الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649الرجوع إلى "الرسالة"

الفلسفة مأمونة

Share

أثمن الله على الخطر ؟ إن الفلسفة خطر على أصحابها وخطر على عقول العامة ، لأنها ما زالت منذ كانت تثير الظنون وتعرض المشتغلين بها للقيل والقال

قرأت هذا في كتاب غفل من الإمضاء ، فكان في ذلك بعض الدليل على أن اتهام الفلسفة بالخطر في زماننا هذا هو الخطر الذي يستتر منه الناس.

و أبادر فأقول لصاحب الخطاب ومن على رأيه إن الكتب الفلسفية التي أشرت إليها في مقالى السابق بالرسالة ليست من الكتب التي يختلف فيها قولان ، لأنها تتناول المباحث التي يتفق على دراستها رجال الدين ورجال العلم ولا يتحرج من قراءتها أصحاب رأى من الآراء .

ونحن مع هذا فى زمان غير الزمان الذي كان يخشى فيه على الفلاسفة والمتخلفين

وبودي أن أقول بعد هذا وذاك إن الفلسفة مظلومة في تلك الأزمنة التي كانت تتخذ فيها ذريعة للتنكيل بمن أصابهم التشكيل من جرائها أو من جراء الانتساب إليها ..

فقد ظلموها والله حين أصابوا بإسمها من أصابوه ، فإنما كانوا يحسدون الفيلسوف على مكانة مرعية أو ينفسونه لعلة ظاهرة أو خفية ، فيظلمونه ويظلمون الفلسفة معه ، ويجهل الأمر من يجهله فيقول إن هؤلاء الظالمين منصفون لأنهم عاقبوا من يستحق العقاب ولم يأخذوه بغير جريرة ولم يختلقوا عليه الذنوب !

ولو كانت الفلسفة هى العلة الصادقة لأصابت النكبات كل فيلسوف يبحث فيما وراء الطبيعة ويتصدى للكلام في أصل الوجود أو أصول الموجودات .

ولكنهم لم ينكبوا من الفلاسفة في الواقع إلا من كان ذا منزلة محمودة ومقام ملحوظ ، وإلا من دخل معهم في مشكلات السياسة ومطامع الرئاسة ، أو كانت لهم عنده ترة يتمحلون الأسباب المجازاته عليها ، فيرجعون بها إلى هذه الفلسفة المسكينة ، وهي غنية بالملل والأسباب !

وإلا فما بالهم لم ينكبوا الكندى والفارابي ونكبوا ابن سينا الوزير وأن رشد قاضي القضاة ؟

فالكندى كان رجلا ميسور الحال موفور المال ولكنه اعتزل الناس ولم يشترك معهم في مطامع الرئاسة فتركوه يتفلسف كما يشاء ، وكان قصارى ما أصابه من ألسنتهم أنهم تندروا ينخله وزيقوا الاحاديث عن عشقه وغرامه ، وسلم له رأسه إلا مما سرى إليه - فيا قيل - من وجع في الركبة قد استعمى على العلاج

والفارابي نظر إلى محيط السموات وأعرض عن الأرض ومن عليها وقال فى رياضته الهندسية ورياضته النفسية :

وما نحن إلا خطوط وقع من على نقطة وقع مستوفز محيط السموات أولى بنا تقيم التزاحم في المركز ! فقالوا له : دونك وما تشتهى من محيط السموات ، ودعنا وما تتزاحم عليه من هذه المراكز والنقاط !

أما ابن سينا فقد زج بنفسه بين المتنازعين من الأمراء والرؤساء فزجوء في السجن والجأوه إلى التي وضيقوا عليه المسالك وعلموه طلب السلامة في زوايا الإهمال

قال تلميذه ومريده أبو عبيد الجوزجاني « تم سألوه تقلده الوزارة فتقلدها . ثم اتفق تشويش المكر عليه وإشفاقهم منه على أنفسهم ، فكيسوا داره وأخذوه إلى الحبس وأغاروا على أسبابه وأخذوا ما كان يملكه وسألوا الأمير قتله فامتنع منه ، وعدل إلى نقيه عن الدولة طلباً لمرضاتهم ، فتوارى في دار الشيخ أبي سعد ... ) إلى أن عاد

فالعلة في الأرض لا في السماء . والمصيبة من ( الطبيعة ، لا مما وراء الطبيعة . وآفة الرجل أنه أراد أن يكبح السلاح بالحكمة، ولو استطيع ذلك لاستطاعه أرسطو في سياسة الأسكندر . . وهيهات .

ثم مات الرجل في داره حينما زالت عنه رهبة السلطان ولم يمت في الحبس كما وهم بعضهم في قول بعض حاسديه : رأيت ابن سينا يعادى الرجال وبالحبس مات أخس المات قلم يشف ما ناله بالشفا ولم ينج من موته بالنجاة

وإنما كان الحبس في اصطلاحهم بديلا من داء «الإمساك » في اصطلاح هذا الزمان !

وقد صدق هذا الحاسد الشامت حين رد البلية كلها إلى معاداة الرجال لا إلى معاداة الله أو معاداة رسل الله

و ابن رشد جمع على نفسه بين جسد - الوجاهة والنباهة وبين سخط العظماء ونكاية ذوى السلطان

شرح كتاب الحيوان لأرسطو وهذيه وقال فيه عند ذكره الزرافة ( رأيتها عند ملك البربر ) ... عند ملك البربر » ... وكان إذا حضر مجلس المنصور وتكلم معه أو بحث عنده في شيء من العلوم يخاطب

المنصور بأن يقول : تسمع يا أخى ! ولا يخاطبه بألقاب الملوك والخلفاء .

فجزاه ( ملك البرير » دقة بدقة ونكاية بنكاية ، ورآه يستكثر عليه أن ينسب إلى العرب أو يسمى بخليفة المسلمين فقال له : بل أنت الدخيل على أمة العرب وملة الإسلام فيها صح لدينا من الأنساب التي لا تقبل الكلام ! وهكذا أصبحنا ( خالصين » ! ...

وأصبح ( محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد ، يستر وراء هذه الأسماء سلسلة من أسماء بني إسرائيل ، ونقوه إلى محلهم في جوار قرطبة لأنه دسيسة على المسلمين من سلالة اليهود الذين يفتنون أتباع محمد بفلسفة اليونان !

ولولا تلك المقابلة فى الإساءة والانتقام لجاز أن يلصق هذا الفن بالرجل وإن لم يقم عليه دليل أو قام الدليل على نقيضه ، لأن أعدى أعدائه الشامتين به فى نكبته قد نفى هذه اللسيسة عن نسبه وشهد الجده بالتقوى والصلاح حيث قال :

لم تلزم الرشد یا این رشد لما علا في الزمان جدك

وكنت في الدين ذا رياء ما هكذا كان فيه جدك !

ومن قائل هذه الشهادة في جده ؟ هو الحاج أبو الحسين بن جبير الذي جعل من أهاجي ابن رشد أغنية يرتلها وبعيد ترتيلها على اختلاف القوافى والأوزان . فقال في تلك الأهاجي الكثيرة !

الآن قد أيقن ابن رشد آن تواليفه توالف

وقال :

كان ابن رشد في مدى غيه قد وضع الدين بأوضاعه

وقال يحرض على قتله :

وقد كان للسيف اشتياق اليهم ولكن مقام الخزى للمنفس أقتل

ولو رجعنا إلى سر هذه البلية كلها لوجدنا أن له علاقي الزمان جدك ) هي تفسير هذه الأبيات أو تفسير تلك النكيات ، وإن الزرافة التي عند الملك البرير» هي التي أدخلت نسب الرجل في سلاله بني إسرائيل

فالخطر يا صاحبي على الفلاسفة من الدنيا لا من الدين، ومن الخاصة الحاسدين لا من العامة الناقلين

وما خطب العامة والفلسفة وهى لا تصل إليهم وهم لا يصلون إليها ولا تنعقد ينهم وبينها علاقة نظر ولا علاقة سماع ؟

فاذا تحرك العامة فابحث عن الصلة » ينهم وبين القضية فلن تجدها في أكثر الأحوال إلا نكاية حاسد أو وشاية جاحد أو حجة ظالم يستر ظلمه للفلسفة بدعوى الإنصاف للدين ، وإن الدين منه البراء

واعلم يا صاحبي أن العامة في كل زمان وحش محبوس لا ينال فريسته إلا بعد تحريش وانطلاق ، وإن الذين يحرشونه ويطلقونه هم أصحاب الدنيا وعروضها وليسوا بأصحاب العقائد وفروضها . إلا في النادر الذي يحسب من الاستثناء .

وما أصدق المعرى حين قال متسائلا : ما للناس ولى وقد تركت لهم دنياهم !

فانه قد لمس الفناء في أصوله حين حسب أن ترك الدنيا يتركه في آمان ، وقد تركه فعلا في أمان إلا من القيل والقال ، وهو أهون ما يمر بالرجال .

تفلسف ياصاحبي كما تشاء ودع الناس يتفلسفون كما يشاءون فما دامت فلسفتك لا تصيب أحداً في دنياه ولا تفيد أحداً في دعواه ،

فأنت ظافر برضوانهم وظافر عندهم برضوان . أما إذا أصبت دنياهم ونقضت دعواهم فيا ويلك إذاً من الأرض والسماء ، وياسوء ما تلقاه من العلية والدهماء ، ولو زكاك للنييون وشهد لك الأولياء ، ولزمت الصلاة والدعاء في كل صباح ومساء .

ومالك تذكر الخطر على الفلاسفة ولا تذكر الخطر على حماة الدين من الأنبياء والمرسلين ؟ فهم الذين علموا الناس الأديان وهم الذين يثار الناس باسمهم حين يثارون على الفلاسفة ومن يزعمونهم من أهل النكران والجحود ، ولو وزنت حظوظهم من البلاء والاستهزاء ووزنت معها حظوظ الفلاسفة والمتغلة ين ، لا حارت شركات التأمين » بين أصحاب اليساء وأصحاب اليمين

هي الدنيا ياصاحبي تظلم الدين كما تظلم الفلسفة بما تدعيه عليه وعليها ، وأحسبنى قد باكرت هذا المنى القديم حين قلت قبل نيف وثلاثين سنة : لو كان ما وعدوا من الجنّات في هذى الحياة لسر هم من يكفر

فدع دنياهم وتفلسف على بركة الله ، وأنت في أمان من الله و من عباد الله .

اشترك في نشرتنا البريدية