اطلعت على ما قاله الأستاذ أحمد محمد خلف في العدد ٧٥٢ من الرسالة انتقاداً لما كتبته في الرسالة في موضوع (الفضاء والعدم) . وهو يستنكر قولي بحتمية وجود مادة في الفضاء، ويحجني بمنطقه أني إذا كنت أجيز هذا الحتم فيجوز له أن ينقض قانون الجاذبية لأنه يمكن أن يوجد على الأرض أجسام تسقط من تحت إلى فوق خلافاً لسنة الجاذبية التي تقضي بسقوط الأجسام إلى تحت (نحو مركز الجاذبية) . ولم يعطنا مثلا أو شاهداً على هذا الغرض.
لست أيها الأستاذ أنقض ناموساً من نواميس الطبيعة، ولا أنا من يقول إن هذا الفضاء مشغول حتماً بمادة، وإنما عيناك العزيزتان حفظهما الله وعيناي ترى الحقيقة الناصعة، وهي أن أنوار النجوم تملأ الفضاء، وما هذه الأنوار إلا أمواج كهرطيسية من جملة الأمواج الكهرطيسية التي تحرك طبلة الراديو وترجها فتسمعنا الأصوات البعيدة، ولا فرق بين أن تكون هذه الأمواج فوتونية سابحة في الفضاء من تلقاء نفسها، أو أن تكون تموجات أثيرية.
أما الأثير فما نفاه أينشطين ولا أثبته وإنما قال: إن نظريته لا تحتاج إلى الأثير، فهي تثبت سواء ثبت وجود الأثير أو انتفى.
وإذا كانت عملية ميكلهن ومرولي لم تكشف لهما سرعة الأرض في بحر الأثير، وبالتالي حكما بعدم وجود الأثير، فلأن هذين العالمين كانا موجودين مع جهازهما الذي جربا به عمليتهما، فخابت العملية التي كرراها مراراً بطرق مختلفة، ولم تنتج شيئاً لا سرعة الأرض في الأثير ولا وجود الأثير نفسه، وكان يجب أن يكونا على غير الأرض لكي يكتشفا سرها.
وقد تحير جميع العلماء من خيبة العملية في كشف سر الأثير مع أنها عملية محكمة علمياً تمام الإحكام لا غبار عليها. ولكن أينشطين انبرى من دون جميع العلماء مدركاً السر، ومن جراء هذه العملية تجلى له سر النسبية، فقال لهم: لا تتعجبوا من اتفاق عملية ميكلهن ومورلي وهما على جهازهما على الأرض، فلو أمكنهما أن يراقبا العملية على الأرض من سطح القمر أو المريخ مثلا لكشفا
سرعة الأرض في الفضاء سواء كان الفضاء أثيرياً أو لا أثيرياً، ولكنهما وهما على سطح الأرض مع جهازهما، فلا يمكن أن يكشفا شيئاً لا سرعة الأرض ولا سكونها، كما لو كنت على سطح سفينة ضخمة فلا تشعر بسرعة السفينة، ولكن إذا كنت على الشاطئ ومرت السفينة أمامك شعرت بسرعتها.
فالحركة أو السرعة تختلف باختلاف موقع الراصد، فالراصد على الأرض يرى الأرض ساكنة والفلك يدور حولها، ولكنه إذا كان في مكان بعيد عن الأرض كالمريخ مثلا، يرى الأرض تسير في الفضاء، فالأرض لأهلها ساكنة، ولكنها لأهل المريخ متحركة - هذه هي النسبية.
فإخفاق عملية ميكلهن - مورلي نجمت عن أن الراصد والمرصود كانا في مكان واحد، والمكان يتحرك بهما وبجهازهما معاً في وقت واحد، فهنا انتفت النسبية.
فالحركة، وأية حركة، يتوف ظهورها على مكان الراصد بالنسبة إلى مكان المرصود، وهذا هو سبب الصعوبة في تصور النسبية على من يحاول دراستها.
وحاصل القول أن إخفاق عملية ميكلهن - مورلي لم يثبت وجود الأثير ولا نفاه، لأن نتيجة العملية لا تتوقف على وجود الأثير أو عدمه، بل على انتفاء النسبية فيها، فلو كان الرصد في مكان خارج عن الأرض كالمريخ مثلا لظهرت سرعة الأرض للراصد. ونحن على الأرض نكشف سرعة المريخ، ولو كنا في المريخ لاستحال علينا أن نكشف سرعته الأبراقية ما في الأفلاك من الأجرام.

