الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الرسالة"

الفلسفة الاسلامية المتأخرة

Share

يختتم أكثر المستشرقين بحوثهم عن الفلسفة الإسلامية بفلسفة المؤرخ والفيلسوف العربي ابن خلدون (۱) ، كما فعل المستشرق دی پور ( de Boer » فى كتابه « تاريخ الفلسفة في الإسلام (۲) ) وهو كتاب سلس سهل بسيط لا يوجد مثله في البساطة والسهولة فى اللغات الأوربية (٢) . وكما فعل أغلب من بحث في هذا الموضوع إذا ما استثنينا كتاب المستشرق ماكس هورتن a Max Horten D عن «الفلسفة في الإسلام ) وهو » كتاب لا يستعرض الفلسفة الإسلامية عرضاً تأريخياً بل يتتبع الترتيب الفلسفي، ويعالج المواضيع معالجة خاصة لا تخلو من نواقص وهفوات (4)

على أن هنالك طائفة غير بسيرة من الفلاسفة ظهرت بعد ابن خلدون تركت تراناً فلسفياً مهماً وآثاراً خالدة في عالم المحكمة نبعت في أرض الشرق الأدنى ، وفي القرن الحادي عشر الهجري وما بعد كونت جيلاً خاصاً عليه طابع فلسفى خاص وفي طليعة أسماء رجال هذا الجيل عربى سورى من جبل عامل هو الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي الجباعي العاملي المعروف ( بالشيخ البهائى (٥) ( المتوفى عام ٠٣١

للهجرة و ١٦٢٢ للميلاد (١) والمير باقى الداماد « المتوفى سنة ١٠٤١ للهجرة و ١٦٣١ ١٣٢ لميلاد ، والحكيم الشهير الملا صدرا ( المتوفى سنة ١٠٥٠ للهجرة و ١٦٤٠ للميلاد " والملا محسن فيضي ( المتوفى حوالى سنة ١٠٩١ للهجرة ١٦٨٠ للميلاد » والملا عبد الرزاق اللاهيجي والحاج ملا هادی السنزوادي ( المتوفى سنة ١٢٩٥ للهجرة و ۱۸۷۸ للميلاد

وتغلب على فلسفة هذا الجيل الفلسفة الإشراقية الصوفية ، ولذلك عدهم العلماء في عداد الفلاسفة الصوفيين الذين جمعوا بين الرياضة والمجاهدة وبين الحكمة الإشراقية التي ينسيا المسلمون عادة حين ينسبون هذه الفلسفة إلى أفلاطون (٣)

والإشراقيون هم أتباع المذهب القائل بحكمة الإشراق من تلاميذ المتصوف الإسلامى الشهير السهروردي المقتول عام ۱۱٩١ للميلاد ؛ غير أن الفلسفة الإشراقية تسبق عهد السهروردي زمن طويل )4. وهذه الفلسفة و هي فلسفة روحانية لها في نظرية المعرفة مذهب صوفى وتعبر عن الله وعالم العقول بالنور . والمعرفة الإنسانية في هذا المذهب عبارة عن إلهام من العالم الأعلى يصلنا بواسطة عقول الأفلاك . وأكبر أصحاب هذا المذهب هم : هرمس وأجاثوديمن وانبدو قليس وفيثاغورس وغيرهم . ولأفلاطون صلة بهذا المذهب أكثر من صلة أرسطو به ، وهؤلاء الفلاسفة يوصفون غالباً بأنهم أنبياء أو حكماء ملهمون . وقد تأثرت الفلسفة الإسلامية بهذا الذهب منذ نشأتها إلى وقتنا الحاضر تأثراً كبيراً . وأتباع مذهب الشائين في الإسلام متأثرون بالفلسفة الإشراقية بعضى الشيء . وربما كان أقلهم تأثراً بها الفيلسوف ابن رشد (5)

نبغ رجال هذا الجيل في عهد الدولة الصفوية . والدولة الصفوية دولة قامت على أسس صوفية ؛ ولذلك راج التصوف في هذا العهد رواجاً عظيما واكتسب صبغة رسمية ! فلا عجب أن رأينا

فلاسفة هذا الهد فلاسفة صوفيين بأخذون بطريقة الإشراقيين يروجون الفلسفة الإشراقية التى هى أقرب فلسفة إلى مذاق م عقول المتصوفين(1).

أما أولئك الذين حملوا البذرة الأولى للحركة العلمية والفلسفية من هذه الدولة فقد كانوا من العلماء العرب من سوريا ومن العراق و من البحرين لاقوا تحابا والحكومة في حاجة إلى أنصار يؤيدون حركتها ووجدوا تشجيعاً في كل مكان ومقام . وكان على رأس من هاجر من سوريا إلى إيران الشيخ الحسين بن عبد الحمد بن نس الدين العاملي الحارثي من قبيلة بني همدان . هاجر على عهد نشاه طهماسب الصفوى فأسند إليه منصب شيخ الإسلام» (۲) و تشييخ زين الدين على العاملي المعروف بمنشار (۳) وكان على رأس من جاء من البحرين الشيخ ماجد البحراني المشهور في علم الحديث والفقه"4".

درس على أيدى هؤلاء العلماء جماعة من المهاجرين العرب ، ومن الوطنيين الفرس. وانتشرت بفضل هؤلاء الكتب العربية وتوسعت حركة التأليف بلغة القرآن . وظهرت طبقة فاقت مشائخها في العلم والشهرة على رأسها الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد العالم السيوري المعروف المتوفى سنة ١٠٣ للهجرة (٥) . ورث هذا العالم من أبيه الميل إلى التصوف والرياضة حتى عد في دمة المتصوفين. ونبغ في العلوم الشرعية وفي الفروع الفلسفية على الأخص (6) . وكتب فى المعارف الإنسانية التي كانت شائعة

في ذلك الوقت فهو دائرة معارف عامة جمعت كل فن وموضوع . والبهائى صاحب الكشكول وإن كان حكيما ومتصوفاً إلا أنه لم ينصرف إلى معالجة الفلسفة وقضايا التصوف انصرافاً كلياً بل عالج المسائل معالجة « الأنسكلو بيدي » الذي يهتم بكل شيء ويبحث عن كل شيء . لم يفعل ذلك في معالجة القضايا الفلسفية والمسائل الصوفية فقط بل كان ذلك شأنه في كل المواضيع تقريباً ( ولذلك كانت كل طائفة من طوائف المسلمين تنسبه إليها » (۱) « تراد يعظم كثيراً من الصوفية الأغوباء والملاحدة الأشقياء فى جملة من مؤلفاته (٢) مثل مدحه الحسين بن منصور الحلاج وجماعة من المتصوفة الذين تحوم حولهم الشبه . وهذا ما جعل بعض المتعصبين المحافظين أمثال المحدث الشيخ عبد الله ابن صالح البحراني والعلامة المجلسى وفيض الله التفرشي وأمثالهم يضعفونه في كتبهم ولا يأخذون بروايته (٣) . ويغمزون في بعض ميوله ولا سيما في ميوله إلى المتصوفة والتصوف (4) . على أن الرجل ثقة جليل القدر ولا يشك في وثوقه أكثر العلماء (٥) . أما المير محمد باقى الاسترآبادي المعروف بالداماد وهو لقب ورثه من أبيه السيد محمد الذي تزوج من ابنة العالم العربي السورى الشيخ على بن عبد العال الكركي فعرف به ومعناه ( الصهر ) فهو فيلسوف تعميق التفكير قوى العقل تدل أيخائه في كتابه القبسات(6) على علم غزير في الحكمة والفلسفة ومواضيع علم الكلام

أما فلسفته فهى فلسفة إشراقية وقد غرف لذلك بالإشراق» أو ( الإشراق ) وأما أشعاره فهى مشرقة الديباجة مسبوكة

الأسلوب على طريقة الصوفيين الإشراقيين (۱) . وقد أثرت هذه الفلسفة على نفسية تلميذه الشهير المعروف بالملاصدرا وهو صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي أعظم الفلاسفة المتأخرين (٢)

يقول صاحب كتاب روضات الجنات عن الملاصدرا «كان الملا صدرا فائقاً على ساء من تقدمه من الحكماء إلى زمن الطوسي منفعاً أساس الإشراق وتفتحاً أبواب الفضيحة على طريقة المشائين والرواقيين» (3). ويقصد صاحب روضات الجنات بالمشائين الفلاسفة الأرسطو طاليستين (4) ويمثلهم كما يقول المستشرق الإنكليزى براون ، ابن سينا خير تمثيل . وعلى هذا فتكون فلسفة الملا سدرا فلسفة معاكسة لفلسفة أرسطو وابن سينا كلي المعاكسة (٥) . أما المستشرق الفرنسي كويينوه  Gobineau  فكان قد ذكر عنه أنه كان من الفلاسفة الذين استمدوا فلسفهم الفلسفة الأرسطوطاليية ومن فلسفة أبن سينا الفيلسوف الذي كان بارعاً في هذه الفلسفة دارساً لها وإن لم يكن مقاراً لها تمام التقليد (6)

والحقيقة أن رأي كويينو الذي انتقده المستشرق براون هو المذهب الصحيح . فقد استمد الملاصدرا من المنبع الأرسطو طاليسي ومن فلسفة ابن سينا ما شاء أن يستمد ؛ وقد سمى فيها بعد البث فلسفة ابن سينا التي كانت قد اندثرت وماتت في نواحي إيران حتى وجه أنظار الطلاب والباحثين إليها (٧) . وقد كان أستاذه المير باقى الداماد من الحريصين على هذه الفلسفة فلا يستبعد أن يكون هذا الحب الذي نجده فى كتب الملاصدرا من أثر ذلك التوجيه الذي رسمه أستاذه في كتبه ولا سيما في كتابه الفلسفي

الشهير لا القبسات (1) بستمد للاصدرا فلسفته في الواقع من منابع كثيرة أهمها أراء اليونانيين ولا سيما أراء أرسطو وتلميذه ابن سينا ومن أفكار المتصوف الشهير محيى الدين بن العربي ومن تعاليم الدين الإسلامى . من القرآن والحديث والسنة النبوية وما جاء عن الأمة من أقوال (۲)

ولابن عربي المتصوف الشهير وصاحب الآراء المعروفة في عالم التصوف مثل رأيه فى ) وحدة الوجود ) وأفكاره الأخرى التي تعارض ظاهرها الشريعة الإسلامية (۳) منزلة عظيمة في نظر الملا صدرا وفي نظر الفلاسفة الآخرين من أهل هذا الجيل . وقد تكون وحدة الرأى ووحدة المشارب والأفكار هي التي جمعت بين الإثنين بين محيى الدين بن العربي وبين الملا صدرا في المذهب الصوفى على تباعد لشخصين. وقد اتهم الملاصدرا نفسه بمثل ما اتهم به ابن العربي ؛ ففي كتاب « الأسفار ) وهو من أهم  كتبه في الفلسفة « كلمات لا تلائم ظاهر الشريعة (4) . وقد دافع عنه أتباعه وأنصاره بمثل ما دافع أتباع محى الدين بن العزبي وأنصاره عنه (٥) ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية