الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 376 الرجوع إلى "الرسالة"

الغناء المصري

Share

سيدي الأستاذ رئيس تحرير الرسالة

بعد التحية. إنني أعتقد أن الأستاذ سيد قطب في مقاله  عن الغناء المصري قد ظلم المؤلفين خصوصاً بعد أن نزل إلى ميدان  التأليف الغنائي كثير من أقطاب الأدب المصري أمثال شوقي بك  والأستاذ رامي وغيرهما. ونظرة واحدة في أغنية   (في الليل)   من شعر شوقي وفيها البكاء والأنين والنوح والشوق الخ، ترينا  أن الذنب في الضعف ليس ذنب المؤلفين. وما يقال عن شوقي بك  يقال عن رامي وغيره. وقد أحصيت أكثر من خمسمائة أغنية مصرية  قديمة وحديثة ووجدتها إما أنها تحتوي على الضعف الذي ينعيه  الأستاذ سيد قطب، أو على إغراء رخيص للميول الجنسية، وقد سبق  أن تألفت لجنة من أفاضل الأدباء للعمل على ترقية الأغاني المصرية  والسمو بها عن هذا الضعف، وكان من بين أعضائها شاعر اشتهر  بميوعة أغانيه التي تنشرها له الصحف الأسبوعية، ولم أجد فيمن  ألف من اقترب من شكسبير الذي تعتبر أغاريده المقياس الحي  للأغاني ولو أن من القسوة أن نقارن شعراءنا بشكسبير، إلا أن  النهوض بالأغاني يجعلنا ننظر النظرة السامية لهذا الشاعر

الذي كان إذا اضطرمت عواطفه لا يلجأ للبكاء والنحيب بل كان  يخرج من أزماته النفسية رجلاً كامل الرجولة، مما كتب  لأغاريده الخلود

إن العلة إذن ليست في التأليف ولا في التلحين، بل هي تتجه  لنفسيتنا الخاصة، فقد حتمت الظروف الطبيعية أن تتجاوب  النفس المصرية بعاطفتي الفرح والحزن في آن واحد لمسبب واحد،  وتأصلت هذه النفسية فينا من أقدم العصور وورثناها عن أسلافنا  فأصبحنا مثلهم نجد اللذة فيما يحزن كما في أغانينا المريضة، وقد  كشفتُ أثناء إقامتي في صعيد مصر عن سر هذه النفسية المعقدة  ونشرت ملخصاً عنها في البلاغ يوم ١٥ مايو سنة ١٩٣٣ بعنوان:    (ندب النساء في مصر وما يعرف عندنا بالعديد) ، وقد ذكرت  في هذا البحث أن نغمة الصبا محببة إلى قلوبنا لأنها تميل إلى  الحزن، وقد أيد الأستاذ الكبير العقاد هذا الرأي بعد ذلك  بسنوات في مقال له عن الجهاد عن   (أغاني الزفاف والأفراح)   وعلى ذلك يجب ألا نلوم التأليف أو التلحين، لأن هذا الضعف  عنصر من عناصر طبيعتنا المصرية، وأرجو أن أتمكن قريباً من  نشر بحثي الخاص بهذا الموضوع كاملاً.

(كوم حمادة. بحيرة)

اشترك في نشرتنا البريدية