الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 127الرجوع إلى "الثقافة"

الفصل الثانى

Share

فى ذلك الحين كانت عجوز شمطاء فى نحو السادسة والخمسين من عمرها تمشى فى دهليز ضيق فى بيتها الصغير  الواقع فى طرف من أطراف مكة مما يلى الحجون . وكانت

تحمل فى يدها شمعة تضئ لها الدهليز حتى وقفت عند باب غرفة صغيرة ، فأخذت تقرعه وتصيح منادية :

- سلامة ! سلامة ! سلامة ! قومى يا بنت ! اصحى ياجارية ، قد طلعت الشمس وأنت نائمة ! .

وقرعت الباب قرعا أشد من الأول فلم يجيبها أحد ، ففتحته فإذا غرفة ضيقة قد ظهر جانب منها على ضوء الشمعة سرير رث تنام عليه فتاة متدثرة بلحاف قديم . اقتربت العجوز من السرير وهى تقول :

سلامة ! قومى ياشقية ! وسحبت اللحاف عن الفتاة فأخذت تتمعلى تتثاءب

وتتقلب من جنب إلى جنب وهى تقول :  - آه . . دعينى يامولاتى نائمة لا يزال لوقت مبكرا . قالت ذلك وأعادت اللحاف على جسمها . فجذبته

العجوز عنها بشدة قائلة : -  لا يزال الوقت مبكرا ؟ الشمس طلعت ، ومولاك فى طريقه إلينا من المسجد . قومى صلى واحلبى لنا اللبن . فجلست الفتاة على سريرها قائلة فى لهجة ساخرة :  - الشمس طلعت والشمعة فى يدك ! .

فطنت العجوز لسخرية الجارية ، فضحكت فى امتعاض تحاول ستره ، وأطفأت الشمعة ودلعت إلى النافذة ففتحتها وهى تقول :

_ هأنذا أطفأت الشمعة . انظرى . . . الدنيا كلها مضيئة : لو علم مولاك أنك لا تصلين الصبح إلا بعد شروق الشمس لضربك .

فأجابت الجارية وهى تفرك عينيها وتتثاءب : - لكنى أصلى الصبح كل يوم قبل طلوع الشمس ، بل قبل أن تصلى أنت !

فابتسمت العجوز وقالت : - فما الذى جعلك اليوم كسلانة هكذا ؟ صمتت الجارية هنيهة كأنها تتردد فى جواب

قد يغضب مولاتها ثم قالت : - آه ما نمت البارحة إلا بعد منتصف الليل . . إن صوت المغنية التى نزلت عند آل سهيل أطار عنى النوم . أتعلمين يامولاتى هى " جميلة " مطربة المدينة المشهورة .

فتنهدت العجوز وقالت فى لهجة يشوبها الاستنكار والشماتة :

- نعم . . أى شئ يأتينا من أهل المدينة إلا هذا ؟ . أواه من فساد الزمان ! .

- آه يامولاتى ما أعذب صوتها وأجمل غناءها ! . - هل كنت تتسمعين إليها ؟ ويل لك ! لماذا لم تسدى أذنيك وتنامى ؟ .

فانفجرت الجارية ضاحكة ضحكات متقطعة ، كأنها تستغرب هذا القول من سيدتها وقالت :

- أسد أذنى وأنام ؟ هئ هئ هئ هئ . . . وهل كان فى وسعى ذلك ؟ . .  إن صوتها يامولاتى ليتسرب إلى أذنى كما يتسرب الأمل الحلو - كما يهب النسيم العذب -  كما يداعب النعاس الأجفان ! .

وأخذت الجارية تتثنى وتترنح ، وتميل رأسها يمنة ويسرة ، ثم نهضت من سريرها فى نشوة وهى تترنم : تن تن تن تن تن تن تن : تن تن تن تن تن تن تن ! فقاطعتها العجوز وهى فى حالة وسط بين الغضب

والضحك قائلة : - صه ، اسكتى ياعاملة ! ولكن الجارية لم تشأ أن تسمع لمولاتها ، واستمرت مترنمة : " تن تن تن تن تن تن تن ! " وطفقت ترقص فى

انتشاء وتتشنج وهى تغنى : ليت هندا أنجزتنا ما تعيد    وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة    . . . . . . . . . .  ورأت أم الوفاء أنها قد صبرت لسلامة أكثر مما  ينبغى لها أن تصبر عليه ، فهزتها ووضعت يدها على فمها قائلة :

- صه . . اسكتى ؛ لم يبق إلا أن ترقصى وتغنى هنا . . . هيا اذهبى فصلى واحلبى اللبن ، ثم اخرجى بالغنيمات إلى المرعى لتعودي إلينا قبل الظهر . وعرفت سلامة الجد فى مولاتها ، فما وسعها إلا

أن تطيع أمرها قائلة :  - سمعا يا مولاتى ، هأنذا نازلة . وأخذت عباءتها فألقتها على كتفها متأهبة للخروج ، ولكنها عز عليها أن لا تتمكن من إتمام رقصتها  وأغنيتها ،

فخرجت من الباب وهى ترقص وتغنى :                    إنما العاجز من لا يستبد ! ومشت أم الوفاء وراءها تتبعها وهى تقول : _ حسبك الله يا جميلة ... ستفسدين علينا جوارينا . ( يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية