الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 408 الرجوع إلى "الرسالة"

الفكر والفوضى

Share

أن رأيي في مناظرة ازدهار الفكر أن الوضع الصحيح قد  عكس، فأني أستطيع أن أفهم أن الفكرة إذا أريد تطبيقها  إلى أبعد غاية من غير نظر إلى ما يخالفها ويلطفها من الأفكار  الأخرى التي تعين حدودها قد تسبب الفوضى أي أن الفكر  قد يسبب الفوضى- ولكني أجد صعوبة في أن أفهم كيف أن

الفوضى تسبب ازدهار الفكر ما دامت الفوضى فوضى، ولا أفهم  كيف تكون معه حتى من غير الصلة السببية، فإن الفكر خطواته  نظام، والنظام ضد الفوضى، والفوضى عمياء والفكر بصير،  وكل فكرة - حتى الفكرة التي تقول أن الفوضى تسبب ازدهار  الفكر - قد تضيء عليها فوضى المقاطعة والمعارضة وفوضى  الاضطهاد والأحقاد، إلا إذا ناصرتها الفوضى حباً لذاتها.  ويا حبذا لو قرأنا في الرسالة مناظرة في الموضوع آلاتي: (هل  يؤدي الفكر إلى الفوضى أم يؤدي إلى الأمان والنظام؟)  وهو عكس موضوع مناظرة كلية الآداب

وتكون الفائدة عظيمة إذا تتبع كل مناظر حياة الأمم  ومظاهر الفكر قديماً وحديثاً، ولكل مناظر مجال واسع في  الجانبين من الموضوع، وهو موضوع قد يستلزم النظر في موضوع  ثان، وهو: هل الفكر والفلسفة نتيجة النزعات النفسية  والعواطف والأهواء أم هما سبب لإثارة تلك النزعات والأهواء؟ ولا داعي لأن أقول: أن الصواب في الجانبين معاً: ولكن  الفائدة في بيان شواهد الصواب في الجانبين؛ ونضرب مثلاً من  التاريخ القديم فنقول: أن الفكر الإغريقي هو أنفس ما يعتز به  الأوربيون، وهم يعدونه أساس حضارتهم ومخترعاتهم ونظامهم،  ولكنه مع ذلك أدى قديماً إلى مذهب السوفسطائية الذي كان له  ضرر محقق. إلا أننا نعود فنقول: هل أدى مذهب السوفسطائية  إلى فساد النفوس وفساد ميولها، أم أن فساد ميول النفس  أدى بالفكر إلى السوفسطائية؟ وهذا الموضوع الثاني قد يستدعي  موضوعاً آخر للمناظرة، وهو هل ينبغي أن يكون الفكر حراً  طليقا، أم ينبغي أن يقيد؟ وإذا وجب قيده فكيف يقيد؟ والى  أي حد؟ ومن الذي يقيده؟ وإذا جلب قيده فائدة فهل يجلب  ضرراً مع الفائدة؟ وأيهما أشد وأبقى: الفائدة أم الضرر؟  وهل كان الفكر الإغريقي أو العربي يثمر كل ثمراته لو كان مقيداً  قيداً حقيقياً؟ هذه مشكلة أخرى من مشكلات الفكر العديدة

اشترك في نشرتنا البريدية