؤذى فضائل الجنسين وسلامة الفطرة فيهما ، فإن النغمة والأداء قد تكون أشد إيذاء من الألفاظ . وهناك اغنيات تذاع قد لا يكون فى ألفاظها شئ فاحش ، ولكن الميوعة فى التلحين والتخلع والتكسر في الفناء أفخش من الألفاظ ، مثل اسطوانات : " باعرقسوس " و " هعمل إيه " و يا ماما " ! وهي لا ترتفع كثيرا عن " والنبي يا عبده الممنوعة
ولا يقف ضرر مثل هذه الأغاني عند فجش اللفظ وتكسر الاداء وما يشيعه هذا في نفوس ابناء الجيل وبناته من انحلال . ولكنه يتعداه إلى مسخ الفطرة الإنسانية ، وتشويه العواطف الراقية ، والهبوط بالذوق العام ، وهو احدى الفضائل كما أسلفت
فالحب الذي تهبط به هذه الأغاني ذلك الهبوط المشين عاطفة إنسانية من اجمل المواطف ، وهو مثار كل نشاط إنساني في هذا الكوكب الا رضي ، وهو غير مقصور على الحب الجنسى ، وحتى هذا الحب لا يمكن ان يهبط فى فطرة أدى سليم إلى هذا المستوى الذي تصوره الا غاني المصرية ويصوره التلحين والا داء ، لانه فى صميمة فورة في الشعور وقبض في الضمير وامتلاء بالقوى الحيوية يدفع إلى النشاط والتعمير ، لا إلى الدل والترهل والبكاء والعويل
على أن وراء هذا وذلك شيئا خفيا مؤذبا فى تصوير العواطف الإنسانية هذا التصوير ، وفي هذه الاساليب من ناحية التأليف والتلحين والأداء ، فالذوق الذي يسيطر على هذا كله هو " الذوق البلدي بأفصح تعبير . فلا يبدو في هذا الغناء اثر للثقافة الذهنية او الخلقية أو الاجتماعية ، والمستمع الراقي لا يجد ما يرتفع إلى مستواء او يعبر عن شعوره الذي تولده عواطفه المهذبة . والشعب المصري مهما ظلمناه لا يخلو من المثقفين ولا من الوسط النفسي للهنب ولا من الشعور العالي ، فأين يجد هؤلاء غذاءهم الروحي من الموسيقى والغناء
فليس كل رجل فى مصر يحب فتاة فيناديها بأعلى صوته
" تعالى بين أحضاني " وهذا تعبير طبقة معينة من الشعب ؛ فأين تعبير الطبقات المهذبة ؟
وليست كل فتاة تحب شابا فتهتف من أعماقها : " امتي أنول وصلك وأقول : راح العذول مالوش أثر " فهذا تعبير طبقة خاصة من النساء ؛ فأن تصبير العفيفات من العذارى والسيدات ؟
على أنه لو صح أن الشعب المصرى كله من أمثال هؤلاء السادة والسيدات ، لكان على الموسيقى والغناء أن يرتفعا رويدا رويدا بهذا المستوى ، حتى يصلا به إلى الرفعة اللائقة بالفنون
ولعل منشأ هذا أن طبقة المؤلفين المحترفين والمشتغلين بالغناء فى مصر هم من بيئة اجتماعية خاصة ، لا تؤهلها ثقافتها العقلية ولا تربيتها النفسية ولا وسطها الاجتماعي من الالتفات لغير ما التفتت إليه حتى الآن من الوان التعبير والموسيقى والفناء . ولكن ما ذنب هذه الأمة مهتفون لها بأحط غرائزها ، وينادون فيها أردا احساساتها ، ويلفتونها عن كل ما هو راق وجميل فى هذه الحياة ؟
ثم ما ذنب الأسر والبيوت تصل إليها أصوات هؤلاء الناس وتكسراتهم الخليعة وتأوهاتهم المريضة آتاء الليل وأطراف النهار ، وفي مصر وزارة للشئون الاجتماعية ورقابة ادبية فى وزارة الداخلية لا يبلغ من نفوذهما أن تكون لها السيطرة التامة على كل ما يذاع !
إن الرقابة على الموسيقى والغناء سواء فى محطة الإذاعة او الصالات او الاسطوانات ينبغي أن تسند إلى هيئة من مثقفى العقول والنفوس ، واسي الاطلاع على نهضات الفنون ، ذوى اذواق خاصة ممتازة ، وهذه الهيئة تملك ان تمنع إذاعة كل اغنية وإعدام كل فلم أو أسطوانة أو شريط مسجل لا يتفق مع توجيهاتها ، على أن توضع عقوبات لمن يترنم بالأغاني المنوعة حتى من الجمهور ، عملا على إسكات هذه الأسوات الغربية الواطئة ، وترقية للذوبان العام والخلق المهدد بالانحلال
ولا يفهم من هذا أنثى أريد الغناء المصرى مواعظ خلقية ودعوات اجتماعية ووطنية ؛ فانا قليل الثقة بجدوى الفنون حين - تسلك هذا المسلك الجاف ، وان لها سبيلا اقوم من هذا وانفع ، فالفكاهة العالية ، والنقد اللاذع ، وتصوير العواطف الإنسانية الراقية المهذية ، وتفتيح الإحساس على مباهج الكون وخفايا النفس وجمال الطبيعة - كل أولئك من خصائص الموسيقى والغناء ، وخصائص الفنون جميعا ، وهي اولى بها من الدعوات
الاجتماعية والخلقية والوطنية المباشرة ، التى لا تتفق وطبيعة الفنون الحرة
وعلى ذكر الدعوات الوطنية ألاحظ أن أغانينا واناشيدنا الوطنية التى تذاع جميعا وبدون استثناء تدل على فقرنا في الروح الوطنية العالية من حيث بريد مؤلفوها وملحنوها ومغنوها إظهار هذه الوطنية . فهى فى ألفاظها ومعانيها وتلحينها نجيج أجوف يدل على وطنية " قشرة ليست مطمئنة إلى عمقها وهدئها و " طبيعتها . والوطنية الرشيدة العميقة المطمئنة لا يحتاج إلى كل هذا الضجيج فى اللفظ والمعنى ، ولا تستمد القوة من الصياح والزعيق ، إنما هذه أشبه الأشياء بقوة الضيف الذي الذي يحس ضعفه فيملأ الدنيا صياحا ، وينفخ أشداقه ، ويطوح ذراعيه في الفضاء لإرهاب خصمه قبل ان يشتبك معه فى نضال يشعر بضعفه عنه . وهي لا تزيد على قول " فتوة الحارة " : " والله ما تقرب لى لأخر شمك .
والرجل القوى حقا لا يحتاج إلى هذا التهديد !
ولم ألمس في أغنية واحدة مما أذيع حقيقة الوطنية التى لا يحسبها صاحبها لفرط تغلغلها في نفسه ، وعمق جذورها فى شعوره ، حتى لكأنها طبيعة كامنة فيه ، إنما هى الفاظ محشودة ، كما يجمع الخائف جميع أسلحته ويكومها أمامه ، بدل أن يدعها فى مكامنها ويأخذ منها ما يحتاج إليه في اللحظة المناسبة
وإن أغنية واحدة يحدث فيها المترنم بها نفسه عن ملاعب صباه فى وطنه ، ومطارح أمانيه ، وذكريات أجداده ، ويتغني بطبيعة بلاده الجميلة وشمسها وخضرتها ، لأفعل فى غرس بذور الوطنية وانمائها فى نفسه وإحساسه بمعنى الوطن من السيوف والبنود والهيب . . إلى آخر هذا الضجيج !
ولن يفهم مثل هذا التوجيه إلا القليلون ، وإنما كل رجائنا متعلق بهؤلاء القليلين
(حلوان)
