الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 917 الرجوع إلى "الرسالة"

الفارابي فى الشرق والغرب ، ومكانته فى الفلسفة الاسلامية، - تتمة -

Share

والحقيقة أن سمو مكانة الفارابى فى الفلسفة كان حديث  المتقدمين ولم يزل حديث المتأخرين العصريين. قال الأستاذ  (أبو ريده) فى تعاليقه على كتاب (تاريخ الفلسفة فى الإسلام) للمستشرق (دى بوير) إذا كان الكندى قد أعتبر فيلسوف العرب تمييزاً له عن أقرانه من الفلاسفة غير العرب فإن الفارابى  يعتبر فيلسوف المسلمين بالحقيقة كما يقول صاعد الأندلسى فى

طبقات الأمم وفيلسوف المسلمين غير مدافع كما يقول القفطى فى أخبار الحكماء. اما ابن خلكان فإنه يقول فى وفيات الأعيان إن الفارابى كان أكبر فلاسفة المسلمين ولم يكن فيهم من بلغ رتبته ويقول ظهير الدين البيهقى فى كتابه تاريخ حكماء الإسلام  المخطوط فى دار الكتب المصرية، وكان أبو على تلميذاً لتصانيفه ،  وأورد هذا الرأى الشهرزورى أيضاً فى كتابه نزهة الأرواح وروضة الأفراح المصور بمكتبة الجامعة المصرية. ويكاد يلمس الإنسان صحة هذا الكلام فيما يفوق الحصر من آراء ابن سيناء  التى أخذها عن الفارابى من غير تغيير ف ألفاظها. ونكاد لا نجد فى فلسفته شيئاً إلا وأصوله عند الفارابى. ويقول ديترصى  Dielerici فى مقدمته لرسائل الفارابى (إن الفارابى مؤسس  الفلسفة العربية) والذى يقرأ الفارابى يجد فى تفكيره طرافة ونضوجاً وفهماً عميقاً يدل على طول تأمل فى الفلسفة. وإذا كان  الكندى الفيلسوف العربى كما ألمع (دى بوير) قريب الصلة  بالمتكلمين وبالفلاسفة الطبيعيين - ونستطيع أن نعرف هذا  من أسماء مؤلفاته - فقد لا نكون بعيدين عن الصواب إذا

قررنا أن الفارابى أول فلاسفة الإسلام على الحقيقة وقد كان يحيا  حياة الفلاسفة من زهد وانقطاع إلى التأمل.

وتذكرنى كلمة (ديترصى) هذه التى تحدثنا عن  إعجاب الفكر الغربى بالطرافة والنضوج والفهم العميق الذى  يدل على طول تأمل فى الفلسفة والأمور التي يوجدها فى ما دونه  الفارابى من الآثار الخالدة - يذكرني هذا بما قرأته للعقاد فى رسالته عن (أثر العرب فى الحضارة الأوربية) إذ قال إن الآراء الفلسفية التى قال بها أمثال الفارابى والكندى وابن سينا والغزالى وابن رشد وابن طفيل - لا تعد غريبة كل الغرابة عن مذاهب  العصر الحديث لأنها لم تخل عن آراء تكلم فيها أساطين الفلسفة  الإسلامية وعرضوا لها إما بالإسهاب أو بالإيجاز) 1 وقد قال العقاد بعد ذلك ومن المشابهات غير البعيدة (أى بين آراء القدماء والمصريين) ما يصح أن يسمى الطور الأول لمذهب التطور (الذى نسب إلى داروين وكتابه أصل الأنواع) وقد عبر عنه الفارابى حيث قال فى آراء أهل المدينة الفاضلة مفسراً لأقوال المعلم الأول إن ترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم أولا أخسها  ثم الأفضل فالأفضل إلى أن تنتهى إلى أفضلها الذى لا أفضل منه. فأخسها المادة الأولى المشتركة والأفضل منها الأسطقسات  (وهي الأصول والعناصر وهى على زعمهم الماء والتراب والهواء  والنار) ثم المعادن ثم النبات ثم الحيوان غير الناطق وليس بعد  الحيوان الناطق (أى الإنسان) أفضل منه. وقد تقدم لديترصى  أن أعتبر الفارابى المؤسس للفلسفة العربية ويظهر أن هذا الرأى لم يقتصر على ذلك الكاتب الغربى فقد شاركه فيه بعض المؤلفين فى الشرق فقد جاء فى كتاب (دروس فى تاريخ الفلسفة) فى  رأينا أن الفارابى (٩٥٠م)  على الرغم من جهل الناس به هو  الأب الحقيقى للفلسفة الإسلامية فقد شاد بناءها وألم بأجزائها الرئيسية رابطاً بعضها ببعض ولا نكاد نجد فكرة عند خلفائه  إلا ولها أصل لديه، وكل ما لهؤلاء من فضل غالباً أنهم وضحوا

