- ٢٧ - الفلسفة الصينية العصر المنهجي - كونفيشيوس
مؤلفاته
تنقسم مؤلفات هذا الحكيم إلى قسمين. فأما القسم الأول فهو مجموعة شروحه وتعليقاته على الكتب المقدسة التي نسخها بخطه ثم أحاطها بطائفة ضخمة من معارفه العامة وآرائه الشخصية في الدين والفلسفتين النظرية والعملية، كما أن تلاميذه قد أحاطوا الأقسام الفلسفية من هذه الكتب بشروحهم وتعليقاتهم كذلك إلى حد أن اختلطت على الباحثين آراؤهم بآراء أساتذتهم وأما القسم الثاني فهو كتبه الخاصة التي وضعها وضمنها مذهبه وعارض في بعضها مذاهب من سبقوه وعاصروه من الفلاسفة الذين أسلفنا الحديث عنهم في الفصول السابقة. وهذا القسم أيضاً ممتزج بآراء التلاميذ على نحو ما امتزجت آراء سقراط بمذهب أفلاطون وإن كانت آراء حكيمي الإغريق قد وضحت وتبين منها ما للأستاذ وما للتلميذ بفضل علماء العصر الحديث الذين نخص منهم بالذكر العالمين الفرنسيين (ريفو)و(بريهييه)
القسم الأول
يحوي هذا القسم كل الكتب المقدسة الهامة التي سبقت عصر (كونفيشيوس) ولكن الذي يعنينا هنا هو الكتب الرئيسية وهي: (وي - كينج) أي الكتب الخمسة. فأما (شو - كينج) و (شي - كينج) فقد كان حكيمنا معنياً بهما عناية فائقة إلى حد أنه اتخذ مما فيهما من صور مُثله العليا التي يجب أن يحتذيها العلماء والملوك؛ ولم يعرض المستصينون لتحقيق ما احتواه هذان الكتابان وتبين ما للأستاذ فيهما وما
للتلاميذ من شروح وتعليقات. وأما (إي - كينج) فقد وجد عليه الباحثون شروحاً مطولة، وتعليقات مسهبة، وتقريرات مطنبة، فدرس العلماء كل هذه دراسة دقيقة خرجوا بعدها مقتنعين بأن هذه المطولات مزيج من آراء: (كونفيشيوس) وتلاميذه، ولكنهم لم يستطيعوا إلى الآن أن يحلوا هذه المشكلة تماماً فيبينوا ما للأستاذ وما للتلاميذ. وأما (لي - كي) فقد ضاع أكثره، لأنه حين أحرقت الكتب لم يكن متداولاً كغيره ففقد منه ما فقد، والجزء القليل الباقي منه وجد - فيما يظهر - بدون شرح ولا تعليق، لأنه كتاب طقوس دينية أكثر منه أي شيء آخر، فلم يكن هناك داع للشرح أو للتعليق.
وأما كتاب (تشون - تسيو) ومعناه: (يوميات الربيع والخريف) فهو الكتاب الوحيد الذي لم يَرتبْ أحد من الباحثين المدققين في نسبة ما عليه من شروح وتعليقات إلى (كونفيشيوس) وحده. ويؤكد أولئك الباحثون أن هذه التعليقات هي أسمى بكثير من النصوص الأصلية للكتاب، لأن هذه التعليقات تدل على علم واسع ودراية شاملة بالتاريخ الصيني القديم والمعاصر لهذا الحكيم بدرجة أدهشت علماء العصر الحديث
القسم الثاني
يتكون هذا القسم من أربعة مؤلفات تدعى بالصينية (سي - شو) . وتعبيرنا في جانب هذه الكتب بألف أو وضع فيه شيء من التجوز، لأن المستصينين يكادون يجمعون على أن الحكيم أملى بعض هذه الكتب على تلاميذه إملاء كما حاورهم أو حاضرهم بالبعض الآخر فرووه عنه وأثبتوه مقترنا باسمه دون تغيير ولا تبديل. وليس هذا فحسب، بل إن كتاب (لون - يو) أحد الكتب الأربعة وأكثرها انتشاراً قد وجد مكتوباً بأسلوب أحد الذين تتلمذوا على تلاميذ (كونفيشيوس) بعد أن روى له أستاذه عن الحكيم الأكبر ما رواه شفهياً من الآراء والأفكار بنصوصها وعباراتها. ويحتوي هذا الكتاب على مجموعة من آراء مقتضبة وجوامع كلم، ومحادثات مع التلاميذ وملاحظات هؤلاء على آراء أساتذتهم وهلم جرا. وليس لهذا الكتاب - على سعة ذيوعه وتداوله - أهمية فلسفية عظمى
أما الكتاب الثاني وهو (تا - هيو) أو الدراسة الكبرى فهو دراسات وجيزة لبعض الآراء والمشاكل الفكرية في صورة أمثلة وحكم، وقد كتبه (تسيه سي) حفيد كونفيشيوس) ولكن (تشو - إي) أحد شراح (كونفيشيوس) الصينيين في القرن الثاني عشر يؤكد أن النصوص الأصلية لهذا الكتاب قد وجدت مثبتة بخط الحكيم نفسه وأن حفيده لم يزد على شرحها والتعليق عليها. ولا يرى العلماء في هذا الرأي بأساً إذ يحتمل أن يكون هذا الحفيد قد استولى على نصوص جده وأضاف إليها مذكرات من معارفه الخاصة المتواترة في الأسرة عن هذا الجد. ويرى بعض آخر من الباحثين أن هذا الحفيد لم يجد في الغالب نصوصاً مكتوبة من هذا السفر، وإنما وجد روايات شفوية مأثورة عن جده فأثبتها بأسلوبه. وأما الذي شرحها وعلق عليها، فهو (تسانج - تسيه) أحد تلاميذ (كونفيشيوس)
أما الكتاب الثالث، فهو (تشونج - يونج) وهو أهم كتب هذا الحكيم الفلسفية، لأنه هو الكتاب الوحيد الذي يحوي مذهبه، والمؤلف الجوهري الذي يعتمد عليه الباحثون في فهم المدرسة (الكونفيشيوسية) ، ويتكون هذا الكتاب من مقدمة واثنين وعشرين فصلا فأما المقدمة فقد كتبها حفيده السابق الذكر، وهي مجموعة وافية من الآراء الأساسية في أخلاق (كونفيشيوس) سمعها هذا الحفيد من جده مباشرة فأثبتها في المقدمة وشرحها شرحاً مفصلا في بقية الكتاب
ويرى (ألين) الإنجليزي و (فون إركس) الألماني أن هذا الكتاب ليس إلا مجموعة مشوهة من (تاويسم) ؛ فأما الأول فيرى الأستاذ زانكير أن من العبث الرد عليه، لأنه هو الذي زعم أن (كونفيشيوس) أسطورة، وأما الثاني فالسبب الذي خدعه وأوقعه في هذا الخطأ هو أنه وجد أن هذا الكتاب يحتوي على شيء غير يسير من التنسك الذي يشبه ميول (لاهو - تسيه) فاستبعد صدور هذه الآراء عن (كونفيشيوس) ، ولكن هذا خطأ بحت، لأن (كونفيشيوس) ليس مادياً جافاً ولا نفعياً أثراً، وإنما هو حكيم جليل قمين بأسمى الأخلاق
وأما الكتاب الرابع فهو مجموعة كتب (مانسيوس) السبعة التي سنعرض لها عند حديثنا عن هذا الفيلسوف

