إن لفن كل عصر من العصور صفة تلازمه . فكان فن القرن الخامس عشر ميالا لها فحاكاة الطبيعة ، واشتهر فن الفلمنك سكان أوربا الشمالية ببيان التفاصيل الظاهرية ، أما فن الفلور نسيين في إيطاليا ، فقد كان أبعد مدى من ذلك ، لأنه قام على اساس قواعد المنظور والتقصير والتشريح والحركة ، وما إليها
أما في أوائل القرن العشرين وما قبله بقليل ، فقد تحولت الرغبة كثيرا عن ذلك ، بعد أن وصل التصوير الطبيعي إلي قمته خلال القرون الخمسة الماضية ، فاقتصت جرأة بعض الفنانين ورغبتهم في الابتكار ، نبذ محاكاة الطبيعة والأقلاع عن تصوير مظاهرها تصويرا حرفيا ، وعمدوا إلي تجاربهم المختلفة في هذه السبيل ، فنشات النزعات العديدة ، ثم انتهوا إلي ما سموه (Abstract)أي الفن التجريدى ، ولم يقتصر الأمر على التصوير ، بل تعداء إلي الحفر وعمل التماثيل . ولا يمكن للجماهير أن تقدر قيمة هذه الفنون الحديثة ، إلا إذا درستها من غير محزب للطبيعة
ومن المفروض أن التصوير الطبيعي هو إنشاء يتكون من محاكاة الطبيعة في اللون والخطوط والضوء والظل ، والمفهوم أن المحاكاة لا تفقد تلك المظاهر ما لها من قيمة فنية ، ولكنها قد تشوه بعضا من نقائها وصفائها . ولذلك يصر الفنان الحديث على أن ينصرف عن محاكاة الطبيعة ، ويعمد إلي ابتكاراته المجردة
وقد يؤدي هذا المنطق إلي ضعف في التصوير ، وحذف لكثير من الميزات، ومن معالم التعرف على الموضوع ، والتمتع ببهجة القدرة الفنية على صنعة التكوين والإنشاء الطبيعي ولكن الفنان التجريدي (Abstracl)يفضل الفقر في هذه النواحي في فنه ، على تشويه المظهر المعنوي للطبيعة (شكل ١ )
نزعة الثائريين (Imdressionism):
يتغير مظهر الأشياء بتغير سقوط الضوء عليها . فمظهر الشجرة في الصباح غيره بعد الظهر ، ثم غيره قرب
الغروب ، لأن لونها والضوء الموزع عليها ، والظلال التي تتخلل كتلها وتختلف كل الاختلاف بن كل لحظة وأخري فإذا صورنا ، تلك الشجرة مرة كل ساعة مثلا ، تتكون لدينا مجموعة صور ، لكل واحدة منها مظهرها الخاص . هذا هو الأساس الذي بني عليه التأثريون طريقتهم
ثم عمدوا إلي أن تكون ألوانهم براقة تمثل ضوء الشمس ، ووضعوها على شكل بقع وشرط من ألوان مختلفة فكان للتباين البادي بينها أثره في إكساب الصورة بريقا يشبه بريق الشمس ، وضوءا يحا كى ضوءها . وهكذا تقدم بعض الفنانين الفرنسيين للجمهور سنة ١٨٦٣ ، فأقاموا معرضا كانت له ضجته . لأن صوره خالفت ما ألفه الناس في فن التصوير . ( انظر الأشكال ٢ و ٣ و ٤ )
ولما كثرت معروضات التأثربين بدأ الناس بألفونها . وكان مونيه الفرنسي احد زعماء، هذه الحركة ، يخرج في عربة ومعه الكثير من اللوحات المعدة للرسم عليها . فيقضى اليوم بطوله بصور الشكل الواحد عدة مرات ، كل مرة في لوحة على حسب تحول الضوء
وسئل مانيه ، وهو فنانن فرنسي آخر من أتباع النزعة ، عن أهم شخص في صورة رصحها ، فكان جوابه التاريخي المشهور : " إن أهم شخص في أي صورة هو الضوء "
ونشأ سيزان الفرنسي ، وهو زعيم ثالث ، متشبعا بهذه الطريقة ، ولكنه بعد مدة اراد أن يحول الفن التأثري إلي فن أ كثر رسوخا مما كان ، ليصبح له مركز خالد كما للفن القديم ، فنحا به نحوا جديدا ، وجاهد طويلا حتى ترك تراثا عظيما ، لم يقدره له العالم إلا بعد وفاته
وكانت له ولأتباعه هذه الطريقة الجديدة المحورة عن التأثربين سموها " ما بعد التأثريين "
والطابع الذي يميز هذه النزعة هو الرغبة في التوفيق بين الفن التأثري الحديث ، وبين الفن الكلاسيكي القديم ، باتخاذ طريق متوسط بين رغبة المغالاة في تصور الضوء واثره ، التي هي أساس نزعة التأثريين ، وبين التشبث بإحاكماة الحرفية لعناصر الطبيعة ووحداتها ، الذي هو الطابع التقليدي للفن القديم . ويتضح ذلك جليا في صورة
" اللاعبين بالورق " ليزان التي لم يعد الضوء " أهم شخص
فيها كما ، قال انه متفن وواف ، كإ ان التعبير عنصر الطبيعة في بيان الابعاد والمساحات والمظهر العام للموضوع متوفر وجلى ، رغما عن البساطة الثامة التي اتهجها سيزان في طريقة تصويره الجديدة التي وضح لنا بها قطعة غدة من الحياة فأبدع الإيضاح
وقد تحاكم من جوجان الفرنسي وفان جوك الهولندي
هذا النحو الجديد في الرسمين المصورين في شكلي ٦ و ٧ . ولتلائهم في المظهار ذخيرة فنية عظيمة :