غامضه وفصلوا القول فيما أجمله. ويخيل إلينا أنه أعرف فلاسفة  الإسلام بتاريخ الفلسفة لذلك نراه يتحدث عن المدارس اليونانية وبين الفوارق التى تفصل كل واحدة منها عن الأخرى ويحاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو طاليس (فيلسوفى اليونان فى رأيه بلا جدال) وقد ألف كتباً عدة بعضها شرح لمؤلفات  أرسطو طاليس أو مختصرات لها وبعضها الآخر كتبه ابتداء  ليعبر به عن رأيه وبحثه الخاص وما وصلنا من هذه الكتب كاف لتفهم نظريته)1 وفى كتاب (نزهة الجليس ومنية الأديب  الأنيس) أن الفارابى التركى الحكيم المشهور صاحب التصانيف  المشهورة فى المنطق والموسيقا وغيرهما من العلوم كان من أكبر فلاسفة المسلمين ولم يكن من بلغ رتبته فى فنونه2 ويقول  الأستاذ محمد فريد وجدى فى (دائرة المعارف) الفارابى أبو نصر التركى الفيلسوف المشهور هو أكبر الفلاسفة الإسلاميين له تصانيف عديدة فى المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم لم يكن من المسلمين من بلغ رتبته فى فنونه)3 وترى تقارب العبارتين فى الصيغة والمعنى والمبنى والظاهر أن مؤلف دائرة المعارف أخذ  الترجمة من هذا الكتاب أو كلاهما تطفلاً على مؤلف ثالث، وكان  العباس بن على بن نور الدين المكى الحسينى فرغ من تأليف نزهة الجليس سنة ١١٤٨هـ.

ويقول الدكتور حسن إبراهيم حسن فى كتابه  (تاريخ الإسلام السياسى والثقافى والاجتماعى) ومن أشهر فلاسفة الإسلام أبو نصر ويعتبر أكبر فلاسفة المسلمين حتى لقب بفيلسوف المسلمين بالحقيقة وفيلسوف المسلمين غير مدافع4 أما ابن تغرى بردى الأتابكى فى (النجوم الزاهرة) فإنه يورد  فيمن ذكر الذهبى وفاتهم فى سنة ٣٣٩ هـ قوله (وأبو نصر الفارابى صاحب الفلسفة)5  أما أبو الفداء المتوفى سنة ٧٣٢ هـ  فيكتفى أن يقول فى تاريخه وفى هذه السنة توفى أبو نصر

الفيلسوف ثم يتحدث عنه وعن دراسته وأسلوب حياته وأشياء  أخرى1 ولكنه لا يهبه تلك الألقاب الضخمة التى يضفيها عليه من ذكره من المؤلفين الآخرين. ويقول ابن النديم من القرن  الرابع فى (الفهرست) (أبو نصر ... من المتقدمين فى صناعة  المنطق والعلوم القديمة2 وجرجى زيدان من المتأخرين يقول  عن الفارابى فى كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية) (وكان  فيلسوفاً  كاملا درس كل ما درسه من العلوم وفاق فى كثير منها  وخصوصاً المنطق) ويقول الزركلى فى (الأعلام) الفارابى ويعرف  بالمعلم الثانى أكبر فلاسفة المسلمين ويقول ابن الأثير فى الكاءل)   (وفيها توفى الفارابى الحكيم الفيلسوف صاحب التصانيف فيها)   ويقصد إعادة الضمير من (فيها) إلى الفلسفة المفهومة ضمناً.  ويحدثنا ياقوت الحموى المتوفى سنة ٦٠٦هـ فى (معجم البلدان)  وإليها (إلى فاراب) ينسب أبو نصر الفارابى الحكيم الفيلسوف  صاحب التصانيف فى فنون الفلسفة3

وهنا نلاحظ أن ياقوتا الحموى وابن الأثير وغيرهما يذكرون فى التعريف بالفارابى أنه صاحب التصانيف فى فنون الفلسفة فلا بد أن تكون لفيلسوف المسلمين جملة مؤلفات ولكن المتداول  والمعروف منها شئ زهيد لا يثير الكاتب عن الفارابى لأن  ينعته ويعرفه بأنه صاحب التصانيف فى فنون الفلسفة. ثم إن  مؤرخى حياته يقولون أنه كان يقضى حياته بين الأشجار يكتب.  إذن فهو مواظب دائب على الكتابة والتأليف منقطع عن الناس  منعزل قد توفر وكرس وقته للكتابة وذلك يقتضي أن يكون  كثير الإنتاج فأين ذهبت آثاره ؟ لا شك فى أنه كان له جملة  كتب ومؤلفات ضاعت من العالم الإسلامى فيما ضيع من كتب  علمائه وفلاسفته بتأثير النكبات وغزوات التتار

