الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 393الرجوع إلى "الثقافة"

الفشل والنجاح (1)

Share

أودي الفشل والنجاح من الدنيا ، وألفها ذاتهما في ارض غريبة . وكان النجاح لا يزال متوجا بأكليل الغار الذي فاز ، حين كان في الدنيا ، وكانت شارات الدعمة والغبطة تحف به ، وعلى ثغره ابتشامة رخية ، كأنما وقر في نفسه أنه أكمل السعي ، وأحسن العمل ، واستحق ما نال من كرامة وحفارة . أما الفشل فقد كان حسيرا ، مطأطي الرأس ، مجردا من مظاهر الإكرام ، وكان وجهه ضامرا كامدا ، حفر عليه الالم خطوطا عميقة واضحة ، بعد ان كانت تلمع اساريره ، ويطرد في جبينه ماء البشر وضوء الرجاء ولكن الأمل والروعة جميعا قد غيبا عنه

ووقف فانك الرفيقان معا ، ينتظران أن يؤذن لهما بالمثول بين يدى ملك تلك البلاد الغربية . فتقدم نحوهما رجل أقمر ليل شبابه وعلته أيهة الكبر ، وسألهما عن اسميهما ، فقال أحدهما وهو يتقدم إلى الأمام خطوة ، ويبسم للشيخ ، ويشير إلى إكابيل الغار الذي يتألف على مفرقه : " أنا النجاح " فهز الشيخ راسه وقال : " لا تبالغ في الإعتداد بمواهبك ، فكثيرا ما يستقر الرأي ، في هذه البلاد ، على وزن الأمور بغير موازينكم ، فلا نتفق معكم في فهم الأشياء وتقديرها ، ولا في البت فيها والحكم عليها وما تعدونه أنتم نجاحا ندعوء نحن فشلا في غالب الاحيان ،

وما تعدونه انتم فشلا نعده نحن نجاحا انظر . أنري الرجلين الواقفين هناك ! إن الرجل الأقرب إلينا ، كان بعد في دنيا كم من الصالحين الأخبار ، أما الآخر فقد حسبوه في عداد الطالحين الأشرار . ولكننا هنا نعد أولهما شريرا وثانيهما صالحا ، ولعل ذلك بدهشك ! ولكن سرح الطرف فيما هو أمامك . لقد كنتم تحسبون ذلك

السياسي مخلصا ، ولكننا نقول إن إخلاصه مشوب ، وإن شعوره الوطني مكذوب . وذلك الشخص ، الذي بايعناه إمارة الشعر ، وذكرنا بأجمل ذكر ، وأثرناه بشرف العبقرية ، وحملناه لواءها ، واصطفيناه ، ايخلد لنا مواهب المجد والفخر قد اتخذه عالم سخريا ! بل اترمي هاتيك الأزهار الثابتة هناك ؟ إن لها في نظرنا سحرا ، يغلب على القوي الجاسة فيغرقها في فيض من الشعور الرضى الرخي ، فهي تقيد أبصارنا بمقاتها ، ونحن نحب أن نتوخي اعباءها ، وتحوم بين مفارسها ، وتروي أحاسيسنا من جمالها المغري ، وتستغني من عبيرها المنعش . ولكنكم لا تعنون ذواتكم باقتطافها من عرائشها وشوائعها ، الكاسية بضمائها وفنونها ، بل إنكم لا تعيرونها نظرة . وأنت تري أنكم تستهينون بكل ما تحرص عليه من ذخائر هذه الحياة ، فإذا هو غاية في تقديركم

ثم التفت إلي رفيقه الآخر ، وترددت في اطواه صوته لهجة العطوف العارف ، وسأله قائلا : " وانت ما اسمك ؟ " فأجابه ذاك قائلا : " أنا الفشل " ! فجذبه من يده في حنان بالغ وقال : " إلي أيها النجاح دعني أفض بك إلي المدة الملكية " .

فرفع الفشل رأسه المطرق ، ونصب قامته المتقوضة المهدمة ، وهش لرنين اسمه الجديد ، الذي اطلقه عليه ذلك الشيخ المهيب . وردت إليه تلك الابتسامة نضارته وأدله ، كما ردت إليه النضارة والأمل قوته وكفايته ، وأشار في اهتمام إلي نده قائلا : " وهذا ؟ هل نتركه هنا وحيدا ؟ ألا يسير مع الركب ؟ " .

فهمس الشيخ قائلا : " سيغدو بصيرا عارفا ، بل إنه يثبت المعرفة منذ الان ، لأن المعرفة تستفاد من التجريب ، كما يرجع السلوك إلي الاكتساب ، فتعالوا . ولا تتمهل ونفذ صاحب الأسم الجديد إلى الحضرة الملكية ، ولكن الملك قال له : إن العالم في حاجة إليك ، أيها العامل

العزيز المبجل ، وأنت تعرف اسمك الصحيح الان ، فلا نعبأ شيئا بالنعوت والأسماء ، التي قد يحترمها لك الناس ، فعد واعمل ، ولكن استصحب معك الأمل الذي يغلب ، والتزم الرجاء المناضل الجري الذي يسرد قصة مشرقة الكفاح شديد ، وتتجلي فيه الهمة الخالقة ، والطموح المبدع ، والإيمان بالنجاح المنوثب من وراء اللفظ والمنطق

ذكر راجعا ، وأخذ يجد ويكدح بإرادة قوية وجنان يقظ ، وذكر المنطق الملكي الكريم الذي لقته العزم الذي لا يلين . ورجع قلبه صدي انغام  ذلك الاسم العذب الرنان الذي طالعة به الرجل الشيخ قائلا : إنه الأسم الصحيح لحقيقتك  والعنوان الصريح لقوتك والوثيقة الثابتة لطاقتك

اشترك في نشرتنا البريدية