الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الفجر الجديد

Share

يا امتي في ضباب الظلم موعدنا دعي السياط كما شاءت تبددنا

اقوي من الموت في لالائه غدنا

تململ عباس فى فراشه حين احس بانامل الشمس تقتل جينه الاسمر ، وتمسح بعنقه وكتفه العاريين كانها تتمنى له صباحا سعيدا ، وتهيب بما ان يستيقظ فقد حان موعد ذهابه الى الدائرة التى يقتل فيها يومه عن كره . حقا الله يريد ان ينهض ولكن سنة لا تزال تثقل جفنيه واحلام لذيذة لا تزال تدغدغ وجدانه ثم ان روعة النوم تبلغ اوجها فى لحظات الصباح . واعصابه لا تزال تعيش خدرا سمحا لينا !

وفتح عينيه وتلفت يبحث عن زوجه . فلم يجدها راقدة إلى جانبه . فاعتراه برود قاس ، واحتبست انفاسه فى صدره . وخيل اليه ان ضبابا قاتما يتمطى امام ناظريه . فدلكهما بابهاميه فى شدة . وتطلع فى ساعته فوجدها تشير الى السادسة والنصف ، عجبا متى كانت زوجه تنهض قبله ؟ ودفع الغطاء عنه بسرعة . وانتصب بقامته المديدة فى وسط الغرفة يرتدى منامته وهو يوزع نظرات متسائلة هنا وهناك ثم خطا الى الغرفة المجاورة . وفتح الباب وابتلع الغرفة بنظرة مستعجلة دون ان يلمح اثرا لها . فوقف يفكر واصابعه تعبث بمقض الباب فى حركة عصبية ثم نادى بصوت مكتوم كاد ان يكون لا شعوريا :

- خضراء . . خضراء . . واصغى بكل جوارحه فلم يسمع الا صدى صوته يئن بين الجدران ، انه لا يفهم كيف نهضت دون ان يحس بها . والى اين ذهبت فى هذه الساعة المبكرة ؟ وفكر انها قد تكون فى الحديقة . فاندفع نحو النافذة وفتحها واخرج راسه منها وشمل الحديقة بنظرات ثاقبة . وبعد لحظة رأى شجرة التين تهتز وتعلو وتهبط فى

حركات منتظمة . ورأى انامل بضة تنساب عبر الاغصان ملتقطة حبات التين في خفة ونشاط . وعندئذ شعر بروعه يهدا ، وبسكينة ساجية تداعب شغاف قلبه وصاح بصوت فيه نبرة تتدفق حبا وحنانا :

- خضراء . . اين انت ؟ - صباح الخير . . انا هنا . لحظة . كان سماع صوتها كفيلا بأن يعيد الى نفسه هدوءها وطمأنينتها . واجتاح الابعاد بنظرة طروبة ، الشمس تعلو ببطء . والارض نشوى ترتعرش تحت النسمات الخريفية الحلوة . والعصافير تملأ الفضاء باهازيج سادرة . والاوراق الباهتة تحوم في الجو راقصة قبل ان تستقر على الارض . وهناك عند سفح الجبل يدب القطيع والرعاة خلفه تتعالى اصواتهم بالاناشيد ، ومن حين لآخر ينطلق صوت شبابة يتعالى بانغام شجية تلامس القلب قبل ان تلامس السمع .

عاد الى غرفته واخذ يرتدى ملابسه . وفى ذلك الحين دخلت زوجه نحمل سلة التين . وافرغتها فى انه مملوء بالماء . فاقترب منها :

- يا حبيبتى ، . خلت اننى ساقضى عندما استيقظت ولم اجدك بجانبي . اريد ان تكونى دائما اول ما تقع عليه عيناى كل صباح . . آه . . ان حبي لك اقوى من الحب نفسه !

فابتسمت خضراء في حياء وخفر . إنها تخجل حين ينقط فى سمعها مثل هذه الكلمات . لا تريد ان تراه هكذا ضعيفا امامها . تريده ان يكون رجلا صلبا . عنيدا . هى تعرف انه يحبها حبا لا مزيد عليه . تستطيع ان تقرأ كل ذلك في نظراته . في خلجات شفتيه . فى التعابير التى ترتسم على وجهه بوضوح تام . إن اعترافه بحبه لها يذهب شيئا من رجولته . ويسمها بالذل والخضوع

واخذ يضمها الى صدره بعنف حتى ندت عنها صرخة ممغناج . فدفعته عنها برفق وانصرفت تهئ له فطوره . فشيعها بنظرات والهة ، ثم جلس يتصفح احدى الجرائد الصباحية . وعادت بعد قليل تحمل صحنا تقتعده شطيرة دسممة . فتناولها وشرع يقضمها في نهم .

- هم . . ما الذطائر ! لا سيما إذا كانت من صنع يديك . ورمقته خضراء بنظرة حنونة :

- عليك ان تسرع . . يا زوجى الحبيب . فلم يبق ثمة وقت . - آلا . . كم اكره الساعات التى اقضيها في الدائرة ! اود لو استطيع أن اكرس حياتى كلها من اجلك . من اجلك وحدك

وضحكت وهي تقول : - الا تعتقد ان الساعات التى تتعذب فيها من اجلى ايضا ؟ . صحيح . ولكن اريدها ان تكون بقربك . يكفينى ان اكون الى جانبك لا حمل جبلا فوق كاهلى انها ساعات قاسية اشعر فيها بانني انهار امام طوفان الملل . ان اللحظات الزمنية تعدم عند ما تجلس الى من نحب لتعيش بدلها الذكريات والاحلام والرؤى الفاغمة

فقالت وهى تنظف سترته : - اعرف انك تحب ان تفلسف كل شئ . ولكن لا تنس ان ثمة اشياء تستعصى على الفلسفة . ويكفى ان يحسها لا اكثر . فالضلال كثيرا ما يعترينا عندما نحاول فلسفة شعورنا نحو قضية ما . فالفلسفة تتطلب دائما ادخال عناصر جديدة فى الموضوع قد تضب الهدف وتزرع حوله شكوكا ما . اضف الى ذلك ان ليس كل موضوع يحتاج الى طرق باب الفلسفة . فكلما عاش المرء صحيحية الواقع ابتعد عن الفلسفة واكثر الناس اعتناء بالفلسفة هم اولئك الذين لم يذوقوا طعم السياط . او الذين داقوه وكانت لهم فلسفة تبرر استسلامهم وخضوعهم .

واخذ عباس يضحك بصوت عال وهو يدغدغ ذقنها . - الآن اصبحت لا افهمك يا عزيزتى فصفعته على خده مداعبة وهى تقول : - وهل تظنني افهم نفسى ؛ وضحكا معا . ثم انصرف فى حين بقيت هى منشغلة بتنظيف الغرف وترتيبها كانت خضراء تتمتع بثقافة ممتازة . لذلك كان عباس يحبها من كل قلبه . اذ من النادر ان يجد مثلها فى بلادا التى تعوى فيها الامية فى كل ركن من اركانها واشد ما كان يخافه هو ان يفقدها . ان تضيع منه . لهذا كان يحرص عليها اكثر

من حرصه على نفسه . فهو لم يعرف حياة الاستقرار الا عند ما تزوجها قبل ثلاثة اشهر بعد عودته من باريس بمدة قليلة ، والحق انه لم يكن يعيش معها كزوجة بل كصديقة لا اكثر . كان يريد بساطة ان يخلق عالما يكونان هما شمسه وارضه . بعيدين عن كل ما تمور به بلدهما من اضطرابات واهتزازات ، كان يعتقد ان بوسعه ان يفعل شيئا من هذا القبيل . ولكن خضراء لم تكن تشاركه في رأيه ذاك ، و كم من مرة دخلت معه فى نقاش حول هذا الموضوع . قالت له ذات يوم

- ترى من يجيب لهذه الاهتزازات ويكبت شعاراتها بدمائه اذا لم نستجب لها نحن المثقفين

فأجابها قائلا : - ولكن هذا لا يعنى ان علينا جميعا ان نشارك فيها و فقد يكون اولئك الذين قاموا بها فى غنى عنا .

فردت عليه بقولها : - ان الذين قاموا بها ليسوا افرادا معينين . هناك شعب يريد أن يتحرر . ان الجماهير المجاهدة هى التى تحرز النصر . وما علينا نحن الا ان نكون فى الطليعة لنرسم الخطوط ونضع الاهداف ونفتح باب الاستشهاد . الا تتمنى ان تموت وصخور بلادك تشتهى ان ترتوى من دمائك التى وهبتها فى سبيل اسعاد الملايين لتحتفظ بها للاجيال الصاعدة

له تكن خضراء تشك في وطنية زوجها . كما انها لم تكن تتهمه بالجبن كانت تريد فقط ان تبين له عن طريق التلميح ان وراءه واجبا مقدسا عليه ان يقوم به . تريد ان تبين له ان الوطنية كلمة جامدة ما لم تكتسب صفة التحقيق الفعلي . وان الحب وسيلة لا غاية . وسيلة تتحول الى طاقة ضخمة ساعة القيام بالواجب المقدس . ولم يفت عباس ان يدرك ما كانت تريده زوجه منه . ولكنه كان خائفا عليها ان تتعرض لعذاب ما ان هو ابتعد عنها لا سيما وان منزله يكاد يكون منعزلا ، فقد كان مقتنعا بانها هى الاخرى تحبه كانسان عينها . ومع ذلك فقد حدث شىء لم يكن في حسبانه . ففى احدى الامسات عندما كان عائدا الى

البيت . رأى زوجه عن بعد تطل من الباب وتنظر يمنة ويسرة ثم تغيب . وبعد حين راى رجلا يرتدى بدلة خضراء يخرج من البيت بسرعة ويختفى فى احدى المنعطفات . فشعر بجدار كبير ينهد فى اعماقه . ومد يده يشد صدره لكيلا ينفجر . ثم تناول راسه بين يديه وهو يكاد يسقط من شدة الصدمة . . هذه حبيبته . . زوجته تخونه مع غريب ! يا للهول ! يا للفظاعة . واخذ يجر رجليه جرا الى ان وصل . فاستقبلته باسمة على عادتها . ولكنه صرخ في وجهها :

- يا ملعونة اغربي عن وجهى . لاذبنك ان وجدتك فى بيتى عندما اعود وابتعد عنها . . ابتعد مسرعا . ويكاد يتحسس طريقه كالاعمى . واسرعت خضراء خلفه صائحة .

- عباس ، . . عباس . . ماذا بك ؟ ! ولكنه لم يلتفت اليها . بل تابع طريقة دونما اى اهتمام بها . فوقفت جامدة تلاحقه بنظراتها وقد استبدت بها حيرة غريبة . لاول مرة فى حياتها الزوجية تراه غاضبا تتدفق من عينيه نيران محمومة . واذا كان قد لمح الرجل الذى غادرها قبل حين ، فانها قد اسرعت تستقبله لتروى له ما حدث على حقيقته ، غير انه لم يجد عليها حتى بنظرة احتقار . فماذا كان بوسعها ان تفعل اكثر مما فعلت ؛ ومع انها كانت مقتنعة بانه لن يتجاسر على ما هددها به فقد قررت ان تذهب إلى بيت ابيها لمدة معينة

اما هو فقد ذهب والالم يعصر قلبه . والعذاب ياكل احشاءه . وجلس في مقهى يشرب كازوزة مثلجة ويمسح حبات عرق تفصدت من جبينه واتخذت طريقها لتستريح فوق شاربه الكثيف . وعاد بعد وهن من الليل ليعيش اقصى حادثه مرت فى حياته . وما كاد يجتاز عتبة الباب حتى شعر ان بيته قد تحول الى مقبرة رهيبة تجوس زواياها اشباح الموتى وكان شبح زوجه يتنقل مع نظراته عبر الجدران انه لا يكادق يصدق ان زوجه قد خانته . . قد حطمت سعادته وهناءه . لم يدر بخلده يوما ان شيئا من هذا النوع سوف يحدث له .

وفجأة لاحظ انها لم تأخذ ملابسها معها فقفز الى دولاب ملابسها وفتحه فوجد كل شىء على حاله . هذه فساتينها . هذه كتبها العزيزة عليها . هذه حقيبتها الصفراء . كل ذلك لم تأخذه معها . اذن لقد ذهبت على امل ان تعود اليه

بعد ان تهدا سورة غضبه ، وتنطفئ نار هيجانه ، لتشرح له الحقيقة ، وترى له القصة بحذافيرها ، وتوضح له ان ظنونه كانت فى غير محله . وانه ارتكب خطيئة فاحشة باتهامه اياها . ولكنه لا يرى ضرورة كل هذا . يكفيه برهانا انه رأى الرجل يترك منزله فى عجلة . فلماذا تريد ان تريه وجهها مرة اخرى انه لا يريد ان يراها لا يريد ان يشم رائحتها . تلك الرائحة التى طالما اسكرته وطارت به فى افاق وافاق . وتمنى لو انه مات قبل ان يمر بتجربة كهذه . وقفزت الى ذهنه كلمة قراها مرة لا ندرى موروا : " ان الحب يحتمل الموت اكثر مما يحتمل الغدر والخيانة " . حقا لو انها ماتت لكان الامر اهون عليه ويقدر أن يعيش على ذكر اهام والآن يعيش على ذكر الخيانة والغدر ؟ ! . وتذكر الايام السعيدة التى قضاها الى بجانبها ، حين كانا يجلسان فى الحديقة ، فى ايام القيظ . وهى تنشده اروع الاشعار التى كانت تحفظها عن ظهر قلب . وتتغني بقصيدة " اسطورة المروحة " للشاعر ابو القاسم سعد الله ثم تحاول ان تبين له ما تتضمنه تلك القصيدة من ثورة ، فى وطنية عارمة تهيج حتى عروق الاشجار والصخور ، وتحلل له عناصر التجربة التى تغذى منها الشاعر ، والحوافز التى حدت به الى ان ينطق ، ان يعبر عن شىء يمور به كيان الشعب . وكم كان الاسف يعضه بانياب غليظة . لانه لا يحسن لغته ، ولا يستطيع ان يدرك روعة شعر كهذا وقيمته ! تذكر هذا كله فاخذ يبكى والصمت والليل يبكيان معه .

وطلع به النهار دون ان يعرف طعم النوم . فقرر ان يذهب الى آبيها ليشكو له حالة مع ابنته . فاليوم عطلة . فلماذا لا يذهب اليه . . بل اليها ليعرف السبب الذى دفعها الى خيانته ؟ فنهض . وبعد ان اغتسل ، مشى الى دولاب ملابسه وفتحه . كان يريد ان يتناول بدلته الخضراء . ولكنه لم يعثر عليها . فاخذ يقلب الغرفة بحثا عنها بدون جدوى ثم وقف يفكر اين يمكن ان تكون ؟ وطال به التفكير ولكن بدون جدوى ايضا . واخيرا تذكر الرجل . انه ليذكر بوضوح ان الغريب كان يرتدى بدلة خضراء . إذن ، فالبدلة لم تكن الا بدلته هو يالهول المصيبة ! زوجه تخونه ! وزيادة على ذلك تقدم ملابسه هدية الى عشيقها وحاول ان يعرف حقيقة سلوكها هذا . فاعياه التفكير ان يتوصل الى نتيجة ما . فبدا يلعنها . ويلعن البدلة ويلعن الظروف التى ساقته اليها . ولم يبق له الا ان ينساها ، ان يلفظها من راسه . ولكن انى له ذلك وكل شئ هنا يذكره بابتسامتها . بعينيها . بقوامها البديع . بكلماتها المنعومة

وامتنع في اليوم الثاني عن الذهاب الى الدائرة . وما الفائدة من ذلك ؟ انه يريد ان يهرب من هنا ، الى مكان ما ، حيث لا ذكريات ولا حب ولا عذاب ولا آلم . وانتظر الى ان يهبط الظلام ليصعد الى الجبل . فهناك سينسى كل ما حدث له . والاعمال التى سيقوم بها سوف لا تدع له مجالا للتفكير فى ذلك .

ودس مسدسه فى جيبه . ونزل الدرج بسرعة . وقفل الباب خلفه ، واخفي المفتاح فى جيب سروال ثم عبر الحديقة وهو يلقى عليها نظرات الوداع . ولكن مفاجأة كانت تنتظره عند الباب الخارجى . فقد رأى شخصا واقفا ينتظره خارج السياج . ولما اقترب منه عرفه . إنه الرجل الذى رآه يغادر منزله قبل يومين انه هو بعينه . جاء مرة اخرى الى زوجة ليقضى معها اويقات سعيدة . هانئة .

كان الرجل شابا تدل ملامحه على انه في الخامسة والعشرين من عمره . طويل القامة . عريض الجبهة . تشع عيناه ببريق متطلع . وكان يتأبط علبه كبيرة ، ونظر اليه عباس مستغربا . ما الذى جاء به الى هنا . وما يريد ؟ وبعد ان حياة الشاب فى ادب قدم اليه العلبة . فسأله دون ان يمد يده لاخذها منه

- ما هذا ؟ فقال الشان باسما : - بدلتك - بدلتى ! ومن اين جاءت اليك ؟ فنظر اليه الشاب مستغربا : - عفوا . . ظننت أنك تعلم بانتى استعرتها من زوجتك . ألم تخبرك بذلك ؟ - لا . . ولكنى افتقدتها اليوم . - ليست امرأتك فى البيت ؛ - لا . . ولكن قل لي بربك . كيف اخذت بدلتى من زوجتى ؟ . قال عباس ذلك وهو يحاول ان يبدو طبيعيا . ويمسك اعصابه حتى لا ينفجر . فاجابه الشاب فى هدوء : لقد القيت قنبلة فى مقهى يرتاده الجنود . ثم فررت . ولو لم تخفنى زوجتك لالقى على القبض . فقد تبعني بعض الجنود الى هنا .

وفي هذه اللحظة تذكر عباس أنه التقى ببعض الجنود فى ذلك اليوم وهو

عائد الى البيت . وتطلعوا فيه كثيرا . وقد علم من نظراتهم انهم يبحثون عن شئ ما . عن احد الهاربين منهم . وما اسرع ما مضى الشاب يطرى زوجته امامه ويمدح شهامتها ووطنيها الصادقة . واخلاصها لبلادها . وروى له كيف أنها اشارت عليه ان يرتدى بدلة زوجها . اذ من الممكن ان يكون الجنود قد رأوه وهو هارب واستطاعوا ان يعينوا بعض الدلائل التى تهديهم الى معرفة الشخص المجهول الذى كانه .

لم يكن من العسير على عباس ان يقرأ لهجة الصدق في حديث الشاب . ولذلك شعر لأول وهلة بالاحتقار لنفسه . وبانه يتصاغر حتى لا يكاد يرى ذاته . وجعل يعض اصابعه ندمة كيف غاب عنه ان يفكر فى حادثة كهذه خاصة وان الظروف لم تكن طبيعية فى بلآده فى يوم ما ؟ كيف اباح لنفسه ان يشك فى زوجته ويتهمها بالخيانة والغدر ؟ احول زوجة كهذه تحوم شكوكه وطنونه ؟ يجب ان يعترف انه قد اخطا فى حقها . انه قد وسمها بشيء هى براء منه .

وادخل الشاب إلى بيته . وشرع يعترف له بانه قد ارتكب خطا كبيرا في حق زوجته . وانه قد طردها دون ان يتحرى معرفة الحقيقة منها . وكان من جراء الخيانة المزعومة انه قرر ان يصعد الى الجبل لينساها هناك . . لينتزعها من قلبه انتزاعا ويضرب فى دنيا الكفاح . ويعيش غيبوبة النضال . وانه لن يرتد عما قرره على الرغم من ظهور براءة زوجته . ولكنه لابد ان يراها قبل ان يصعد . لابد ان يطلب منها الصفح والغفران . لا بد ان يتزود بنظرة منها قبل ان يغدو مجاهدا يشد على معوله بكلتا يديه . ويرى الدماء تغطى درويه وتسقي شجرة حريته

وطلب من الشاب ان ينتظره ريثما يعود . واسرع الى بيت صهره . يبحث عن زوجته ليلقى بنفسه عند قدميها راجيا منها الرحمة والمغفرة ، واستقبله صهره مرحبا به :

- اهلا عباس ، كيف حالك . - الحمد لله . يا ابى - هل حدث شىء عندكم ؛ وسال عباس في لهفة : - اين خضراء ؟ اين هى ؟ . لا بد ان اتكلم معها . فنظر اليه صهره متعجبا : - ليست فى البيت ؟ - ابدا لقد جاءت الى عندكم قبل يومين

- حقا لقد جاءت ولكنها لم تبت عندنا . لقد طلبنا منها ذلك . ولكنها امتنعت وقالت بانها لم تستاذنك في المبيت

وكاد ان يطير عقله عند سماعه هذا الخبر . انها ليست فى دار ابيها . فاين تكون اذن ؟

واخيرا هداه فكره الى مكان وجودها . انها هناك . . هناك فى الجبل . ومد يده يصافح صهره فى غبطة .

اعرف اين اجدها . . وداعا يا ابى . . - مع السلامة يا بني . ورجع عباس الى البيت قوجد الشاب ينتظره . فقاما وخرجا معا ، وعند الباب قال له عباس فى عجلة : - انا صاعد الى الجبل هل تصعد معي ؟ - لا استطيع . . لا استطيع ابدا . - ولماذا ؟ - ان مهمتى هنا فى المدينة وليست فى الجبل اذن انت فدائى . . سدد الله خطاك يا اخي سنلتقى عند الفجر الجديد . - ذلك ما تهدف اليه ارادتنا يا اخي وتعانقا . لقد كان ثمة شىء عظيم عظيم يشد قلب احدهما الى قلب الآخر

ثمة شئ يجعلهما ينظر ان فى اتحاد واحد ويحسان شعورا واحدا يفيض ويفيض حتى يبلغ تلك الهالة المتدلية على سفح الافق

وسار عباس فى فيض من النجوم يحيل الليل نهارا . وفى سيل من الاحساسات الرائعة ، سيل ينسيه ان خطواته تلامس الارض ، وان التعب يدب فى اوصاله ، كان يحس ان ارضه قد غدت نجمة تشارك النجوم فى احتفالاتها عند مقدم كل ليل وترسل اشعتها الباهرة لتنير العالم . . لتريه ان وجودها امر فعلى لا ينكر

وما كان يجتاز احد الشعاب حتى لمح ثلاثة جنود . . فحاول ان يتبين عبرهم . ولكن عينيه لم تقعا على احد اخر . وشعر بالخوف . واخرج مسدسه . لابد انهم بعض جنود الدخيل الضالين . ولابد ان يلتقطهم واحدا واحدا قبل ان يكتشفوه ويسددوا اليه رصاصات بغيضة تخترق جسده حتى يصير كالغربال . واخذ يلاحقهم مستترا خلف الاشجار والاكمات . كان الجنود الثلاثة يسيرون فى صمت . وقد تبين له انهم مسلحون . وبالاضافة الى ذلك كانوا يحملون شيئا ما . وفجأة سمعهم يتكلمون . فاصغى اليهم . وبعد حين وضح له انهم يتكلمون لغته . فازداد اقترابا منهم وسمع احدهم يقول :

- ان طريقة فرارنا من الجيش كانت عجيبة . اليس كذلك يا اخوان ! فاجاب آخر

- حقا . . ان فكرة احمد كانت بارعة . واسرع عباس يلحقهم . اذ هم ليسوا جنودا ضالين كما ظنهم . بل هم اخوان له . يريدون ان يلتحقوا بقافلة التحرير . وصاح :

- انتظرونى يا اخوانى . . فالتفتوا جميعا فى آن واحد . ووقفوا مندهشين لهذا الصوت الغريب يندفع من خلفهم من بين الاشجار الباسقة . وسألوه :

- ماذا تريد ؟ - اريد ان اصعد الى الجبل معكم . يا اخوانى ! ومد يده يصافحهم واحدا واحدا . وكانه يعرف فهم من مدة طويلة . كانت وجوههم الحبيبة تطفح بالبشر وهم يصافحونه بدورهم بل يعانقونه استجابة لمشاعر ساحرة . ورموا فى يده السلاح ليشاركهم فى الحمل فالاسلحة والقنابل التى اخذوها معهم كانت ثقيلة عليهم . ثم ساروا فى صمت . وكان كل واحد منهم يسمع افكار الآخر وهى تضطرم فى رأسه . وبعد مضي ثلاث ساعات وصلوا الى معقل المجاهدين . وعندئذ احس كل واحد منهم انه يعانق ارضه ، انه قمر يقبل ارضه باشعته الوهاجة

واحس عباس بالفخر وهو يرتدى بزته العسكرية ويحمل بندقيته فوق كتفه ويسير برفقة اخوانه جنبا إلى جنب وخطوة خطوة ولكن فكرة حبيبته . فكرة زوجته خضراء لم تفارقه ابدا . انه يريد ان يراها . ويريد ان تراه وهو يسير فى صفوف اشبال بلاده العظيمة . وكان كلما رأى مجاهدة ظنها هى . كانت تخيل له بكل مكان . كان يراها تحمل بندقيتها باعتزاز تماما مثله هو . وبدأ تجربته فى المعركة منذ صبيحة اليوم الثاني . وتوالت عليه الايام وصورة زوجته تسير الى جانبه . . تحمل معه البندقية وتفرغها فى جوف اعداء بلاده .

وجرح في احدى المعارك . اصيب بجرح في كتفه . فحمل الى مستشفى الجيش . حمل فى حالة اغماء . وعندما مرت فترة الالم ، عاد اليه وعيه . وفتح عينيه فرأى وجها حبيبا يحنو عليه . فعاد واغمضهما . انه يحلم فقط . انه صورة حبيبته تتراءى له كما تراءت من قبل . ولكنه سرعان ما شعر حقا بيد ناعمة تمسح جبينه فى لطف . وانتفض فى فراشه :

- خضراء ! انت . . انت ، سامح . . واراد ان يتكلم . ولكنها منعته عن الحديث بقبلتها العزيزة . ومد يديه ببط ، يضمها الى صدره فى نشوة وكانه يضم الفجر الجديد .

اشترك في نشرتنا البريدية