الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 648الرجوع إلى "الثقافة"

الفتاة المثقفة

Share

سيداتي . آنساتي . بنياتي : لقد شاهت إدارة هذه المدرسة العالية (١) أن تجعلني عنوان احتفالها الكريم ، وفي مرجوي أن اتخذكن موضوعه الناصع ، ولقد نظمت لي بذلك عقدا ثمينا ، وبودي أن أستميحها واستميحكن عذرا ، لكي أعفي من هذا العقد الذي لا عيب فيه ، سوي أن جدي يقصر عن مجاراة نفاسته . وهأنا في أقف أمامكن لا لأنبط شكري في أعناق منتها وتلطفها . بل إنسانة تجمعها بكن شركة الجنس والإنسانية . ووحدة المطلب والغاية ، كما تربطها بغالبيتكن في هذه المدرسة العزيزة ، لحمة التلمذة وصلة الأرومة . فحضراتكن جميعا مني وأنا منكن ، وحديثي إليكن الآن حديث القلب للقلب . ولو سئلت أن أحدد لكن غاية الإنسان من وجوده ، لقلت : "الثقافة" . ولو سئلت منكن : "ما الذي أعنيه بالثقافة لأجبت : "إنها السعي إلي اكتشاف جديد في ميدان المعرفة ، والسير على أقدامنا ، والاهتداء إلى السبيل السوي حين يضطرب حبل الأمور . والثقافة شيء والتعليم شيء آخر . لأن التعليم تلقين العلوم الحسية ، ووسيلة من وسائل الثقافة .

أما الثقافة فهي السبيل إلي التعمق في الحياة ، لأنها مجموعة الاختبارات البشرية في الفنون والعلوم ، وهي التي تكون الملكات بالمعلومات التي تملأ سوق الحياة ، والإحساس بأثرها الفعال في جميع الأمور ، واختبار صدقها عن تجربة ، وسريانها في العروق واختلاطها بالدم ، وارتباطها في صميم النفس ، كالطعام الذي تتناوله فيختار منه الجسم ، وينظم فيه ويهضمه ، فيبني منه ما تفرق من مركباته . فهي الثقافة التي تجعل من البصر بصيرة نتفهم بها حقائق هذا الوجود ونلتذها ، وعندئذ تغدو الحياة فنا جميلا . فنعيش ونحن

نحس المسئولية أمام العالم ، تملأ ضمائرنا وتجيش في أرواحنا وقلوبنا . ولقد كان أجل المثقفين شأنا ، رجل حداد بسيط ، صادفته في بعض رحلاتي ، وكانت معلوماته المستقاة من الكتب ضئيلة محدودة ، وكان في محيطه نكرة من النكرات ، ولكن شخصيته كانت تبرز حينما حل ، فياضة بالنشاط والحيوية . آمرة بصدق النظر ، وقوة التأثير وعظم الأثر . وما كنت تتجاذبين معه موضوعا ، حتى كان يطالعك فيه باتجاه جديد - اتجاهه الخاص ، يعبر فيه عن رأيه المستقل الأصيل ، وإذ ذاك يريك منه الإنسان ، الإنسان بروحه - عالما رحيبا تتجمع فيه كل العوالم من منظورة وغير منظورة ، وليس لها وجود إلا فيه ، والإنسان إن عرف ما فيه ، عرف كل شئ . . وكان أقل من عرفت ثقافة ، أستاذ من الراسخين في علم الطبيعيات ، ما تفتحت العين على مثله في ميدانها ، وقد ترجمت تصانيفه فيها إلى جميع لغات العالم المتحدين . أما هو فكان تافها مغلقا ، شبيها بصندوق يوشك أن يتصدع مما يكظه من المتاع . فكان رجلا أجاد حشو عقله بالعلوم ، ولكنه لم يجد في هذه العلوم ، المصابيح التي تنير آفاق نفسه المظلمة ، وتظهر ممكناته ، وكان مثله مثل رجل أضاع مفتاح بيته ، فراح بجمع مفاتيح من هنا ومن هناك ، ولما عاد بعد اغتراب طويل ، لم يجد في مجموعته مفتاحا يفتح به أغلاق بيته ، فظل خارجا وظل طريدا شريدا ، ولم يكن نصيبه من جميع هذه المفاتيح ، سوي التعب والشقاء والحسرة والغربة . ومن أجل هذا لا أسأل الفتاة الطالبة ، هل تحمل على ظهر لسانها المعلقات العشر ، والإلياذة وشكسبير ، وديوان لامارتين ؟ أو هل تحيط بعلوم المتقدمين والمتأخرين ، وتلم بتاريخ الملوك والأباطرة الميامين ، أو تحيط بتخطيط البلدان والأقاليم ، أو تستوعب النظريات الهندسية ، أو تعي أسرار الذرة الخفية ، لأن الفتاة المثقفة هي التي تستطيع أن تكيف الجو الذي تعيش

فيه ، وهي التي تجد في الدين دستور حياتها المؤلف من ثلاثة أضلاع : أولها القانون الإلهى الأعلى ، والثاني الضمير ، والثالث فانون البلاد .

وهي التي تعني بحفظ التوازن التام لحساسيتها ، وتسيطر على المؤثرات الخارجية ، والانفعالات العزيزية ، فلا تستسلم للعواطف والأهواء الجارفة .

وهي التي تحذق استخدام نزعاتها للتعبير عن ذاتها المعنوية ، واستجلاء جمالها بمظاهر بسيطة تناسب الذوق السليم المتمدين والفطرة الصافية المحتشمة . وكل فتاة في الدنيا تحب أن تكون جميلة .

والمثقفة تعلم أن الأنوثة في ذاتها ، لا تخلو من مظهر جاذبية وجمال ، فتبديه على شكل جسمها وثيابها ، وعلى حركاتها وسكانها في بساطة بالغة التأثير ، فلا تواري ما في نفسها من رشاقة الأطفال ، ومرحهم وسلامة قلوبهم ، وصدق حسهم - جسمها صحيح ربان ، وبشرتها رقاقة وضيئة ، وشعرها حسن التنظيم والترجيل والتصفيف ، يلائم ملامحها ، وقدها أهيف ممشوق ، وجبينها مشرق ، وعيناها مملتلئان حياة وطهرا ، وعلى ثغرها ابتسامة الرضي صادرة عن قلب سليم ، على كل شئ فيها روعة من الجمال البسيط المهذب ، هي أبلغ في التعبير من كل ما في العالم من مجوهرات كريمة وثياب نفيسة وروائح ذكية وأصباع باهرة . هي حينئذ المثل الأعلى للجمال والغاية التي تنتهي إليها مرتبة الأدب والكمال ، تجمع إلي جمال الظاهر جمال السيرة ، إذ تجعل ذهنها خاليا لإدراك الحياة العملية الصحيحة . فهي تلميذة مدرسة الحياة ، وهي اختصاصية في فنون هذه المدرسة ، وهي البصيرة بآداب المجتمع ، وكيف تجلس وكيف تمشي . وكيف تأكل ، وكيف تشرب ، وكيف تستقبل ضيوفا . وكيف تودع ضيوفا ، وكيف تحاسن من حولها وتجاملهم وتواسيهم ، وهي الدائبة على الإحاطة بكل مهمة تتعلق بالبيت وبالأسرة ، ويكفي أنها الزهرة الجميلة في بستان البيت ؛ فمن واجبها كابنة أن تنظر إلي إخوتها بعين الحنو . وتكون لهم مثالا طيبا في السلوك والتفكير والمعاملات ، وتكون لوالديها المعينة المشيرة والخدوم الطيعة والبذول الودود ، وهي كزوج ملاك رجاء لزوجها وأمنية حبه ، تشاطره أفراحه وأتراحه . وتوفر له أسباب الراحة والصحة والهناء

والحياة ، وتقوم بواجباتها في شئون المنزل الداخلية ، كما تريد أن يقوم بواجبه في شئون المنزل الخارجية ، وتحسن التوازن بين إيراده ونفقاته ؟ فلا تكون " كمدبرة هانم " التي قالت لزوجها ذات يوم : " بلاش تشتري بدلة صيفي السنة دي ، وبلاش تشتري جزمة ولا شرابات ولا كرافتات ، وبالشكل به يبقى عندنا فلوس علشان نشتري كلب لولو !" . وهي التي تتجنب الإسراف فتعرف كيف تكون غنية لا ينال الذي تمتلكه بل بما تستطيع أن تستغني عنه من المشتريات ، إن الزوجة هي الركن الأساسي الذي يقوم عليه مجد بريطانيا العظمى ، ومع ذلك فإن الانجليزي لا يشرك امرأته في أعماله الخارجية ، كما انه لا يتدخل في شئونها المنزلية ، وكثيرا ما يحدث ان يأتي الرجل إلي بيته ويقول لزوجه . لقد اضعت ثروتي وستسافر غدا إلي استراليا لاكتساب رزقنا فيها ، أو لقد انتدبني الإمبراطورية لمهمة في أدغال أفريقيا الموحشة ؛ فتبادر إلي تأييد صدق "لورد درين "فى قوله : إننا معشر الإنجليز إذا أردنا أن تنتدب رجلا لمهمة خطيرة أو منصب جليل سألنا عن صفات زوجه اولا لا عن صفاته " وتمضى معه راضية مسرورة . لا تنادي بالويل والثبور لهذا التغيير الصاعق ، ولا تطالب الحكومة بأن تمنحها بدل اقتراب أو تعويض تضحية ، بل تعرف كيف تستفيد بما لهذا التغيير من مزايا لم تكن تحلم بإمكان وجودها في ذلك المحيط المخيف . وتوقن أن كل شئ في هذه الحياة مهما يجييء على غير المراد ، فإن فيه جذوة من الخير ، وحينئذ يتفتح القلب للحياة بعد استكراه ، ويمتلئ غبطة وقوة ، والعواطف كالعضلات تنمو بالتمرين ونجني على البنية بالإجهاد حقا .

إن المثقفة هي التي تقول لزوجها عمليا في الغربة والمخاوف إنها ترتضية شريكا لحياتها . إذا كان لا يعرف الحياة إلا مصارعة ، ولا العيش إلا مثابرة ، ولا ملاقاة الخطوب إلا جهادا غلابا ، ولا الموت إلا سقوطا في حومة الواجب المقدس والعمل النبيل .

وهي كأم تقوم بتربية أطفالها بنفسها ، وتسهر علي تنعيتهم ببصيرتها ، كما تسهر عليهم باصرتها ، وتشبع ارواحهم وعقولهم كما تغذي أبدانهم وأعصابهم . وتدرس الأطعمة الصحية وتعرف

علاقاتها بتكوين الأخلاق والشخصية وتجديد الأنسجة والحيوية . وتؤلف بين عناصرها الغذائية النافعة لكي لا يسوء تفاعلها في الحسم ويدمره . وتعلمهم ان يترعرعوا في بساتين الحياة ليكونوا أشجارا وارفة ، ثمارها مرضاة الله ومحبة القريب والغريب . وتنزيه النفس عن كل أمر معيب . والنهوض بالعمل الصالح . والمثقفة - ابنة كانت أو اختا أو زوجة ، تجعل البيت فردوس نعيم أرضي لذويها ، وتهيء لهم به منازل كرامة لا ينهدم بنيانها ، ولا تتقوض أركانها . وحياة موقورة قواميا المفاداة والصداقة والإخلاص المتبادل .

والمثقفة هي التي لا يأخذها الغرور ، فلا يرتبك مخدوموها في محادثتها ولا تشمخ على جليسها بسعة المعارف وجمال الخلق والخلق أو بذخ الجاه ، ولا تساجل غيرها في الفخر وتتيجح على صويحباتها وقريناتها بألقاب أيها الباشا أو زوجها صاحب المعالي أو شقيقها سعادة البيه المدير أو ابن عمها صاحب العزة . والمثقفة هي التي تجيد التحدث بلغتها في سلامة ووضوح لتستطيع الإعراب عن نفسها على أنصع وجه ممكن . والمثقفة هي ذات الصوت المهذب فلا تدلعه رقيعا من حلقها فيخرج عاليا مخنوقا ، ويجعل المرء يتمني لو تفرض ضريبة على الألفاظ إذا أرسلت بصوت صارخ . والمثقفة هي التي تدير بين فكيها لسانا أحلى من الشهد ، يسرى بحديثه عن الخواطر ويجد فيه السامع ترياق الهموم . وهي التي تجيد المناقشة التي تمتزج بأجزاء النفس ، وتتوخي الدقة في الرقة وتزن الكلام وتحسن الجواب وتفوز بالإقناع في الموقف العصيب . إن الحاجة نبيهه أحمد حسنين ناظرة مدرسة الفيوم الابتدائية للبنات قد رأت يوما احدي تلميذاتها لا تتمالك نفسها من البكاء في ثورة سنة ١٩١٩ . فسارعت إلي مخيم الماجور الإنجليزي لتذود عن أم تلميذتها واثنتين من قريباتها ، إذ قبض عليهن وأودعن السجن بسبب ازواجهن المتهمين بتهريب السلاح .

ولما تقدمت من الضابط الذي لم يقف لمصافحتها ، قالت : "يظهر أن الإنجليز في مصر ، غير الإنجليز في انجلترا " . ففهم مرادها ، وقام وقدم لها مقعدا ، ولكنها أبت الجلوس وقالت : " لقد جئت إليك بخصوص السيدات المعقلات ". فأجاب : (إني لا اعتقلهن بأمري ولكن بأمر أزواجهن

الهاربين ، متى عادوا وسلموا أنفسهم كان هذا أمرا منهم بأن أفرج عنهن في الحال " . فقالت الناظرة : " إن هذا ليس من خلق الإنجليز " فقال : " ولكنه من خلق الهاربين فقالت : " ستنتهي الثورة ، وسنعود أصدقاء" ولكن التاريخ لن ينسي أنكم سبيتم نساء في القرن العشرين ، وأؤكد لك لو استشرت أي انجليزي في عملك هذا لما أقرك عليه " فقال الماجور : " لاتتعبي نفسك " وقالت الناظرة : " لا أقل من أن تسمح لي برؤية السجينات " وقادوها إليهن . وفجاة دخل الماجور وقال : " لقد قررت أن أفرج عن المعتقلات ، وسيخرجن معك الآن . وتتولى توصيلكن سيارة انجليزية" فقالت الناظرة : " ( إني أحيي فيك الرجل المتمدين الذي لا ينسيه عداؤه إنسانيته ). فقال الماجور : " وأنا أشكرك . ولكن أرجو أن تعديني بشرفك أن تبلغيني كل ما يصلك عن الهاربين " فابتسمت الناظرة وهي تقول : " وهل ترضي أنت عن هذا الوعد ؟ أو هل تستطيع أن تعتمد على مثله" ، ومضت بهن . ولم يقل الضابط الإنجليزي شيئا.

والفتاة المثقفة هي التي تستطيع بعد أن تترك المدرسة وتدخل إلى معترك العالم ، أن تجد نفسها أكثر علما ، وأبعد نظرا ، وأقوي إرادة وجلدا من الرجل ، وإنها لتثور على البالي من الأوضاع ، إلا أنها تأبي أن تتخذ من ثورتها طفرة طائشة ، بل تجعلها نشاطا رزينا مطردا ، في ناحية من ناحية كفاحها المنظم ، لا تستغرقه كله . ولا تستنفد معه قواها جميعها ، وإنها لتقتحم على الرجل ميدان العمل ، فلا يجد الرجل فيها مزاحمة ، ولا يجد بدا من احتراميا ، فيقف ذاته على خدمتها ، ويبذل راحته في سبيل هنائها . ويعد نفسه سعيدا إذا رأي حبات العرق المنصبية علي جبينه قد تبلورت وتحولت إلي حجارة كريمة تزدان بها أصابع زوجه أوتحر أخته أو أبن ابنته لأنه يعلم أن المرأة بطبعها لا يشغلها إلا ولدها رضيعا وكهلا ، ولا تؤثر في الدنيا مشغلة الأمعاونته على البر بالوطن عن طريق البر به هو . وإلا مشاركته في تنظيم أوضاع المجتمع الذي يمثل نصف حياتة . وتقف من ورائه . قوة القوي التي تدعم قوته وارتقاء، وتغذي عظمته ونهوضه ؛ ولئن كان في مقدرة

المرأة ، أن تتولي كل عمل يوكل إليها في عناء وكفاية ، إلا أن الأمم الناضجة التي امنت بتساوي الجنسين في جميع الحقوق ، قد عرفت بالاختيار . أن أكثر الناس نجاحا في الحياة هم الذين ينهضون بأعمال تطابق قطرتهم الأصيلة ، واستعداداتهم وملكاتهم الطبيعية . ويجاهر كبار الساسة الغربيين بأن المرأة عندهم قد أعطيت حقوق تساويها من حيث الوظائف السياسية والدينية فضلا عن الاجتماعيه والأدبية ، ولكن إشرافها ونفعها يكونان أقوي في دوائر البيت وهو مركز سلطان الأنثى قبل كل شئ . وإنها بعد أن بلغت مناها في مزاولة حقوقها الدستورية ، قد استقرت مطمئنة إلى إدراك التزامات هذه الحقوق بإزاء وظيفة سلطانها الطبيعة وتفانت في أدائها على الوجه الاكمل .

سيداتي.. إن من دواعي الحمد لله أن أشهد بأن هذه المدرسة العظيمة ، قد حرصت على تهيئة الجو الثقافي لطالباتها ، وظلت عمل رسالتها العليا مدة خمسين سنة في أمانة وصدق ومثابرة وإيثار . ولما كانت العبرة في وسائل التربية وطرق التعليم لا بالمنهاج الجذاب ، فيكفيني فخرا أن أناديكن بلسانها بإخريجات هذا العام قائلة :

وعادة السيف أن يزهي بجوهره

                  وليس يعمل إلا في يدي بطل

فهيا إلى الاستحابة لندائها الذي يخاطبكن بلسان الرسول الحكيم قائلا : " ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة ، يخدم بها بعضكم بعضا كوكلاء صالحين على نعمة الله ".

إنكن وافقات على عتبات فجر جديد ، كافح في سبيل انبثاقه ذلك البطل الشيم المقدام قاسم بك أمين محرر المرأة الشرقية . وإني لأطلب إليكن الآن أن نقف ونتحني بإحترام مدة دقيقة واحدة اعترافا بفضله ، ووفاء لذكراه الحميدة التي تقام في الثالث والعشرين من هذا الشهر .

أجل . إنكن واقضات أمام فجر جديد ، يطالبكن بطاقة جديدة ، وبقوة جديدة خلقها الكفاح الطويل والتقدم الملوس وأطلقها للعمل ، وهاهي في تتصاعد وتقتحم كل مجال . والحياة أمامكن ، فسرن نحو الغاية المقدسة وانظرون ألا تلمس

أقدامكن العشب إلا لتتفتح في إثرها الورود ، فإذا سألكن ربكن حسابا عن الفسحة التي قسمها لكن من العمر قلتن : " اللم إنا طلبناك في أنفسنا فأهلنا أن نراك في كل نفس " .

لئن عجزت عن شكر برك قوتي

                   وأقوي الوري عن شكر برك عاجز

فإن ثنائي واعتقادي وطاقتي

                   لأقلاك ما أوليتنها مراكز

واذكرن أن الثلثين من شعب مصر هم من الفلاحين المرابين ، وان أختكن الفلاحة تعيش وراء ستار حديدي من الجهل والعوز والمرض وما يستتبعه ركود التقاليد وجمود العزلة . فعليكن ان تمزقن هذا الستار إلى نصفين ، وتغرسن بذور المعرفة والنور في تلك الدنيا القاحلة التي يطبق عليها الظلام ويحجز عنها ري الثقافة ، فإذا هي قفر من جميع مظاهر الإنسانية الحقة .

ليكن شعار حياتكن شعار ذاك الذي رسم يدأ ممتدة تفيض على قلب ملتهب بالنار وهو يبتهل مخاطبا الجلال الإلهي بقوله : " أقدم لك كل شئ لا أحجز شيئا " .

فانظرن ماذا تكون حياتكن . أنظرن أن تكون في قلوبكن آمال الربيع ، وخيرات الصيف وسلام الخريف وطمأنينته ، وقوة الشتاء وصبره . انظرن الا يبقي بينكن وبين الفخر الصحيح ، إلا أن تبرهن كل منكن بالمعنى الجميع الذي يدركه الفاهم الرصين من كلة الفتاة المثقفة أفقها واسع رحيب كالمحبة ، ونشاطها وديع كالعدل . وسلوكها نزيه كالقانون ، وحياتها سجل للنهضة والارتقاء وتصرفاتها رسالة مقروءة رافعة ، وخلفها قوة خالقة مبدعة، وكفايتها ثروة منقذة خالدة ، وآراؤها نفوذ آمر آسر ، ومساعيها حياة طاهرة موقورة تفيض بالإيثار والكفاح لتأييد قضية السلام العالمي وتسيير قوي البلاد الإنتاجية نحو خير الشعب وحريته وسعادته وتوجيه مختلف الأمور إلى مجلي العظمة والعظائم .

واذكرن كلما هللت لكن الحياة بالفوز ، أن اليد التى تصفق هي يد الرئيسة الفاضلة التى أعدتكن لهذا المجد وأيدي المعلمات الساهرات اللواتي مزجن قواهن بمواهبكن فتحلت منكن هذه الثقافة الممتازة والشخصية المنيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية