فى ذلك الحين كانت عجوز شمطاء فى نحو السادسة والخمسين من عمرها تمشى فى دهليز ضيق فى بيتها الصغير الواقع فى طرف من أطراف مكة مما يلى الحجون . وكانت
تحمل فى يدها شمعة تضئ لها الدهليز حتى وقفت عند باب غرفة صغيرة ، فأخذت تقرعه وتصيح منادية :
- سلامة ! سلامة ! سلامة ! قومى يا بنت ! اصحى ياجارية ، قد طلعت الشمس وأنت نائمة ! .
وقرعت الباب قرعا أشد من الأول فلم يجيبها أحد ، ففتحته فإذا غرفة ضيقة قد ظهر جانب منها على ضوء الشمعة سرير رث تنام عليه فتاة متدثرة بلحاف قديم . اقتربت العجوز من السرير وهى تقول :
سلامة ! قومى ياشقية ! وسحبت اللحاف عن الفتاة فأخذت تتمعلى تتثاءب
وتتقلب من جنب إلى جنب وهى تقول : - آه . . دعينى يامولاتى نائمة لا يزال لوقت مبكرا . قالت ذلك وأعادت اللحاف على جسمها . فجذبته
العجوز عنها بشدة قائلة : - لا يزال الوقت مبكرا ؟ الشمس طلعت ، ومولاك فى طريقه إلينا من المسجد . قومى صلى واحلبى لنا اللبن . فجلست الفتاة على سريرها قائلة فى لهجة ساخرة : - الشمس طلعت والشمعة فى يدك ! .
فطنت العجوز لسخرية الجارية ، فضحكت فى امتعاض تحاول ستره ، وأطفأت الشمعة ودلعت إلى النافذة ففتحتها وهى تقول :
_ هأنذا أطفأت الشمعة . انظرى . . . الدنيا كلها مضيئة : لو علم مولاك أنك لا تصلين الصبح إلا بعد شروق الشمس لضربك .
فأجابت الجارية وهى تفرك عينيها وتتثاءب : - لكنى أصلى الصبح كل يوم قبل طلوع الشمس ، بل قبل أن تصلى أنت !
فابتسمت العجوز وقالت : - فما الذى جعلك اليوم كسلانة هكذا ؟ صمتت الجارية هنيهة كأنها تتردد فى جواب
قد يغضب مولاتها ثم قالت : - آه ما نمت البارحة إلا بعد منتصف الليل . . إن صوت المغنية التى نزلت عند آل سهيل أطار عنى النوم . أتعلمين يامولاتى هى " جميلة " مطربة المدينة المشهورة .
فتنهدت العجوز وقالت فى لهجة يشوبها الاستنكار والشماتة :
- نعم . . أى شئ يأتينا من أهل المدينة إلا هذا ؟ . أواه من فساد الزمان ! .
- آه يامولاتى ما أعذب صوتها وأجمل غناءها ! . - هل كنت تتسمعين إليها ؟ ويل لك ! لماذا لم تسدى أذنيك وتنامى ؟ .
فانفجرت الجارية ضاحكة ضحكات متقطعة ، كأنها تستغرب هذا القول من سيدتها وقالت :
- أسد أذنى وأنام ؟ هئ هئ هئ هئ . . . وهل كان فى وسعى ذلك ؟ . . إن صوتها يامولاتى ليتسرب إلى أذنى كما يتسرب الأمل الحلو - كما يهب النسيم العذب - كما يداعب النعاس الأجفان ! .
وأخذت الجارية تتثنى وتترنح ، وتميل رأسها يمنة ويسرة ، ثم نهضت من سريرها فى نشوة وهى تترنم : تن تن تن تن تن تن تن : تن تن تن تن تن تن تن ! فقاطعتها العجوز وهى فى حالة وسط بين الغضب
والضحك قائلة : - صه ، اسكتى ياعاملة ! ولكن الجارية لم تشأ أن تسمع لمولاتها ، واستمرت مترنمة : " تن تن تن تن تن تن تن ! " وطفقت ترقص فى
انتشاء وتتشنج وهى تغنى : ليت هندا أنجزتنا ما تعيد وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة . . . . . . . . . . ورأت أم الوفاء أنها قد صبرت لسلامة أكثر مما ينبغى لها أن تصبر عليه ، فهزتها ووضعت يدها على فمها قائلة :
- صه . . اسكتى ؛ لم يبق إلا أن ترقصى وتغنى هنا . . . هيا اذهبى فصلى واحلبى اللبن ، ثم اخرجى بالغنيمات إلى المرعى لتعودي إلينا قبل الظهر . وعرفت سلامة الجد فى مولاتها ، فما وسعها إلا
أن تطيع أمرها قائلة : - سمعا يا مولاتى ، هأنذا نازلة . وأخذت عباءتها فألقتها على كتفها متأهبة للخروج ، ولكنها عز عليها أن لا تتمكن من إتمام رقصتها وأغنيتها ،
فخرجت من الباب وهى ترقص وتغنى : إنما العاجز من لا يستبد ! ومشت أم الوفاء وراءها تتبعها وهى تقول : _ حسبك الله يا جميلة ... ستفسدين علينا جوارينا . ( يتبع)