والحروب والفتن الداخلية وقد لاقت كتبه مقاومة عنيفة  من الغزالى وأنصاره ومن ابن تيمية وأتباعه ومن الحنابلة الذين لعبوا فى بغداد أدواراً مهمة فى اضطهاد الفلسفة. ويؤيد ما تقدم  من ضياع كثير من مؤلفات الفارابى ما وجدته فى كتاب

(فصول الحكماء) إذ روى مؤلفه محمد أبو الهدى الصيادى الرفاعى عن البيهقى أن للفارابى كتباً كثيرة يجهلها الناس  وقد قال إن العلامة ظهير الدين البيهقى رأى فى خزانة نقيب  النقباء بلرى كتباً كثيرة من مؤلفات الفارابى لم تطرق سمعه  وهى بخط الفارابى) وهذا مما يؤيده العقل إذا رجع إلى  الأسباب المتقدمة

والحق أن الناس قد تحدثوا كثيراً عن مكانة الفارابى فى  الفلسفة. قال الأستاذ مصطفى عبد الرازق يقولون الحكماء أربعة : اثنان قبل الإسلام وهما أفلاطون وأرسطو، واثنان فى الإسلام وهما  أبو نصر الفارابى وأبو على أبن سينا . وكان بين وفاة أبى نصر  وولادة ابن سينا حوالى ثلاثين سنة وكان أبو علي بن سينا تلميذا  لتصانيف الفارابى يعترف أنه لولاها لما اهتدى إلى فهم ما بعد  الطبيعة. وكما لقب أفلاطون بالحكيم الإلاهي وأرسطا طاليس  بالمعلم الأول لقب الفارابى بالمعلم الثانى وابن سينا بالشيخ الرئيس  وآراء الناس مختلفة فى تقديم الفارابى أو ابن سينا. يقول ابن  خلكان عن الفارابى (وهو أكبر فلاسفة المسلمين ولم يكن منهم  من بلغ رتبته فى فنونه والرئيس أبو على بن سينا المقدم ذكره  بكتبه تخرج وبكلامه انتفع فى تصانيفه)  أما الشهر ستانى فيقول  عند الكلام على فلاسفة المسلمين (ومنهم الفارابى وإنما علامة  القوم أبو على ابن سينا) فهو إذن يقدم ابن سينا على من اعتبره  ابن خلكان أستاذه

وهذا ابن سبعين الفيلسوف الصوفى الأندلسى الذى يقال أنه  انتحر بمكة شوقاً إلى الاتصال بالله سنة ٦٦٩هـ  يقول فى كتاب  له مخطوط ما نصه نقلاً عن المجموعة التى نشرها الأستاذ ماسنيون  المستشرق الفرنسى المعروف (وأما الفارابى فقد اضطرب وخلط  وتناقض وتشكك فى العقل الهيولانى وزعم أن ذلك تمويه ومخرفة  ثم شك فى النفس الناطقة هل غمرتها الرطوبة أو حدثت بعد  وتنوع اعتقاده فى بقاء النفوس بحسب ما ذكر فى كتاب الأخلاق وكتاب المدينة الفاضلة والسياسة المدنية وأكثر تآليفه فى المنطق وعدة كتبه نحو خمسة وسبعين كتاباً وفيها من  الإلاهيات تسعة وهذا لرجل أفهم فلاسفة الإسلام وأذكرهم  للعلوم القديمة وهو الفيلسوف فيها لا غير، ومات وهو مدرك

ومحقق وزال عن جميع ما ذكرته وظهر عليه بالحق بالقول والعمل ولولا التطويل لذكرت ذلك مفصلا (1) هذا ما يقوله ابن سبعنين وقد تناول بالنقد اللاذع بل بالتحقير الشنيع ابن سينا والغزالى وابن رشد

إلى هنا نقف لنعود فى القريب العاجل لنعرض لقراء  الرسالة الكرام صفحات رائعة لأثر فلسفة الفارابى فى العقل البشرى فنستعرض سياحة الفارابى فى أوربا ونشهد الموجات  العنيفة الثورة التى صدمت هذا الفيلسوف فنستعرض الفارابى تحت مطارق خصومه فى الشرق والغرب فإلى الملتقى بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية