أرجو ألا يداخل مدير الفرقة شك في تجنبنا الشخصيات فيها نكتب ، سواء أكان أصحابها من رجال الادارة أو لجنة القراءة أو اللجنة العليا أو طائفة المثلات والامثلين أو غيرهم ، لأن لكل شخصية في نظرنا حرمة وكرامة ، ولأننا جميعاً سنزول، أما الفرقة القومية للتمثيل فستقى ، لأنها في نظر الحكومة التي أنشأتها ، وقى نظر النواب والشيوخ الذين يعتمدون ميزانيتها ، وفى نظر الأدباء الذين يغارون عليها ، مؤسسة أدبية لها خطرها في الثقافة العامة . فاذا كنا أهملنا اسم الأستاذ عضو لجنة القراءة الذى تحدث إلينا حديثه الشائق (۲) وتهمل أيضاً ذكر اسم حضرات الأساتذة الذين أدلوا إلينا بآرائهم ؛ وإذا كنت تعمدت إخفاء
اسمى الصريح عن الفراء والاستعاضة عنه ( بابن عساكر ، فلكي أستبعد كل مظنة، وأنفى كل شبهة أو تأويل ، ولأبرز قدر المستطاع رغبات الغيورين على الفرقة ، الراغبين فى حياتها حياة تتواءم ونهضتنا الأدبية، الوجلين أن يدب إلهاسوس الهرم وهي في المهد،
فتنالها الشيخوخة بعدوى من روح شيوخها القائمين عليها هو ذا غرضنا بأوضح تعبير . فاذا طاب لمدير الفرقة – وهو وحده المسؤول عنها - ألا يجمل دعوتنا إياه إلى رؤبة خلايا الفساد تنتشر في جسم الفرقة، على محملها الصحيح ، أو إذا أحب أن يغضب فيعمد إلى استدعاء محرر باحدى المجلات كما فعل فيقول له في سياق الحديث : ( لقد يصل في الأمر إلى أن أعطل الفرقة وأقفل أبوابها وأقدم تقريراً إلى وزارة المعارف أقول فيه إن التجربة قد فشلت »
إذا طاب له ذلك فهو وشأنه، ولكننا نستبعد إقدامه على تنفيذ تلك الفكرة، فهى فضلاً عن أنها تثير الضحك، تهدم جميع ما بناه فى سنى حياته الأدبية . ثم هو يعلم جيداً أن وزارة المعارف لن توافقه على إلغاء الفرقة القومية بجرة قلم استرضاء الخاطر مديرها الموتور من تألب أدباء البلد وفنانيها عليه ، وتفكههم في مجالسهم بتصرفاته الدالة على بعده البعيد عن فن الرواية والمسرح ، وأنه أتم على هذا الفن اقحاماً لا مبرر له
نعود الآن إلى أحاديث أعضاء لجنة القراءة فأقول : لقد تفضل حضرة الأستاذ .. فأجاب على سؤالى بقوله : ( مهمة لجنة القراءة هي قراءة الروايات التي تقدم إليها وفحصها من جميع النواحى ، أعنى النواحي الفنية ، والخلقية ، والاجتماعية ، واللغوية ؛ فاذا أجازتها فذاك وإلا رفضتها . على أنه قد يكون في بعض الروايات عيوب من ناحية من هذه النواحى ممكن علاجها. وحينئذ ترد إلى المؤلف أو المترجم ليعالجها طوعاً للملاحظات التي تبديها اللجنة ، ثم ترد إليها لترى إذا كانت صالحة بالعلاج أم لا )
سألت: هل لرأى النقاد المسرحيين قيمة في نظر اللجنة ؟ فأجاب ه ليس للنقاد المسرحيين رأى فى النواحي التي ذكرناها ( كذا ) وإنما لهم رأي من ناحية الاخراج ، كمدات الاخراج، وطول الروايات وقصرها عن الوقت المناسب ، ونحو ذلك مما يتعلق بعملهم الغنى البحث (١:٢٢) أما أن الروايات قيمة أو ليست قيمة ، أو مناسبة أو غير مناسبة ، فمن عمل اللعبة وحدها » ثم أردف قائلاً « لم أر إلى الآن في مصر نقداً فنياً قوياً يستطيع أن يسقط الروايات أو يعطيها ، وكل الذى أيت محاولات أولية من هذا القبيل . وهب أنه كان هناك نقد قوى فأعضاء اللجنة نقاد أيضاً ( كذا ) فلنا رأينا كما لهم رأيهم
هذا من جهة النقاد ،الفنيين، أما من جهة جمهور النظارة فقد يخالف حكمه حكم اللجنة فيقدر تقديراً عالياً رواية حكمت اللجنة أنها متوسطة ، أو يحكم عليها بأنها متوسطة وقد حكمت اللجنة
عليها أنها راقية . وسبب ذلك أن الجمهور قد بقدر الروايات من نواح غير فنية ككثرة ما فيها من فكاهات ، أو لأن مغزاها قريب المتناول ، وهذا لا يظهر إلا بعد أن تكون اللجنة قد أصدرت حكمها من قبل . ومع هذا فاللجنة تستفيد من رأى الجمهور فيما لا يعجبهم وما لا يعجبهم ، وكل هذا يؤثر عند نظر اللجنة في الروايات المقبلة لا في الروايات التي أصدرت حكمها عليها
قلت : هل معنى كلامكم أن اللجنة تؤثر حكم الجمهور وتستفيد من رأى الجمهور ولا تأبه لرأى النقاد ؟ فأجاب : د لا ، من غير شك . يجب أن يكون رأى النقاد الفنيين في المقام الأول لأن منزلهم منزلة الخبراء ، ولكن قلت لك إني فيها قرأت لم أو نقداً قوياً إلا في القليل النادر ، وما عدا ذلك فمدح مفرط من غير أسباب فنية ، أو ذم مفرط لأسباب
شخصية غير فنية. والرأى الواجب الاحترام هو ما يصدر من فنيين راقين ينقدون الفن للفن. وإذا حدث ذلك ، وقليلا ما يحدث ، أحللناه المحل الأول من الاعتبار وقدرناه أكثر من تقدير الجمهور ، قلت : هل لاحظتم تقدماً في تأليف الروايات خلال السنوات الثلاث، لأنى أزعم أن الروايات التي مثلتها الفرقة في عامها الثالث أحط منزلة من الروايات التي مثلت في السنتين الثانية والأولى ؟ فقال :
من غير شك لاحظتر هذا التقدم خصوصاً عندما قرأنا الروايات التي قدمت للمسابقة الأخيرة . نعم إننا لم نجد روايات حازت المكافاة الأولى، ولكننا رأينا روايات ظهرت فيها القدرة الفنية ، وظهر فيها حسن السبك، وحسن الحوار ، وإذا قارناها بالروايات التي قدمت في ظروف أخرى قبلها رأينا هذا التقدم محسوساً ، قلت : ما رأيكم في رواية ردتها لجنة القراءة إلى مؤلفها غير مرفقة بأسباب الرفض رأفة به ، ثم أعيد تقديم تلك الرواية المرفوضة بعينها إلى اللجنة مع ما تقدم إليها من روايات للمباراة فغازت وأعلن فوزها مع أنه لم يتغير فيها سوى اسم مؤلفها الشاب باسم فتاة ، فهل المسؤول عن هذه ( اللعبة » مدير الفرقة أم لجنة القراءة ؟
حد جنى محدثى الفاضل بنظرة الدهشة والاستغراب، وبعد صمت هنيهة قال: «أحب أن أعرف رأى مدير الفرقة في هذه الواقعة » فأجبته بأن مهمتى هى استطلاع رأيه هو لا نقل آراء زملائه إليه
لم أحاول الاتصال بالشيخ الثالث من أعضاء لجنة القراءة لأن مهام الحكم أبعدته عنها ، فلم يبق أمامى سوى رابع الشيوخ الأجلاء وقد كنت أؤمل أن يكون بعيداً عن تخبطات زميليه الفاضلين في ولاد عن النقد والنقاد وفيها زعماء من نضوج الفكر الروائي السريع ومن تقدم المسرح نحو الكمال؛ غير أن حضرت
أعز الله به دولة الأدب قال لى ما نصه : « يمكنك أن تقول القراء الرسالة أو من شئت من الناس إن فلاناً ، وذكر اسمه مجرداً من اللقبين العلمى والحكومى ، لا يريد أن يقول كلمة في الفرقة القومية ، وأرى أن في إصراره على عدم الكلام هو الهرب ، وهو يتهرب من الكلام عن المسرح الذي طالما تكلم عنه قبل أن يكون لنا فرقة قومية
بقى مدير الفرقة وهو الشيخ الخامس المتهم لأعضاء لجنة القراءة، وهو مافتئ يقول للمجلات الأسبوعية إن فرقته ستصل إلى مستوى الكمال بعد حين ، وأنه سيبنى لها مسرحاً من المال المدخر ، وأن الأدباء لا يوالونه بالتعضيد لأغراض ذاتية ، وأن الصحافة لا تأخذ بناصره قبل أخذ ما بخزانته
لم يتيسر لى حضور تمثيل رواية ( طبيب المعجزات ) والدى أعرفه عنها ، وقد قرأتها قبل عرضها على لجنة القراءة ، أنها تدور حول شاب طبيب انقطع إلى البحوث العلمية فهداء علمه وتجارييه إلى استنباط إكسير يطيل الحياة ويقضى على الموت . تفرح الأمة والحكومة ، وتفرح حماته أيضاً بهذا الاختراع الذي أنقذ البشرية من الموت المكروه، ورفع مقام سهرها إلى مصاف الخالدين بتخليده الحياة
تجمع الأمة والحكومة على تكريمه ، ثم لا يلبث الحال أن ينقلب عليه لفساد جميع المنظم الاجتماعية وتغير الأوضاع وتساوى الحياة فيشور الناس على المخترع المسكين فيعمد إلي قواريره فيكسرها وإلى عقافيره فيفسدها ليعيد العالم سيرته الطبيعية
وبهذه المناسبة أقول لحضرات أعضاء لجنة القراءة : إن قراءة الرواية شيء يختلف جد الاختلاف عن مشاهدتها تلبس ثياب الحياة على المسرح ، وأن لا محيد للقارئ عن خصائص فنية مكتسبة وموهوبة يجعل حكمه غير مقتصر على الخلق والاجتماع واللغة فقط

