الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 656الرجوع إلى "الثقافة"

الفرد والفردية، عند ألكس كارل

Share

إن كل تفكير يتناول "الإنسان" بصفة عامة مجردة دون أن يقف عند الأفراد ، وهو تفكير منحرف عن جادة الصواب ، فليس لهذا " الإنسان " العام المجرد وجود ، وكل ما في العالم أفراه - الأفراد هم الحقائق المحسوسة الواقعة ، وأما المجردات مكائنات وهمية لا يتجاوز وجودها رأس الإنسان .

ويسرنا أن ننشر هذا البحث القيم لـ"ألكس كارل" ، الذي يبرز للقراء أهمية الفرد وحقيقة وجوده ، بالقياس إلى "الإنسان" بصفه العامة المجردة وتوافقه على رأيه بأن المجتمع الحديث يتجاهل الفردية ويعامل الناس باعتبارهم مجردات ، وبذلك انحدر إلى خطأ فظيع هو محاولته إخضاع الناس - على اختلاف فردياتهم - النظام واحد .

"الثقافة"

-١-

ألا ما أبعده من ضلال فكري أن تنسينا الكلمات الكلية مثل لفظة "إنسان" ماوراءها من أفراد ، مع أنه ليس في العالم الواقع إلا هؤلاء الأفراد . هؤلاء الأفراد - لا "الإنسان" بصفة كلية - هم الذين يمكن الكلام عنهم . والفرق بين الفرد والإنسان بصفة كلية هو أن الفرد واقعة محسوسة ؟ هو الواحد الذي يعمل ويحب ويعاني ويحارب ويموت ، وعلى العكس من ذلك "الإنسان" ؛ فالإنسان الكلى ليس إلا فكرة أفلاطونية تعيش في أدمغتنا وكتبنا . وكلامنا عن " الإنسان " ليس إلا ضربا من التعميم . وهذه هي مشكلة العصور الوسطى التى ما يزال صداها يسمع حتى الآن بين الواقعيين والأسميين ( *). ويبدو أن كلا الفريقين على صواب ؛ فنحن في حاجة إلى الكلى والجزئي . نحن نعيش في عالمين مختلفين ، عالم للحقائق وعالم لرموزها . ولكن نحصل المعرفة بأنفسنا فإننا نقيد من كلتا الملاحظة والتجريدات

العلمية . ولكن قد يستخدم المجرد خطأ بدل المحسوس ، وفي هذه الحال تعامل الحقائق معاملة الرموز ، وأغلب أخطاء للربين وعلماء الطبيعة والاجتماع من مثل هذا التخليط . وكذلك الأمر بالنسبة للعلماء الذين اعتادوا طبائع الآليات والكيمياء والطبيعة والفسيولوجي ولم يألفوا الفلسفة ، والثقافة العقلية - من المحتمل ألا يميزوا بوضوح بين العام والفرد الجزئي . ومع ذلك فمن المهم في فهمنا للإنسان أن نحصر اشباها في الأفراد .

الحق أن الفردية هامة في الإنسان ، وليست مجرد مظهر معين لبنية الجسم ، ولكنها تتخلل وجودنا بكامله . وهي تجعل النفس واقعة متفردة في تاريخ العالم ، وهي تترك طابعها على كل الجسم والإدراك وعلى كل جزء في هذا الكل ، رغم بقائه غير قابل للتجزؤ .

ويتميز الأفراد بسهولة الواحد من الآخر بأشكال وجوههم وإيماءاتهم وطريقة مشيهم واتجاهاتهم العقلية والخلقية . ورغم أن الزمن يحدث تغيرات كثيرة في مظهرهم فإن الفرد يظل دائما يعرف - كما بين ذلك برتللون bertillon  منذ زمن بعيد_ بواسطة أجزاء معينة في شكله العام . ثم إن خطوط أطراف الأصابع أيضا مميزات ثابتة ، وبصمات الأصابع هي التوقيع الحقيقى الصحيح للإنسان . وصورة الجلد ليست إلا مظهرا من مظاهر فردية الأنسجة . وهذه الفردية في الأنسجة يمكن أن تظهر بوضوح إذا لاحظنا أن أجزاء الجلد - المأخوذ بعضها من المريض نفسه والبعض الآخر من قريب أو صديق . عندما تلصق على سطح الجرح تلتصق الأجزاء المأخوذة من المريض نفسه بالجرح بعد بضعة أيام وتأخذ في النمو ، بينما الأجزاء المأخوذة من ناس آخرين تتقلص وتصغر . وبهذا تعيش الأولى وتموت الثانية .

ومن النادر أن يوجد فردان يتشابهان تمام التشابه بحيث يمكن أن يتبادلا أنسجتهما . ومن الشاذ أن يصح هذا

كما يحدث أحيانا بين الآباء وأبنائهم . والقاعدة هي أن أنسجة الفرد ترفض قبول أنسجة فرد آخر .

والأمر كذلك بالنسبة للخلايا ، فهي نوع خاص عند كل فرد . ونظرا لأن كل جسم له خاصيته كان ذلك أكبر عائق عن استخدام طريقة استنبات الأعضاء المنقولة في الأغراض العلاجية على نطاق واسع . وتعتمد نوعية الفرد على البناء الداخلى للذرات الكبيرة الناتجة من الهابتن (مواد كربوهيدراتية ودهنية) والبروتينات . ويلاحظ أن فردا من جنس ما يكون أكثر تشابها مع أفراد جنسه منه مع أفراد أجناس أخرى .

إن فرديتنا نضرب بحذورها في أعماق نفوسنا ، وهي طابع عام لكل أجزاء الجسم ، وتظهر بوضوح في عمليات النمو الفسيولوجي كما في التركيب الكيميائي للخلايا . وكل شخص يعمل بطريقته الخاصة أمام حوادث العالم الخارجى الضجيج ، الخطر ، الطعام ، البرد ، الحرارة ، هجمات المكروبات والسموم ، ولو أن مجموعة من الحيوانات من نوع واحد حقنت بكميات متساوية من البروتين الأجنبي مثلا فإنها لا تستجيب لها بطريقة واحدة ، وقد لا يستجيب القليل منها إطلاقا . وكذلك الحال في أثناء الأوبئة الخطيرة ، يتصرف الناس تبعا لخصائصهم الفردية ؛ بعضهم يمرض ويموت ، وبعض يمرض ويشفى ، وبعض لا يصاب البتة ، وبقي البعض الأخير متأثرا تأثرا بسيطا بالمرض دون إظهار أي أعراض خاصة .

وبما أن كل حادثة تسجل داخل الجسم ، ويتكيف يحسبها سواء أكانت مرضية أم غير مرضية ، فإن فترة النمو عند الإنسان كافية لإظهار فرديته بوضوح أكثر . ومن ثم كان الكهول يختلفون الواحد عن الآخر أكثر بكثير مما يختلف الأطفال ، وكان كل فرد تاريخيا لاوجه للشبه بينه وبين تواريخ الآخرين .

هذا من جهة خصائص الفرد العضوية ، وأما خصائصه العقلية فهي اكثر دقة . وكل شخص محدود متميز من سواء في قواه النفسية . وليس هناك أفراد في عقلية واحدة . ولا شك أن أولئك الذين مزاجهم بدائي ساذج أقرب شبها الواحد منهم بالآخر . ولكن كلما كانت الشخصية أكثر غني اتسعت شقة الاختلافات الفردية . ومن النادر أن تنمو كل

قوي الإدراك في الوقت نفسه في فرد واحد ، بل يلاحظ أنه في أغلب الناس يكون بعض هذه القوي ضعيفا أو مفقودا . وليس هناك عمل أكثر صعوبة من أن يحلل تركيب فرد معين ، لشدة تركيب الشخصية العقلية ، وعدم كفاية الاختبارات النفسية . فمجالات هذا التحليل متعددة ، وعلاقة الأجزاء المختلفة بعضها بعض تزيد الأمر صعوبة . وبذلك يمكن أن يحلل الفرد ويقسم تقسيمات مختلفة لا حصر لها من حيث بناؤه الطبيعي والنفسي ، ومن حيث العلاقات الممكنة بين قواه المختلفة .

وكل شخص يشعر بفرديته . وهذه الفردية حقيقية ، ولكن هناك اختلافات كبيرة في درجة التفرد ؛ فشخصيات معينة عظيمة الغني والقوة ، وأخرى ضعيفة يسهل تكيفها بالبيئة والملابسات . وبعض الأمراض تجعل الناس يشعرون بتحلل شخصياتهم ، وبعضها بهدم الشخصية . وفي بعض الأمراض الأخرى تكون التغيرات وقتية فقط . ومرض الهستريا يولد شخصية مزدوجة ؛ فيبدو المريض كأنه صار فردين مختلفين يجهل أحدهما أفكار الآخر وتصرفاته ، ومع كل هذا تبقي الفردية النفسية غامضة ، ويظل من الصعب قياس جزئياتها ، كما لا يستطلع تقرير طبيعتها على وجه التحديد ، ولا كيف يختلف الفرد الواحد عن الآخر ، بل ليس في مقدورنا حتى اكتشاف خصائص إنسان معين .

وفي المجالات العملية يميل الآباء والمربون إلى إخضاع الأطفال لنظام واحد ، لأنهم لا يعرفون كيف يقفون على فرديتهم. وكذلك الأمر في طرق العمل الحديثة ؛ لايقام أى وزن لشخصية العمال ، جهلا بحقيقة أن الناس جميعا مختلفون . والغالبية منا غير منتبهين لميولهم الخاصة ، ومع هذا فكل شخص لا يستطيع أن يعمل كل شئ . وكل فرد يهي نفسه بسهولة - تبعا لمميزاته - لنوع معين من العمل أو طريقة خاصة للحياة ، ونجاحه وسعادته تعتمد على المجانسة بينه وبين بيئته كما لابد أن يتلاءم مع جماءته كما يتلاءم المفتاح والقفل . وواجب الآباء والدرسين ان يهيئوا انفسهم أولا وقبل كل شئ لمعرفة الصفات الوراثية لكل طفل وإمكانياته . ولسوء الحظ أن الدراسة النفسية العلمية لا تستطيع أن تمدهم بمعونة ذات أثر ، وليس للاختبارات المجراة على أطفال المدرسة وتلاميذها بواسطة علماء النفس

غير الخبيرين ، ليست لها أهمية كبيرة . وما يزال حتى اليوم لا يمكن وزن الفردية واستعداداتها ، ولكن مراقبا حكيما يستطيع أن يكتشف المستقبل من المميزات الحالية لفرد معين .

ومن الظواهر التي تتجلي فيها الفردية ظاهرة المرض ؛ فليس هناك مرض واحد عند كل مريض ، بل هناك أمراض بمقدار ما هنالك من مرضي . ومظهر المرض الواحد ومقدار سريانة في الجسم يختلف عند كبار السن عنه عند الشباب مثلا . المرض بكلمة جامعة حادثة شخصية تتكون من الفرد نفسه . وربما كان من الصعب قيام علم الطب بناء على مجرد عدد كبير من الملاحظات الفردية . وكان لابد من تنظيم حقائقه وتبسيطها بواسطة التجريدات ، ولكن هذا النوع من العلم وصفي ناقص وإن كان مريحا ويسهل تعليمه ، ولسوء الحظ أننا قنعنا بهذه النتيجة .

إن المعرفة الطبيعية يجب أن تمتد وراء علم الأمراض . ولابد من التمييز بين المريض كما تصفه الكتب (وفيها تظهر لنا الصورة المجردة والأحكام العامة التى أشار إليها كارل في مستهل كلامه) وبين المريض المحسوس (أي الفرد ) المراد علاجه ، والذي لا يجب أن يدرس فحسب ، بل أيضا يجب أن يخفف عنه ، وأن يشجع وأن يشفى . ودور الطبيب هو اكتشاف خصائص فردية المريض ، ومقدار مقاومته وحساسيته بالنسبة للمرض ، وقيمة قواه العضوية ، وماضيه ، ومستقبله . ونتيجة مرض ما في مريض معين يجب أن يتنبأ بها لا بحساب الاحتمالات المكنة ، ولكن بالتحليل الدقيق لشخصية الفرد في جوانبها المختلفة .

وما يزال كثير من الأطباء يتبعون المجردات وينسون الأفراد ، وبعضهم يعتقد أن معرفة المريض عامة مثل معرفة المرض ذاته . والأولون يودون البقاء في جو الرموز ، والآخرون يشعرون بضرورة فهم المحسوس .

والحقيقة أنه يجب - كما سبقت الإشارة - الجمع بين الجانبين ؛ فيجب دراسة الفرد ، كما يحب دراسة المرض . وفشل الطبيب يأتي من أنه يعيش في عالم خيالي ؛ فبدلا من عنايته بالمريض ، إذا به يهتم بالأمراض كما هي موصوفة في البحوث الطبية ؛ وهو بعمله هذا يكون ضحية الاعتقاد في العموميات .

إن مهمة الطبيب تشبه إلى حد بعيد مهمة البائع الذي يحاول أن يلائم بين الأردية ذات المقاس الواحد وبين أفراد

مختلفين في الحجم ، وإذا تركنا التشبيه قلنا إنه لا يحقق واجبه ما لم يكتشف الخواص النوعية لكل مريض . ونجاحة يعتمد لا على معرفته فحسب ، بل أيضا على قدرته على الإمساك بالخصائص التي تجعل كل كائن بشري فردا .

وهناك أصلان يمدان الفرد ويؤثران فيه ويكيفان حياته . هما : الوراثة (ما يرثه الفرد من خصائص أبويه التي تبدو ظاهرة للعيان ، وما يرثه من خصائص جنسه بوجه عام ) . والنشأة . فمن هذين الأصلين تظهر الفردية . ولكن تري تكون الوراثة أهم من النشأة أم العكس ؛ يدعي وانسون watson والسلوكيون ان التربية والبيئة قادرة على تكييف الإنسان بحسب الصورة المطلوبة . ويمكن أن تكون التربية هي كل شئ والا تعد الوراثة شيئا ذا بال . وعلى العكس من ذلك يعتقد علماء الوراثة أنها بالنسبة للإنسان مثل حظه المقسوم ، وكلتا المدرستين قد نسيت أن مثل هذه المشكلة لا يمكن حلها بالحاجة . ولكن يمكن ذلك فقط بالمشاهدات والتجارب .

وتعلمنا المشاهدات والتجارب أن عناصر الوراثة والنشأة مختلف في كل فرد ، وأن قيمتها لا يمكن تحديدها . ولهذا كان من العادي أن توجد بين الأطفال من نفس الأبوين والدين نشأوا مجتمعين وربوا بنفس الطريقة - من العادي أن توجد اختلافات جليسة بينهم في الشكل والقامة والنظام العصى والميول العقلية والصفات الأخلاقية .

"وواضح أن هذه الاختلافات ترجع إلي أصل ورائي خاص بالأجداد . وكذلك الأمر بالنسبة للحيوانات . فإذا أخذنا - على سبيل المثال - مجموعة من الأجراء في حجر أمها وجدنا أن استجابتها للأشياء الخارجية تختلف من حيث نوعها ومظهرها . ويكون هذا النوع من الاستجابة صفة ملازمة للفرد من الأجراء طيلة حياته . وإذا كان من الممكن أن يكون هناك نوع من التشابه أو التوحد بين كائنين في الجرثومة الواحدة لاكتسابهما نفس الخصائص الوراثية فإنهما يفقدان مثل هذا التشابه او التوحد إذا هما فصلا منذ بداية حياتهما وعوملا بطرق مختلفة وفي بلدان مختلفة . وفي سن الثامنة عشرة أو العشرين تظهر بينهما اختلافات واضحة ، وأيضا مشابهات واضحة خاصة من وجهة النظر العقلية .

ما هو الأثر الذي يتركه الجنس في بنية الجسم والعقل ؟

دلت كثير من المشاهدات والتجارب على أن بعض مظاهر معينة في الفرد تكون موجودة من قبل في الجرثومة وان البعض يمكن فقط وجوده . وعلى ذلك فالجنس يؤثر في الفرد بطريقتين : طريقة ثابتة خاصة بذلك الجزء من المظاهر الموجودة من قبل في الجرثومة ؛ فهذه تترك في الفرد خصائص مستمرة ، والطريقة الأخرى خاصة بتلك الإمكانيات في الفرد ؛ وهذه تؤثر في صورة قبول الفرد التي قد تصير - وقد تمشل في أن تصير - ذات أثر تبعا لظروف النمو والتقدم .

والجنس على وجه العموم يتقرر منذ اللحظة التي تتحد فيها خلايا الذكر بخلايا الأنثى . والبيضة التي ستفرخ في المستقبل ذكرا تختلف عن تلك التي ستفرخ أنثى . وبهذا تختلف كل خلايا جسم الرجل عن خلايا المرأة . وترجع غالبية صفات الفرد السلبية والإيجابية إلى عوامل الوراثة . ولكن هذه الصفات وظهورها في الفرد منوط بظروف حياته . فضعف العقل والهيموفيليا وغيرهما من العيوب وراثية ، وكذلك تنتقل بعض الأمراض من الآباء إلى الأبناء ، ولكن كميل واستعداد فقط . والذي يمكن أن يمنع - أو يحقق - وقوعها هي ظروف نشأة الفرد . وكذلك الأمر بالنسبة للقوة والنشاط وقوة العزيمة والذكاء ، وغيرها من الصفات الإيجابية . ويمكن أن تقرر قيمة كل فرد في حدود ميوله الوراثية ، ولكن لا يمكن التنبؤ بخصائص نتائج زواج معين ، نظرا لأن الناس ليسوا من نسل أصيل خالصى من الشوائب . ومع هذا . فمن المعروف أن الأطفال المولودين في الأسر الراقية يحتمل كثيرا ان يكونوا من نوع أرقي من هؤلاء المولودين في الأسر الدنيا . ومن الممكن أن يشتمل نسل الرجل العظيم على أطفال منحطين ، كما أن أسرة خاملة يمكن أن تخرج رجلا عظيما .

يتكون الفرد من مجموع استعداداته وميوله الوراثية وصفاتة المكتسبة من البيئة . وهذه الاستعدادات الوراثية تطبع الفرد في مراحل نموه بطوابع معينة لا يسمح لها بالظهور على مسرح الحياة إلا البيئة نفسها . ومن أجل ذلك تختلط الاستعدادات والميول الوراثية بالصفات المكتسبة من البيئة إلى درجة يصعب فيها التمييز بين ما هو وراثى وما هو مكتسب . وحقيقى أن هناك بعض الخصائص التي لا يصعب ردها إلى الأصل الوراثي مثل لون العيون والشعر وقصر النظر وضعف العقل ، ولكن الكثير من الخصائص الأخرى يعتمد على ما للبيئة من أثر ، سواء في الجسم أو العقل . ومن

الجدير بنا هنا أن نسجل - مع ذلك - أن كل فرد ينمو بطريقته الخاصة وتبعا للصفات النوعية لأنسجته . وأما من حيث الميول فإنها تختلف من حيث قدرتها على التحقق .

وإذا ثبت أن للبيئة أثرها في الفرد فإنه ليس من المستطاع التنبؤ إلى أي حد سوف تتأثر ميول طفل ما بثقافته وأسلوب الحياة والظروف الاجتماعية المحيطة . والأمر بالنسبة لتلك الميول أشد تعقدا ، فلسنا ندري كيف تتسرب إليه البذرة من آبائه وأسلافه وتستقر في البويضة التي يتكون فيها ، ولسنا نستطيع تحديد سلسلة هؤلاء الأسلاف بحد معين ، فقد تشارك في نمو الجنين إمدادات لأسلاف بعيدين منسيين ، بل لسنا ندري ما إذا كانت التغيرات التلقائية في الجنين نفسه لا يمكن أن تسبب ظهور بعض الخصائص غير المتوقعة . ولذلك يحدث أحيانا أن طفلا ما عرفت ميول أسلافه في عدة أجيال يظهر خصائص جديدة كل الجدة ولم تكن متوقعة . ومع هذا فإن أثر البيئة ذاتها يمكن أن يتوقع في حدود معينة فقط ؛ فظروف النمو لا يمكن - مثلا - أن تخلق من الجبان شجاعا ، ولا من الكسول نشيطا ، فليست الشجاعة والحيوية والذكاء مرجعها الأول والأخير هو البيئة ، وإنما هي تصلح للعمل فقط في حدود الاستعدادات الوراثية .

وإذا ما استقرت استعدادات معينة للفرد وولدت معه فإن هذه الاستعدادات تكون عرضة لكثير من العوامل التي قد تنميها ، أو تنحرف بها ، أو تخمدها . هذه العوامل كيميائية ونفسية وفسيولوجية . فأما من حيث العامل الكيميائي فإن نقص الفيتامين مثلا يمكن أن يؤدي إلى اهمال عمل الحصبة أو أى غدة أخرى . وبهذه الطريقة يقف تقدم الفرد الذي كان من الممكن أن يصير - نظرا لصفاته الوراثية - زعميا لأمة . ومن ذلك يتبين لنا أن جميع أحوال البيئة الطبيعة والكيميائية قادرة على التأثير في تحقيق إمكانياتنا ، وليس مظهرنا العقلي والعضوي - إلي حد بعيد - إلا اثر من آثارها .

أما العوامل النفسية فأثرها في الفرد أعظم ؛ فهي التي تعطى حياتنا صورتها العقلية والأخلاقية ، وقد تصل بنا الحال إلى السيطرة على نفوسنا أو إهمالها . وتربية العقل والميول النفسية لها أثرها على الفرد من حيث نفسه وجسمه، ولسنا ندري إلى أي حد تستطيع التأثيرات العقلية الصادرة

من البيئة أن تساعد أو تخنق الميول الوراثية ، ولكنها - بلا شك - تلعب دورا رئيسيا في حظ الفرد . وأحيانا ما تقضي على أرقي الصفات العقلية فيه . هي - على وجه العموم - تذهب بعض الأفراد وراء كل التنبؤات . وهي تساعد الضعيف ، وتزيد القوي قوة ( قرأ بونابرت الصغير بلوتارك فاجتهد في أن يفكر وجيش كما صنع الرجل العظيم في القدم ).

إن أثر البيئة على الفرد يختلف تبعا لحالة الأنسجة والإدراك . وبعبارة أخرى فإن العامل الواحد الواقع على أفراد عدة أو على الفرد الواحد في فترات مختلفة من وجوده لا يكون له نفس الأثر . ومقدار استجابته للبيئة يعتمد على ميوله أو استعداداته الوراثية . فالعقبة التي تقف في وجه شخص ما تحض آخر على بذل مجهود أعظم ، وتحدد له تحقق الإمكانيات التي كانت قد بقيت مدة طويلة مختبئة . وعلى الجملة فإن نصيب البيئة في تحقيق الاستعدادات الوراثية لشخص معين لا يمكن تحديده بالضبط .

وأما فيما بين الفرد والطبيعة أو الكون فمسألة ما يزال الجزء الغامض فيها أكبر من الجزء الواضح . فمن المعروف أن الفرد ظاهرة مختلف تمام الاختلاف عن العالم المادي . وكذلك عن الكائنات الحية الأخرى . وهو في الوقت نفسه مرتبط بأمثاله وببيئته ، ولا يستطيع الحياة بدونهم . وهو كظاهرة مستقل عن السكون وإن كان يعتمد عليه ونحن لا نعرف كيفية ارتباطه بالكائنات الأخرى حيث تمتد حدوده الزمانية والمكانية ؟ فالشخصية تمتد خارج المحتوى المادي للجسم ، وحدودها أبعد بكثير من أن تقف عند سطح الجلد ، فكل شخص منا أكبر بكثير وأبعد امتدادا من جسمه ، وعالمنا الداخلي علي اتصال دائم بالكون . فالحدود التشريحية ليست إلا مظهرا من مظاهر الفردية ، وليست أسوارا تحبس شخصيتنا العقلية . الحب والكراهية حقيقتان يرتبط الناس في الشعور بهما الواحد بالآخر بشكل ايجابي ، مهما كانت المسافة بينهما . فإذا استطعنا أن نري هذه الحلقات غير المادية لظهر لنا الكائن البشري في مظاهر جديدة وغريبة . وبعض الناس لا يستطيع أن يمتد وراء حدوده التشريحية ، بعكس البعض الآخر - كزعماء الأمم والقديسين والمحبين للبشر - الذين يبدون كأنهم

ينشرون أجنحتهم على القطر من الأقطار ، وعلى القارة من القارات ، وعلى العالم أجمع .

وهناك علاقات غامضة ومحيرة بين بعض الأفراد والطبيعة ، فهؤلاء يظهرون كأنهم يخرجون من نطاق أنفسهم . ومن هؤلاء أنبياء العلم والفن والدين . وهم ينجحون عادة في أن يدركوا في ظفات المجهول موجودات كاملة هي المجردات الرياضية ، والمثل الأفلاطونية ، والجمال المطلق ، والله .

وكما يمتد الفرد في المكان خارج حدود الجسم فكذلك يمتد خارجها في الزمان فيتصل بالماضى والمستقبل .

ومن المشهور أن الخصائص التي يكتسبها الفرد في حياته لا تنتقل إلى ذريته ، ولكن من المحقق أن نتائج أخطائه تنتقل إليهم . وبهذا يترك كل فرد طابعه على بيئته ومنزله وأسرته وأصدقائه . ويعيش كأنما هو محاط بنفسه . ومن الممكن أن ينقل صفاته إلي ذريته في أثناء ما يقوم به من أعمال وتصرفات . فالطفل يعتمد على أبوية فترة طويلة يدرس فيها كل ما يمكن أن يعلماه ، ويستغل قواه الغريزية لتقليدهما ، ويميل إلي أن يصير مثلهما . وهو يقلد - فيما يقلد - الجهل والجبين وغيرهما وطبيعي أن يكون هناك أنماط كثيرة من الآباء . وبعضهم يتركون لنسلهم ميراثا من الذكاء ، والطيبة والإحساس الفني والشجاعة . وبعد موتهم تستمر شخصيتهم حية خلال كشوفهم الطيبة وإنتاجهم الفني وفي المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اقاموها ، أو على الأقل في المنزل الذي بنوه والحقول التي زرعوها بأيديهم . ومثل هؤلاء الناس خلقت مدينتنا .

إن المجتمع الحديث يتجاهل الفردية ويهتم "بالإنسان" العام المجرد ؛ فهو يعامل الناس باعتبارهم مجردات . وهذا الخلط بين الفرد " والإنسان " بصفة عامة مجردة قد جر المدنيات الصناعية إلى خطأ أساسي . هو إخضاع الناس لنظام واحد . وحق أنه إذا كنا عن جميعا منشابهين كان من الممكن ان تعيش في منظمات ضخمة كالقطيع ، ولكن الواقع أن كل واحد منا له شخصيته . ولهذا لا يجب إرسال الأطفال في سن صغيرة إلى المدرسة حيث يربون في نطاق واسع ، فهذه أول خطوة خاطئة في أسلوب التربية ، ومن الأفضل أن تترك للطفل الصغير فرصة الانفراد بدلا من محوه تماما بوضعه في غمار أعداد ضخمة من الأطفال . ومن المشهور أنه قد نشأ معظم الرجال العظام في عزلة وانفراد . وطبيعي

أنه لا يمكن الاستغاء عن المدرسة في الدراسات الفنية ، فهي تفى _ إلى حد ما - بحاجة الطفل إلى الاتصال بأطفال آخرين . ولكن التربية يجب أن تعالج بالتوجيه الناجح وذلك التوجيه يرجع إلى الأبوين ، فهما وحدهما ، أو - على وجه الخصوص - الأم تلاحظ منذ البداية خصائص أطفالها العقلية والنفسية التي تهدف التربية إلى معرفتها . وقد اقترف المجتمع الحديث خطأ خطيرا باستبدالة المدرسة بالتربيب العائلي نهائيا ؛ فالأمهات يرسلن أطفالهن إلي روضة الأطفال ليفرغن إلي أعمالهن ورغباتهن الاجتماعية وأخيلتهن الأدبية أو الفنية ولعب الورق والذهاب إلى السينما وإضاعة أوقاتهن في عبث شاغل ؛ وهن بعد مسئولات عن ضياع أطفالهن في غمار باقي الأطفال في المدرسة ، وحرمانهم من مجتمع الأسرة الذي يجدون فيه أكبر الفائدة . فوجوده في المدرسة مع أمثاله من الأطفال لا يعلمه كثيرا ، ويظل هو غير مكتمل ، فلا بد للفرد - كما سبق - لكي يصل إلى منتهي قوته ، من العزلة النسبية ، تلك العزلة التى تتحقق في جو الأسرة ومجتمعها الصغير . وكما تهمل فردية الأطفال تهمل كذلك فردية الشبان مما أدى إلى ضعفهم عامة وفقدانهم الثقة بأنفسهم .

ليس من المكن أن يحيا الإنسان حياة طيبة تتسع لنشاطه وشخصيته في الظهور إذا هو ارتحي في غمار المدن الحديثة الهائلة . بل على العكس فإن يضيع فيها وتضيع فرديته في غمار هذا القطيع ، ولا يشعر بمسئولية أو كرامة . وفوق رءوس الجميع يقوم الرجل الغني والسياسي القوي أما الباقون فليسوا سوى ذرات من التراب ليس لها أسماء . وعلى العكس من ذلك الفرد فإنه يعيش رجلا بمعنى الكلمة عندما ينتهي إلى مجموعة صغيرة وعندما يسكن القرية أو المدينة الصغيرة حيث تكبر أهميته النسبية ، وحيث يجد فرصة لأن يأمل في أن يصير بدوره مواطنا ذا أثر .

وخطأ آخر يرجع إلى الخلط بين الفرد الجزئي و"الإنسان " بصفة عامة ، هو المساواة الديمقراطية ، هذه العقيدة تتحطم الآن تحت ضربات تجارب الأمم ، ولذا فليس من الضروري أن تؤكد زيفها ، ولكن من العجيب أن نجاحها استمر مدة طويلة . فكف قبلت الإنسانية مثل هذه العقيدة سنين عدة ؟ إن الفكرة الديمقراطية لاتحسب حسابا لقانون أجسامنا وإدراكنا ، ولا تعنى بالحقيقة الملموسة التى هي الفرد .

حقا أن الكائنات البشرية تتساوي ولكن لا تتساوي الأفراد . وتساويهم في الحقوق فكرة خاطئة ؛ فضعاف العقول والعباقرة لا يجب أن يتساووا أمام القانون . وكذلك الأغبياء وغير الأذكياء وغير القادرين على الملاحظة وبذل المجهود ليس لهم حق في الثقافة العالية ، ومن المضحك أن يعطوا حق الانتخاب مثل الأفراد الناضجين تمام النضج والأجناس أيضا ليست متساوية . وإهمال هذه الفروق أمر جد خطير .

إن المبدأ الديمقراطي قد ساعد علي عرقلة تقدم الفرد الممتاز في المجتمع . وواضح أنه - على العكس من ذلك - يجب احترام الفروق الفردية . إن المجتمع الحديث يحتاج إلى الكبير والصغير والتوسط والأقل منه ، ولكننا يجب ألا ننشئ الأنواع العالية بنفس الطرق التي تنشئ بها الأنواع المنحطة . وإخضاع الناس لنظام واحد - في الديمقراطية - يقرر قوة الضعاف . والضعاف مفضلون في كل مكان على الأقواء ويساعدون ويحمون ، شأنهم في ذلك شأن المريض والمجرم والمجنون ، فإنهم يستثيرون عطف الجمهور . وفي هذا تبدو ملامح النزعة الإنسانية التي يتشدق بها الكثيرون .

إن أسطورة المساواة ، وحب التجريد ، وكره الحقيقة الملموسة ، كل ذلك مسئول - إلى حد جيد - عن طمس الفردية ولما كان من غير الممكن النهوض بالأنواع المنحطة كانت الوسيلة الوحيدة لبث المساواة الديمقراطية بين الناس هي النزول بالجميع إلى المستوي الأدنى . ومن هنا أمحت شخصيات الأفراد .

هذه هي بعض الجوانب التي تتجلى فيها الفردية بكل وضوح ، ومن الممكن أن تضاف إليها الجوانب الأخرى الفكرية والنفسية والأخلاقية والجمالية ، فتزيد صورة الفرد تفردا ، وتحملنا على الاهتمام بالفرد كظاهرة واقعة محسوسة ، وتنظيم حياتنا في البيت والمدرسة والمجتمع على الأساس الذي ينظر إلى الفرد هذه النظرة ؛ ولعلنا بذلك نكون قد أقمنا شيئا يمكن أن يكون له صفة الاستقرار والدوام ، وهو في الوقت نفسه يضمن لهذا العالم مدنيات من نوع أرقي ، كما يضمن للأفراد حياة مليئة خصبة .

اشترك في نشرتنا البريدية