الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 371 الرجوع إلى "الثقافة"

الفكاهة فى الشعر المصرى

Share

-4-

رأينا ابن دانيال في كتابه " طيف الخيال " يسلك مسلكا تهريجيا فى فكاهته ، فهو يضحك الناس من نفسه وبيته وأهله ، وقد ضمن كتابه بعض أزجال ، ولكنا لا نستطيع ان نعرض لها لما فيها من إثم وفحش . ومن يرجع إلي نصوص القرن السابع الهجري ، قرن ابن دانيال يجد الأزجال تشيع بمصر وتكثر ، وقد عرض ابن سعيد في كتابه " المغرب " رجلين كانا مشهورين لعهده ومطلع أحدهما : المليح قلبي عليه يخفق ومطلع الثاني :

تسمى من الدين الثانى ترجع لدينى الحقافى

والزجلان أيضا بهما بذاء ومجون ، وهناك زجل آخر ليس فيه إثم ولا بذاء ، وربما كان أطرف الأزجال التي وصلتنا عن القسم الأول من عصر المماليك ، وقد نظمه أحد الزجالة في رثاء الفيل الكبير " مرزوق " وهو الفيل الذي أهداء تمورلك إلي سلطان مصر ، فقد تصادف ان غلمانه الموكلين به اخذوه وساروا نحو بولاق ، ثم رجعوا مجازفين من على قنطرة الفخر وكان هناك يجمعون ( قنطرة ضعيفة على ماء ) فسار الفيل علي ذلك اليجمون فانخسف به ولم يقدر أحد على إنقاذه وبقي كذلك ساعة ثم مات ، فلما اشيع خبره في القاهرة خرج الناس إليه زمرا يتفرجون عليه ، ورثاء بعض الزجالة بهذا الرجل اللطيف :

تعا اسمعوا بالله يا ناس اللى جره

الفيل وقع يوم الاثنين فى القطنره

لما أفلوا غلمان الفيل راموا الجراف

خدوه وراحوا صوب بولاق يسقوا المطاف

رأوا شويخ من أهل الله ما فيه خلاف

جو ياخدو شاشو منو بالزنطره

دنا على الفيل اتقنطر فى القنطره

قالوا بأنو في البجمون مفروس يصيح

فقلت حتى أروح ابصر إن كان صحيح

أجي الاقي الفيل ميت ملقى طريح

والناس تطلع فوق ظهره مستظهره

لما وقع يوم الاثنين فى القنطره

واولاد ديار مصر السادة حولو زمر

يتعجبوا من هذا الفيل اللى انحصر

رأوا دموع عينو تجري مثل المطر

ولو جمير والعالم دول متعكره

لما وقع يوم الاثنين فى القنطره

فقلت لو يا فيل مرزوق يا اسود دغوش

اين حرمتك بين العالم وانتا نهوش

وكنت بالإعجاب ترهو فى القنطره

وقد بقيت اليوم مطروح فى القنطره

والفيل لسان حالو ناطق للناس يقول

كم كنت نا ادور في الرفه فوق طبول

وكنت نا ادور في المحمل ولى قبول

حكى عروسه حين تجملى فى المنظره  

واليوم كان آخر مشيو فى القنطره

وقالت الفيله امراتو من لى معين

سهم الفراق قد صاب قلبي يا مسلمين

ترنا غريبه هنديه قلبى حزين

وكان هذا الفيل زوجي لا معسره

واليوم كان آخر عمرو فى القنطره

وعيطت حتى ابكت جيرانها

من كتر ما ناحت ناحو لأحزانها

من نارها صارت تلطم بودانها

حتى الزرافه جاتها متحسره

تبكي علي الفيل التي مات فى القنطره

وما من ريب في أن هذا الزجال كانت لديه روح فكهة خفيفة كما كانت لديه اللفتات ذهن بديعة ، وقد ظهرت هذه

اللفتات في تصويره لزوج الفيل الهندية وما كان من لطمها " بودانها " كما ظهرت في استغلاله لما عرف من صمت الزرافة وما يبدو عليها من تامل وحزن كما افلت منها شيء ، ولذلك جاء بها هنا لتسعد الفيلة في بكائها .

ونحن لا نمضي في عصر الهليك إلي القرن التاسع الهجري حتى نلتقي باكبر شخصية فكهة ، ونقصد شخصية ابن سودون . ويظهر مما ترجم له السخاوي انه بدا حياته جادا في تحصيل العلوم والفنون المعروفة لعصره وقد وظف إماما ببعض المساجد ، ولكنه سرعان ما تعلق بالهزل والخلاعة فراج امره جدا وطار اسمه وتنافس الظرفاء في تحصيل شعره .

وقد ترك ابن سودون ديوانا طريفا سماه " نزهة النفوس ومضحك العبوس ، وواضح من هذا الاسم انه ملأء بالدعابة والفكاهة ، وهو نفسه يقول في مقدمته إنه " يشتمل على أنواع من الأقاويل الهزليات " وفيه خمسة أبواب : الباب الأول في القصائد والتصاديق ، والباب الثاني في الحكايات الملافيق ، والباب الثالث في الموشحات الهبالية ، والباب الرابع في الدويت والزجل وانواع من المواليا ، والباب الخامس في الطرف العجيبة والتحف الغريبة .

وإذا ففي هزليات ابن سودون بابان نثر خالص وهما : الحكايات الملافيق والطرف العجيبة ، والأبواب الثلاثة الباقية شعر خالص ، وقد بدأها بباب القصائد والتصاديق ، وهو يريد بالتصاديق ما يتقدم به بعض قصائده من مقدمات نثرية تشبه ما نعرفه عن المقامات إلا أنها قصيرة . أما قصائده فتمتاز بأنه يعني فيها باللفظ العربي الفصيح على خلاف القسمين الآخرين من " الموشحات والأزجال و "الدويت والمواليا" ، فهذه كلها بنيت على اللفظ العامي . وليس معنى ذلك أن قصائده تخلو من العامية خلوا تاما ففيها كثير من العامية ايضا ، ولكن العامية فيها محدودة ، وقد صاغها على أوزان العرب المعروفة بخلاف أوزانه في الموشحات والأزجال فهي تعتمد في اكثر جوانبها على أذنه هو ، كما تعتمد على موسيقي عصره .

ونحن لا نكاد نلم بديوان ابن سودون حتى نجده يتبع في هزله طريقة خاصة تقوم على عرض الحقائق مع ضروب من المفارقات المنطقية ، إذ ما يزال يستهوبنا في كثير من شعره بأنه أخذ مأخذ الجد فإذا هو ينتقل فجأة وبدون مقدمات إلي هزل خالص ، واستمع إليه يقول في وصف الربيع :

إلي الربيع أري الأهواء تلوين

لما بدا زهره في حسن تلوين

وماس فى ذهب الزر ذا سلف

بين الرياض غصبتين اللباسين

كأنه وهو بالكتان مختلط

يهود بين نصاري في شعانين

وعطر الأرض نشر القول حين سرت

نسيمة سحرا منه تحييني

كأن زهرته أم الخلول إذا

فلقتها فوق نعناع بصحنون

وكاد يشبه تاج القمح بامية

لولا شعور كأعراف البرازين

وانظر إلي زهر البرسيم كيف حكي

أبيض التوت فى أطراف مرسين

واعجب من الماء وسط البحر كيف غدا

يمشى بلا قدم سحبا على الطين

مسلسلا قد جري يا صاح منطلقا

فاعجب لمن جمع الضين فى حين

تري الغصون عليه ذاك منحنيا

وذاك من حنية ناداء حنينى

وأنت تراه في مطلع هذه المقطوعة يتخذ ثوب الحزم والجد ، فهو يعمد إلى الجناس كما يعمد إلي التصور ، وهو يغرب في تصويره ، إذ تراه يشبه زهر اللباسين والكتان بيهود ونصاري اجتمعوا في عيد الشعانين وعليهم عمائمهم الصغر والسود . وبينما نحن نفكر في تلك الصورة التي تجعلنا نظن بعض الظن اننا بصدد شاعر يتعب نفسه في

صنع شعره إذا به ينقلنا فجأة إلي تشبيه زهر القول بأم الخلول وعليها النعناع لا فوق صحن بل فوق صحنون . وهنا تأتي مفارقة ابن سودون ، فهو يخلط بين الجد والهزل هذا الخلط الذي نحس فيه دائما انحرافا عن المنطق بل نحس فيه غفلة ونبالها ، إذ تراه ينتقل من جد إلي هزل في غير روية ولا ترتيب . وأعد النظر في المقطوعة فإنك تراه يشبه زهر البرسيم بأبيض التوت كما يشبه سنابل القمح "بالبامية" وهي كلها تشبيهات مضحكة لانه يعمد إلي صور بعيدة لا تفد في العادة على أذهاننا بنا فيقرئها بعضها إلي بعض ، فإذا هي حينما تقرن تخرج منها ضروب من المفارقة المنطقية التي تجعلنا نضحك . وأي صلة بين الأصل والفرع المشبه به في هذه الصور جميعا ؟ ! واستمر معه فستراه أثناء هزله وما يصوره من سحب الماء علي الطين يدعونا إلي أن نقف معه متأملين في هذا الماء المسلسل المنطلق الذي يجمع بين الضدين . فأين نحن ؟ وما هذه الفلسفة أثناء هزله ؟ ولكنها ضرب آخر من مفارقته . وأنت كلما قرأت فيه وجدت نغما كثيرا ينصب من هذه المفارقة ، ومن الغريب أنها تستقيم له ، ولو لم يعتمد على مثل ما سبق من ضم صور متباعدة تؤدي ما يريد من هزل ، فقد يكتفى بذكر الحقائق ولكنها لا تسجل في شعره حتى تحس أنها أخذت شكلا مضحكا على نحو ما تجد في قوله :

عجب عجب هذا عجب بقرا تمشي ولها ذنب

ولها في بزبزها لبن يبدو للناس اذا تحلوا

من أعجب ما في مصر يري الكرم يرى فيه العنب

والنخل يري فيه تلح أيضا ويرى فيه رطب

ووسيم بها البرسيم كذا فى الجيزة قد زرع القصب

والمركب مع ما قد وسقت فى البحر بحبل تنسحب

والناقة لا منقار لها والوزة ليس لها قتب

لا بد لهذا من سبب حزر بزر ماذا السبب

وليس في هذه القطمة شئ يضحك سوي ما استعان به من المفارقة ، فإنه يبدأ بقوله : " عجب عجب " وننتبه ظانين

أننا سنستمع إلي عجائب ، فهذا هو لا يأتي بشيء لا نعرفه ، ومع ذلك نحن أننا بإزاء قطعة فكهة لا لسبب إلا لتلك المفارفة التي وصفناها ، فهو يدعو إلي العجب من أشياء معروفة لنا غير مجهولة . ولكنه يسوقها في صورة من النباله تجعلنا نحس عدوانا على منطقنا ، وخاصة حينما فصل إلي تعجبه من تلك الحقيقة المعروفة ، وهي أن الناقة لا منقار لها ، والوزة ليس لها قتب ، فقد قرن الناقة تلك الدابة الكبيرة إلي الوزة تلك الطائرة الصغيرة ، ثم ذهب يقول في غفلة وتباله : إن الناقة لا منقار لها كأنه يظنها من الطير ، فهو يري أجنحتها ولكنه لا يري منقارها ! أما الوزة فيظنها من فصيلة الإبل فهي ضخمة وتمشي على أربع ولكنه لا يري غتبها ! ويندهش ابن سودون من هذه  الصور التي لا يكاد يفهمها فيتساءل متحيرا عن سببها ، وهو يقرن هذا التساؤل بكلمة " حزر بزر " التي تلوكها العامة عندنا في " الفوازير " وما من ريب في أن هذه كلها مفارقات يعتدي بها علي المنطق والواقع جميعا ، وهذا هو سر ما فيها من فكاهة ، إذ نضحك منها لأنها جاءت في غير مكانها ومن غير اهمية لها ، وكأنها تهزنا هزا لأنها تعتدي علي حسنا كما تعتدي علي عقلنا ، ولكن هل جاء ابن سودون بشيء سوي الحقائق نفسها ؟ ثم هو لا يصنع أكثر من وضعها في غير نظام ، فإذا هي تستوي في هذه الصور المضحكة التى تجعلنا نشعر كأن توازنها قد اختل ، فهي تصمد أمامنا وتهوي وكأنها تهوي من أمكنة عالية ، هي أمكنة المنطق والواقع ، فتضطرب معها ونضحك في غير نظامى على نحو ما تجد في قوله :

البحر بحر ولو سموه بالنسيل ولو بدا فيه بلطي وبني لي

كم مط في مائه حوت وماطلني

فهل يجود بمطوطر لمعطول

فيه الطيور مع الأسماك قد تركا

قلبي وطرفي كسلوب ومسبول

أحداق زهر الفتاني فيه ساهرة

والفرع يرقد كالسطول بالطمول

عجنت فيه دقيق الفكر منطرحا

في ظل نخل به تخمير تخييلى

حتى عرفت بأن الناس إن شربوا

لم ينقصوه ولو جاءوه بالفيل

وليس ينقص من تحويل ساقية

ولا انسكاب عيون ذات تحويل

والوز فيه إذا ما عام بعجبي

وكلما مر فيه صار يحلو لي

أبنائه زوجها الذكرور بيضها

إذ سودته ورواها بتذبيل

مع الفقايس في البحرور كم مرحت

وكم بهم سرحت في مرجة الفول

قاقت لهم أي تعالوا ها أنا امكم

بالابسى فرو سنجاب وقافوا لى

ولعلك لاحظت إنه يستخدم في كثير من جوانب هذا الهزل ضروبا من مصطلحات اللغة التقليدية وما تعتمد عليه من جناس وطباق وصور بيانية ، وهو يضيف ذلك كله إلي لغته لا لسبب إلا لأنه يستمد منه ألوانا من المفارفة وارجع إليه فانظر كيف يتغزل في الطيور والأسماك ، وإنه ليستمر فيتكلم عن زهر " القت " أما القرع فإنه يرقد على الأرض كالمسطول بالطول ، وإنه ليجلس في ظل نخل " يخمر " نخييله ويعجن فكره ، فإذا به يصل إلى هذه الحقيقة الغريبة ، وهي أن الناس لا ينقصون النيل بشربهم لا هم ولا سواقيهم ولا ما يسكب منه ، تسكبه عيون ذات تحويل . والتورية هنا واضحة ، وقد استمر فوصف الوز وهو يعوم فيه واخرج هذا الوصف مخرجا هزليا طريفا اعتمد فيه على ابنية غريبة من مثل الذكرور والبحرور والتبييض والتسويد ، وما زال به هزله حتى حكى لغة الوزة وأمها " قاقت " لأبنائها ، وكل ذلك ليستكمل فكاهته ويستتم دعابته .

( للكلام صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية