الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 145الرجوع إلى "الثقافة"

الفصل الحادي عشر

Share

خرج عبد الرحمن من عند ابن سهيل فقصد توا إلي المسجد فصلي المغرب ، ثم طاف بالكعبة ما شاء الله أن يطوف ، وهو في ذلك شارد اللب ذاهل الحس ، تجيء به الخواطر وتذهب ، كأنما قد ألقي منها في بحر لجي يتلاطم عبابه وتصطخب أمواجه ، فهو منها في كبد ترفعه موجة وتهبط به أخري ، ويري الناس يقومون ويقعدون ، ويطوفون ويصلون ، وكأنه  يرى أخيلة تتراقص أمامه ، وأشباحا تضطرب من حوله ؛ ويتصفح وجوههم فينكرها ولا يكاد يعرف فيها وجها ؛ ويعود إلي نفسه فيتلمس جسمه كأنه يشك في موقفه ذاك ويريد أن يتبين : أحي هو يضطرب بين الأحياء ، أم ميت قد بعث مع الأموات في يوم الحساب ؟

نسي عبد الرحمن في ذلك الموقف كل شئ ، وشك في كل شئ ، وشعر بالخوف والاستيحاش من كل شئ ، فكأنما خرج من هذا العالم إلى عالم جديد لا صلة له به ولا عهد له به من قبل أهذا هو المسجد الحرام الذي كان يغشاه صباح مساء منذ عقل نفسه ؟ أهذه هي الكعبة التي يصلي إليها ويطوف بها ويدعو أمامها مرارا كل يوم ؟ أهو عبد الرحمن بن أبي عمار الذي لقبه أهل مكة بالقس ؟ أفي يقظة هو أم نائم تتلاهب برأسه الآحلام ؟ وينظر إلي الصرة التى يحملها معه فلا يدري ما هي ولماذا يحملها ويحتفظ بها ؟ ويسمع أذان العشاء فلا يعي منه إلا ما يعيه المجهد من حديث القوم قد غلبه النعاس بينهم .

وأقيمت الصلاة فقام مع القائمين ، وصلى مع المصلين ، ثم خرج من المسجد مع الخارجين ، وحملته قدماه من

حيث لا يشعر إلي حيث انتهي إلي باب داره ففتح الباب ثم أغلقه عليه وصعد إلى غرفته ورمي بنفسه على فراشه فوقع جنبه على الصرة التي كان يحملها في يده ، فأحس بألم شديد أيقظه من غمرته ، فجعل يبحث عن مصدر الألم فوجد الصرة فرفعها ونظر إليها مليا فتذكر . .

تذكر الضيعة وكيف باعها ولم باعها ، وتذكر سلامة وكيف عزت عليه ويئس منها ، وكان يراها إلى أمس القريب أملا سهل التحقيق داني المبتغي لو توقه بكرم ابن سهيل وعطفه عليه وحبه لمساعدته . ولكن ويح ابن سهيل ؛ لقد حجر عليه بالتفليس وبيعت أملاكه وأمواله ، ولم يبقوا حتى على قصره الذي يقيم فيه ، وجاريته التي يؤثرها ، فأصبح بعد ذلك الثراء الواسع والنعمة السابغة والموائد المنصوبة للضيوف والمجالس العامرة بالأنس والغناء والندماء من المغنيين والشعراء ، فقيرا لا يملك أن يسعد صديقا عزيزا عليه ، أو ينفق على أهل بيت أخني الزمان عليهم

( يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية