الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1025الرجوع إلى "الرسالة"

الفرد وقيمته فى المجتمع المصرى

Share

امران هما اللذان حركا فكري لأن أتناول بالكتابة هذا الموضوع . وكلا الأمرين من وحى الثورة المباركة ، كما أعتقد أن الغاية التي يحققها هذان الأمران وأمثالهما ، هى من أهداف ثورتنا , أو يجب أن تكون من أهدافها

أول الامر ما سمعته اذناى , عرضا , وانا اسير إلى جوار رجلين من عامة الشعب . فقد صممت أحدهمايقول لصاحبه : الان لا كبير ولا صفير , ولا سيد ولا عبد , فيجب ان تطلب حقك , وتشكو ظلمك , وأنت مطمن شجاع . وقد أحست ف نفسى شعورا بالعزة , والرضى إذ اجد هذا الإحساس الذى هو وليد الثورة بلا شك , فى قلوب المهضومين من أبناء الوطن

ولكني وددت لو أستطيع أن أقول لهذين المتحدثين  وأمثالهما من الناس، أنه لا يوجد الآن سيد ولا عبد  حقاً، ولكن يوجد ويجب أن يوجد دائماً، كبير وصغير،  فهذه هي الحياة. وهكذا خلق الله الناس. ولكنه أمرهم  أيضاً أن يرعى كل حق أخيه. فحق الصغير على الكبي  الصغير والمودة والمواساة. وحق الكبير على  الصغير، العرفان، والمحبة.

أما ثانى الأمرين , فهو ذلك , الخطاب الذى قرأته . عرضنا ايضا , والذى ترسله الهيئة المشرفة على توزيع معونة الشتاء

فقد جاءت إلى امرأة فقيرة , معدمة , عمياء . تمد يدها وحمل ورقة . وعلى وجهها الأسود البائس شئ من أمل وشى من سرور . وقرأت ما احتوته هذه الورقة من سطور فإذا هي قليلة الكلمات , ولكنها تحمل من الدلالات ،

والمعاني ما ليس بالقليل . وما بلل عيني بالدمع , بعد  أن تلوثه

كان كتابا جاءها من المشرفين على توزيع هذه المعونة يطلب إليها أن تذهب إليهم فى مقرهم . وليس فى هذا كله شىء جديد , ولا امر يستحق أن يكتب فيه . ولكن صيغة الكتاب هى التى تحمل من المعاني والدلالات , كما قلت , شيئا كثيرا . فهى تدعوها , وأندادها من الفقراء , الذين لم يكن يدعوهم احد ", بالمواطن " وهي , اى لجنة الإشراف على التوزيع ", نتشرف " بدعوتها فقط , وفق ذلك من الرقة , وحسن اللياقة , والادب فى الخطاب , ومراعاة الشعور الإنساني ما فيه , وما ليس بخفى ثم يوقع الخطاب , بعد هذه الصيغة المهذبة الرفيعة باسم اللواء أركان حرب محمد نجيب

فهؤلاء القوم الذين طحنهم البؤس , والحرمان واليأس ، والذين لم يكن يذكرهم أحد إلا بالسخط , ولا يخاطبهم أحد إلا بالزراعة , يوجه إليهم مثل هذا الخطاب الذى يفيض أدبا ، ورقة , وحنانا , ورعاية من رئيس الحكومة , وقائد الجيش الذى أحدث أعظم انقلاب فى تاريخ مصر كله !

ذلك شيء جديد لم يروه من قبل، ولم يكن يخطر  بأحلامهم. ثم هم بعد هذه الدعوة المهذبة يذهبون فيجدون  من بر إخوانهم ما يكسوهم من عري، ويغنيهم عن سؤال،  ويجدون أن ما أخذوه ليس صدقة ولا منة، بل هو حق  الفقير عند القادر.

وهذا شعور جديد عند الحاكم لم يألفه وطننا مغزاه  أن كل   (مواطن)  أخ كريم له من العزة والكرامة  والحقوق ما لكل أخ قبل أخيه مهما يكن هذا المواطن  فقيراً بائساً محروماً.

وهل قامت هذه الثورة البارة الخيرة إلا ليسعد بها  الفقير، والبائس، والمحروم؟

ولست أعتقد أن هذا الأسلوب المهذب في خطاب الفقراء كان أدباً في الخطاب فحسب، بل أحب أن أعتقد  أنه يبطن وراء هذا الأدب غاية أخرى هي إشعار الفرد  بقيمته الذاتية وكرامته الإنسانية التي هي حق كل مواطن،  والتي هي الركن الأول لكرامة الوطن والجماعة، فلن  تكون جماعة كريمة عزيزة إلا وأساسها فرد كريم عزيز،  ولن يكون وطن كريم عزيز إلا وأساسه ولبناته أفراد كرام على نفوسهم أعزاء عند مواطنيهم.

والقيمة الذاتية للفرد هي أيضاً، أساس الحكم  الديمقراطي المستقيم النظيف المنتج؛ فعلى قدر الإحساس  الذاتي بالكرامة يكون الحرص على الحقوق الخاصة للفرد،  والحقوق العامة للجماعة

ولن تجد إنساناً يشعر بقيمته الذاتية وكرامته ثم  يرضى بحكم فاسد أو جائر يظلمه أو تحكم به جماعته، أو يخضع  له وطنه، والذي يعرف لنفسه قدرها يحرص عادة على أن  يعرف أقدار الآخرين فلا يظلمهم، ولا يرضى بما يقع عليهم  من ظلم غيره.

ولن تجد إنساناً يشعر بقيمته الذاتية وكرامته ثم يرضى  بأن يكون عاطلاً أو ضعيف الإنتاج، ولا أن يعيش في الحياة  على مستوى مادي أو ثقافي يأباه لنفسه الرجل الكريم.

فالقيمة الفردية لكل إنسان، هي الأساس الأول  لكل إصلاح، وخير، ونهضة متينة البنيان، والأساس  الأول لبناء الوطن الحر القوي الكريم.

وقد قرأت في الأيام الأولى لهذه الثورة أن القائد الرئيس  محمد نجيب لاحظ وهو يسلم على أحد الأفراد أنه ينحني،  ويخفض رأسه، فهز يده وهو يقول: ارفع رأسك، وانظر  في عيني فقد مضى زمن الخضوع.

وهذه هي الروح التي لا بد للثورة أن تنميها، وتزكيها  في مجتمعنا المصري، والتي أعتقد أن كثيراً من قوانين  الثورة كقانون إلغاء الرتب والألقاب، وقانون الإصلاح

الزراعى , كانت تهدف إليها , فى ضمن ما تهدف

كما أعتقد أن هيئة التحرير، التي تشمل فروعها بلادنا  كلها الآن، ستجعل من أهم أهدافها تعزيز هذه الروح  وإشعار الفرد بقيمته مع رعاية حق الآخرين.

وحبذا لو احتذت مصالح الحكومة في خطاب  الأفراد حذو هذا الكتاب الذي أرسلته الهيئة المشرفة على  معونة الشتاء إلى الفقراء، وخرجت عن أسلوب خطابها  الذي يوحي بالاستعلاء، والتفرد

وحبذا لو اهتدى موظفوها بهدي هذه الروح في معاملة  أصحاب الحاجات من روادها.

اشترك في نشرتنا البريدية